رأي

 وظائف الغد: بين الاختفاء والتشكل

آفاق رقمية

 د. محمد عبد الرحيم يسن

      (٥/١)

 هل تختفي الوظائف فعلا؟

مع كل موجة تقنية جديدة، يتكرر السؤال هل ستختفي الوظائف؟ ومع تصاعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي، عاد السؤال مصحوبا بقلق مشروع لدى كثيرين. الصورة التي تتشكل في الأذهان توحي بأن الآلات والخوارزميات ستأخذ مكان الإنسان، وأن سوق العمل يتجه نحو تقلص مستمر للعمالة. هذه الصورة تحتاج إلى قراءة أعمق، تتجاوز الانطباع، وتقترب من طبيعة التحولات التي يشهدها العالم.

التاريخ يقدم لنا إشارات، ففي بدايات الثورة الصناعية، ظهرت المخاوف من فقدان الوظائف مع دخول الآلات إلى المصانع. ما حدث لاحقا كان مختلفا. تغيرت طبيعة العمل، واختفت بعض المهن، وظهرت مهن أخرى، واتسع نطاق الاقتصاد بصورة لم تكن متوقعة. الأمر نفسه تكرر مع دخول الحاسوب. كثير من الأعمال اليدوية والإدارية تغيرت، وبعضها تراجع، وفي المقابل نشأت مجالات جديدة بالكامل. التقنية لم تلغ العمل، بل أعادت تشكيله. في هذا السياق، يصبح من المهم التمييز بين اختفاء الوظيفة وتغيرها. عدد كبير من الوظائف لا يختفي، بل تتغير مهامه. المحاسب لم يختف، لكن أدواته تغيرت. الموظف الإداري لا يزال موجودا، غير أن طريقة عمله أصبحت مختلفة. القيمة تنتقل تدريجيا من تنفيذ المهام إلى تحسينها. الذكاء الاصطناعي يعمل في الاتجاه نفسه. يتعامل بكفاءة مع الأعمال المتكررة، ويقدم دعما في التحليل، ويساعد في اتخاذ القرار. هذا يعني أن بعض المهام ستتراجع أهميتها، خاصة تلك التي تعتمد على التكرار، وفي المقابل تزداد أهمية الأدوار التي تحتاج إلى معرفة، وتقدير، وتفاعل إنساني. من الخطأ النظر إلى المستقبل كمسار يفقد فيه الإنسان دوره. الأقرب إلى الواقع أن الدور يتغير. الإنسان ينتقل من التنفيذ المباشر إلى الإشراف، ومن العمل اليدوي إلى العمل الذهني، ومن أداء المهمة إلى فهمها وتطويرها. في حياتنا اليومية، يمكن ملاحظة هذا التغير بالفعل. الخدمات أصبحت أسرع، والاعتماد على الأنظمة الرقمية ازداد، والمهام الروتينية تقلصت. هذه التحولات تعني بداية مرحلة جديدة تتطلب مهارات مختلفة. القلق مفهوم، وهو جزء من أي تغيير كبير. التعامل معه يبدأ بالمعرفة. ما يحدث عبارة عن إعادة توزيع للأدوار وليس اختفاء، وظهور فرص في مساحات جديدة. في الحلقة القادمة نتناول أي الوظائف أكثر عرضة للتأثر، ولماذا تتغير بعض الأعمال أسرع من غيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى