شريف حسن شريف
يأتي إعلان وزارة التحول الرقمي والاتصالات بالتنسيق مع بنك السودان المركزي والقطاع المصرفي حول ربط الهوية الرقمية الوطنية “سوداباس” بأنظمة البنوك لتحديث البيانات عن بعد، مرتبطاً بصورة غير مباشرة بما تم إعلانه سابقاً من دعوة لعملاء بنك الخرطوم “بنكك” أو لعله استباق لتوجه العملاء لأقرب الفروع لتحديث بياناتهم، وهنا يأتي التحدي والسبق والمبادرة.
وتكمن أهمية الإشارة الواردة في إعلان الوزارة بأن “الربط سيتم تدريجياً وفق الجاهزية الفنية لكل بنك”؛ فهي رسالة طمأنة للمواطن مفادها: لا داعي للعجلة والاندفاع نحو الفروع. الحل الرقمي قادم إليك، فقط امنح البنوك الوقت لتكتمل جاهزيتها.
وهي في ذات الوقت رسالة واضحة لإدارات البنوك: أن المستقبل للتقانة، وأن مواكبة التطور التقني لم تعد خياراً بل ضرورة بقاء. فمن يقاوم التغيير اليوم سيجد نفسه خارج المنافسة غداً.
إن هذه الخطوة تضع بنك الخرطوم تحديداً في اختبار حقيقي، فهي تختبر قدراته وتضع تجربته مع “بنكك” وقاعدة ملايين عملائه تحت المجهر. ونجاح هذه التجربة سيكون بمثابة جواز مرور وصك ثقة تمنحه الجماهير ليس للبنك وحده، بل لكل أطراف هذه العملية: الوزارة، البنك المركزي، والقطاع المصرفي. كما أنه يمثل إعلاناً مجانياً وترسيخاً للصورة الذهنية الموجبة للوزارة، باعتبارها نجمة “حكومة الأمل” وعلامتها البارزة.
وبذات القدر، تمثل الخطوة رفعاً لحمل إداري ثقيل كانت ستتكبده فروع البنك.
تخيل عبء استقبال ملايين العملاء في فترة زمنية قصيرة، وتكلفة التشغيل، والضغط، والاكتظاظ؛ ويمكن بنجاح هذه الخطوة أن يتجنب الجميع السيناريو المتخبل لزيادة المعاناة والخسائر للمواطن والبنك معاً، وأن يغتح النجاح كذلك الباب أمام نموذج جديد لإنجاز الخدمات.
المطمئن أن المواطن السوداني قد تجاوز بحمد الله مخاوف “الأمية الرقمية”. فإنجاز عمليات التحديث أصبح ممكناً على مستوى كل بيت وأسرة. لقد لمس المواطن بنفسه نتائج التحول الرقمي وتعود على إمكانية إنجاز مهامه عبر هاتفه الجوال في بضع دقائق، لإجراء كان يستغرق يومه كاملاً في الصفوف والبحث عن الواسطات. وهذا هو جوهر التحول الرقمي: احترام زمن الناس وتسهيل حياتهم.
كما أن هذه الخطوة تؤكد على ضرورة التعاون والتنسيق بين الوزارة والبنك المركزي وكافة مؤسسات الدولة. فنجاح التحول الرقمي لا يتم بالتضارب أو التقاطع في الاختصاصات، وإنما بأن يعمل كل طرف فيما يليه من مهام، متكاملين لا متنافسين، في خدمة هدف واحد.
ويمكن لنجاح عملاء بنك الخرطوم في تحديث بياناتهم أن يمثل المعبر الآمن لمشروع “الدولة الرقمية” الذي نطمح إليه. دولة لا تطلب منك ورقة مرتين، ولا تجبرك على الوقوف في صف من أجل خدمة يمكن أن تصلك وأنت في بيتك.
ولكن الإشادة وحدها لا تكفي.
وهذا النجاح يتطلب وقفة صلبة وعيناً ساهرة لتجاوز ومعالجة أي عقبات تقنية أو بشرية قد تعترض التجربة.
ندعو إلى الإسراع في تعميم هذا النموذج على كل البنوك وكل الخدمات الحكومية.
كلما توسعنا في الخدمات الإلكترونية الآمنة، كلما قل الفساد، وقلت الرشوة، وارتفع مستوى الأمان والثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
والمواطن السوداني بعد هذا الرهق والمعاناة يستحق خدمات تليق به.
وخطوة “سوداباس” هي البداية الصحيحة في الطريق الصحيح. والمطلوب الآن هو الاستمرار.. وتسريع الخطى.. حتى يصبح السودان الرقمي واقعاً نعيشه، لا حلماً ننتظره.