أسامة مختار
يمثل منتدى التعاون الإعلامي الصيني الأفريقي إحدى أبرز آليات الحوار والتعاون بين الصين والدول الأفريقية في المجال الإعلامي، في إطار منتدى التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC). ومنذ إطلاقه في بكين عام 2012، أصبح المنتدى منصة تجمع المسؤولين الحكوميين، وهيئات الإذاعة والتلفزيون، والمؤسسات الإعلامية، وشركات الإنتاج والتقنية والخبراء، لبحث سبل تطوير التعاون الإعلامي والسمعي البصري بين الجانبين.
وعلى مدى أكثر من عقد، تطور المنتدى من التركيز على تبادل البرامج والتعاون في البث والتدريب، إلى أجندة أوسع تشمل التحول الرقمي، والإعلام الجديد، والإنتاج المشترك، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والصناعات السمعية البصرية، وتنمية الكوادر الإعلامية الشابة. وشهدت دوراته السابقة، التي انعقدت في بكين بصورة دورية، توقيع اتفاقيات ومشروعات تعاون وإطلاق مبادرات لتبادل المحتوى والخبرات وتعزيز قدرات المؤسسات الإعلامية الأفريقية.
وجاءت الدورة السابعة للمنتدى في بكين في أغسطس 2026 بمشاركة واسعة من الصين و45 دولة أفريقية، وحضور نحو 400 ممثل، بينهم عدد كبير من المسؤولين الأفارقة على المستوى الوزاري، إلى جانب قيادات المؤسسات الإعلامية والخبراء والشركات العاملة في مجال الإعلام السمعي البصري.
وعكست الدورة السابعة اتساع أجندة التعاون الإعلامي الصيني الأفريقي، مع تركيز واضح على مستقبل الصناعة الإعلامية في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والإنتاج الإعلامي المشترك، إلى جانب تطوير المحتوى السمعي البصري، وتبادل البرامج، والتدريب، وتعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والاقتصادي.
ومن أبرز نتائج الدورة اعتماد الإعلان المشترك للمنتدى، إلى جانب الإعلان عن نحو 80 مشروعاً ونتيجة للتعاون في مجال الإعلام السمعي البصري، بما يعكس انتقال الشراكة بين الصين وأفريقيا من مجرد تبادل الخبرات والبرامج إلى مشروعات عملية أكثر اتساعاً واستدامة، تستفيد من التطورات المتسارعة في التكنولوجيا والإعلام الرقمي.
وفي هذا المسار، واصل السودان حضوره الدورة السابعة بوصفه أحد البلدان الأفريقية عبر الأستاذ إبراهيم البزعي، المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، الذي شارك في الجلسات الافتتاحية والعامة للمنتدى. ويعكس هذا الحضور حرص السودان على مواصلة إسهامه في الحوار الإعلامي الأفريقي الصيني، والاستفادة من فرص التعاون التي يتيحها المنتدى.
وتكتسب المشاركة السودانية أهمية خاصة في ضوء العلاقات التاريخية والمتينة التي تجمع السودان والصين، والتي امتدت لعقود وشملت مجالات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية متعددة. وقد ظل الإعلام أحد الجسور المهمة التي أسهمت في تعزيز التواصل والتفاهم بين الشعبين، الأمر الذي يمنح التعاون الإعلامي بين البلدين مساحة واعدة للتوسع، ولا سيما في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام عالمياً.
وتتجاوز أهمية المنتدى، في هذا السياق، الإطار الإعلامي التقليدي، إذ لم يعد التعاون بين المؤسسات الإعلامية مقتصراً على نقل الأخبار وتبادل البرامج، بل أصبح مرتبطاً بالتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة وبناء القدرات. ومن شأن تعميق الشراكة الإعلامية الصينية الأفريقية أن يسهم في تعزيز حضور أفريقيا في المشهد الإعلامي العالمي، وإنتاج محتوى يعبر عن واقعها وتنوعها، وفتح آفاق جديدة أمام مؤسساتها للاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة.
وبالنسبة للسودان، يمكن أن يشكل المنتدى منصة مهمة لبناء شراكات إعلامية جديدة، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب وإعادة بناء وتحديث مؤسسات الدولة. وتبرز هنا فرص التعاون في مجالات تحديث البنية التحتية، والتحول الرقمي، والأرشفة، وتطوير غرف الأخبار والاستديوهات، والتدريب، والإنتاج المشترك، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي.
ومن شأن الاستفادة من هذه الفرص أن تساعد الإعلام السوداني على تجاوز مرحلة استعادة ما فقده، والانتقال إلى بناء مؤسسة إعلامية حديثة وقادرة على مواكبة التحول الرقمي، وصناعة محتوى مهني ينافس في الفضاء الإعلامي الجديد، ويعكس ثراء السودان وتنوعه، ويفتح جسوراً أوسع للتواصل مع محيطه الأفريقي وشركائه الدوليين.