رأي

جدلية تقرير المصير… بين مطرقة الوحدة القسرية وسندان التفتت

د. الهيثم الكندي يوسف

كنا وفي إطار رؤيتنا للانتقال من دولة الغنيمة إلى دولة الإنتاج قد أوضحنا أن الاقتصاد كان هو المشكلة، ورأينا أن يكون هو المدخل للحل، وذلك عبر استفادة كل إقليم في السودان من موارده الاقتصادية من أجل التنمية ورفع الظلم الذي وقع على الأقاليم من المركز ونخبه الحاكمة.

وأوضحنا مشروعية الخوف من أن يؤدي شعور الأقاليم بالاكتفاء المالي إلى تعميق مطالبتها بالانفصال، وإن كنا قد قدمنا من الوسائل ما يمكن أن يمنع ذلك (راجع مقالي ما وراء الجمود .. ديناميكيات المقاومة).

إلا أننا ومن الشجاعة في مواجهة هذه الأمور المصيرية أن نناقش فكرة الانفصال، مبتدأها ودواعيها ومنطلقاتها وعدالتها فهي من الأمور التي حاولت النخب الهروب من مواجهتها خوفاً من أن تكتب في تاريخهم، إلا أنها اليوم تطرح كخيار لحل المشكل السوداني، وسأتناول في هذا المقال كل ذلك بمنهجية مبنية على العقل والمنطق بعيداً عن العاطفة.

إن دراسة الجذور التاريخية لتقرير المصير والتحولات التي اعترت المفهوم بانتقاله من التكتيك السياسي إلى الضرورة يستدعي إلقاء نظرة علي الأمر، إذ لم يكن حق تقرير المصير وليد اللحظة الراهنة أو طارئاً على الفكر السياسي السوداني، فقد تبلور بشكل واضح وممنهج في العام 1995 وتحديداً ضمن ميثاق أسمرا (التجمع الوطني الديمقراطي). حيث تبنته قوى المعارضة كأداة ضغط سياسي لمواجهة نظام الإنقاذ ثم انتقل المفهوم من حيز النظريات السياسية إلى الواقع الدستوري والقانوني عبر اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا 2005) التي منحت جنوب السودان حق الاستفتاء وهو ما انتهى لاحقاً بانفصال الجنوب في عام 2011.

ولما كان أعداء الإنقاذ من السياسيين يرمونها بأنها كانت سببا في انفصال الجنوب، فيما كانت تدافع عن نفسها بإعتبار أنها لم تكن أول المبادرين بإعطاء هذا الحق للجنوبيين بل من شرع ذلك وأنزله إلى واقع الإعتراف السياسي كانت هي النخب الحزبية المناهضة للانقاذ. إذا فالمشكلة لم تكن في تقرير المصير نفسه أو عدالته إنما كانت في عدم رغبة أي من الفرقاء السياسيين في تحمل نتائجه وتبعاته السياسية.

أما عن تحول مساره ليصل إلى يومنا هذا، فإن الحرب الراهنة قد أحدثت قطيعة مع المفهوم القديم، فبعد أن كان تقرير المصير يمثل في العقل السياسي السوداني مطالبة أطراف محددة بالتحرر من المركز أصبح اليوم رد فعل دفاعي وملاذ للأقاليم التي شعرت بانهيار العقد الاجتماعي.

لقد أدركت بعض المكونات الاجتماعية في ظل استهدافها من قبل المليشيا علي أساس قبلي وغياب الدولة أن العاطفة والوعود المركزية لا تكفي للبقاء في وحدة لا يحترم الآخر شروطها، وبذلك انتقل هذا المطلب من كونه شعاراً سياسياً ترفعه النخب من أقاليم معينة في غرف التفاوض ليتحول إلى ضرورة وجودية تطالب بها قواعد شعبية وجدت نفسها وحدها من يدفع ضريبة الوحدة مما جعل من خيار تقرير المصير في نظر الكثيرين هو الاستجابة الحتمية لفشل الدولة في تقديم الأمن والتنمية.

الواقع إن حق تقرير المصير مبدأ قانوني وأخلاقي كفل إنهاء حالات التوتر في كثير من التجارب للدول التي فشلت في بناء عقد اجتماعي مشترك، فلا يمكن إجبار شعب على العيش في وحدة لا يرغب فيها، كما لا يمكن الاستمرار في فرض دولة واحدة قسراً. وأنا هنا لا أبرر الفعل بل أدعو إلى الفعل المضاد، إذ يجب على الدولة أن تقاوم الانفصال بالعمل على إفشاله عبر الفكرة والعدالة لا بمنطق القوة العسكرية الذي جربناه مراراً وأثبت فشله.

وهنا يجب أن نعيد تعريف مفهوم العدالة، فهي لا تعني بالضرورة المساواة إنما تعني تكافؤ الفرص حيث يجب أن يرتبط كسب الناس بكفاءتهم ومؤهلاتهم العلمية والعملية، أما محاولة تحويل الوظائف الحكومية أو الدخول للكلية الحربية إلى حصص قبلية ومناطقية فهو تكريس للأزمة لا حل لها.

إن تمظهرات هذا الخلل تبدو جلية في المحاصصات التي جاءت بها اتفاقية جوبا للسلام (2020) والتي انتفت الحاجة إليها بسقوط نظام الإنقاذ وتغير الواقع السياسي. إن حصر المناصب في قبيلة أو إقليم معين يؤدي إلى تعميق الشعور بالظلم لدى الآخرين، ويجعل من السلاح الرافعة الوحيدة لنيل الاستحقاقات، مما ينسف أسس الانتماء الوطني.

يقتضي قيامنا بنقد الدولة المصنوعة إن نوضح بأن من أهم اللوازم الطبيعية للنهج القائم على (اقتصاد الغنيمة) والمحاصصة أن يشعر المواطن في الأقاليم الأخرى، حتى تلك التي كان ينظر إليها كرمانة ميزان الاستقرار بالتهديد. لقد انتقلت عدوى المطالبة بتقرير المصير من المناطق التي شهدت حروباً تاريخية مثل (دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق) لتطال تيارات (النهر والبحر) التي بدأت أصواتها ترتفع مؤخراً وأصبح لها اتباع معتبرون، مدفوعة بوقائع الحرب الجارية والتي استهدفتهم على أسس قبلية، مما جعل لهذا الطرح منطقاً واقعيا يكتسب أنصارا يوماً بعد يوم.

الانفصال وإن كان أبغض الحلال يظل خيارا أفضل من الاستمرار في نزيف الدم الذي لم يتوقف. فإذا استنفدنا كل فرص بناء الثقة وتلاشت إمكانية التعايش فلا بأس بأن نختار التراضي (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). فبدلاً من أن نكون (إخوة متشاكسين) في دولة تستنزفها الحروب، فالأفضل أن نكون (جيران متعايشين).

لقد كانت الحروب التي بدأت قبل الاستقلال عرضاً مرضياً للتهميش وغياب التنمية المتوازنة. لكنها يجب أن لا تكون سبباً للمطالبة بالانفصال. إن النخب في الأقاليم المأزومة بدلاً من أن توجه الموارد للتنمية فقد استثمرت في الحروب التي أكلت الأخضر واليابس.

(ياتري كم تكلف الحرب القائمة اليوم وكيف كان سيبدو الواقع لو وجهت هذه الموارد للتنمية؟ فضلاً عن ما خربته من البنى التحتية)

إن التخلق السياسي الذي ننشده يقوم على إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أسس إنتاجية فموارد السودان قادرة علي أن تكفي الجميع.

إن الوحدة التي نرجوها ليست تلك التي تفرض بالحديد والنار بل هي وحدة اختيارية قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية وليس على الاستحقاق القبلي أو المناطقي. لذا وقبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة في خيار تقرير المصير، دعونا نطبق رؤيتنا في تحويل الدولة من كيان للغنيمة إلى كيان للإنتاج حيث يشعر كل فرد أن بقاءه في هذا الوطن هو اختياره الحر وليست قدره المفروض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى