التيجانى عبد القادر حامد
5 مايو 2026
رأيت ذات مرة (أوائل التسعينات من القرن الماضى) أن أدعو دكتور الترابى-رحمه الله- لالقاء محاضرة ضمن سلسلة محاضرات “التأصيل” التى كنت أشرف عليها من خلال موقعى فى ادارة وحدة التأصيل بوزارة التعليم العالى والبحث العلمى. ذهبت اليه فى منزله بالخرطوم وطرحت عليه فكرة المحاضرة، وقد كانت تحت عنوان: “التفسير التوحيدى”.
نظر إلى ملياً من فوق النظارة -نظرة استغراب أو استنكار(مع ابتسامة عريضة عُرف بها) ثم قال: ماذا تقصد بالتفسير التوحيدى؟ كنت أعرف من لقائاتى ومناقشاتى السابقة معه أنه من نوع الشخصيات الحذرة، وأنه-علاوة على ذلك- يمتلك قدراً كبيراً من أدوات المناكفة-سواء فى مسائل الادارة التنظيمية أو الفكر أو السياسة. فلا يجيب على سؤال إلا بعد أن يطرح أسئلة عن السؤال ذاته، ولا يوافق على خطة دون تمعن فى تفاصيلها ومآلاتها. أما أنه قد اكتسب تلك الروح الحذرة المناكفة من تجاربه السياسية، أو من تدريبه القانونى، أو من تجاربه مع الاعلاميين المراوغين الذين يبحثون عن “خبطات صحافية”، فلا أستطيع أن أقطع فيه برأى. ولكنى كنت على أية حال مستعداً لمثل هذا السيناريو.
أخذت أوضح على مهل تصورى عن “التفسير التوحيدى”. وكان مما ذكرت أن هناك أنماطاً عديدة من التفاسيرالمتعلقة بالنص القرآنى. منها تفاسير اللغويين الأقدمين حيث تُتخذ الأية وحدة للتحليل،مع تركيز على مفردات اللغة والقراءات و أسباب النزول؛ ومنها تفاسير الفقهاء والمحدثين التى تركز على الأحكام؛ ومنها تفاسير المحدثين التى تركز على القضايا المعاصرة، ثم لحقها أخيراً ما عرف بالتفسير الموضوعى الذى يأتى التركيز فيه على واحد من الموضوعات بمعزل عن الموضوعت الأخرى، وأشرت الى مدرسة محمد عبده التجديدية وسيد قطب والباقر الصدر وغيرهم من المحدثين.
وانهيت حديثى بأن قلت إن قصدى من “التفسير التوحيدى” هو إثارة مسألة “المنهج”، خاصة وأن لك رؤية “توحيدية” مستبطنة فى الكثير من كتاباتك الأولى (الصلاة عماد الدين وكتاب الايمان)، فنريد منك أن تستظهر ما كان مستبطناً.
كان قصدى بالطبع أن أجعله يسترجع الفكرة المحورية التى طرحها فى تلك الأعمال، حيث كان يتكلم فى رسالة “الصلاة عماد الدين” عن “تكامل تعاليم الاسلام”، وتناظر وحدة المعنى التى تربط عراه مع الوحدة والاتساق فى نواميس الطبيعة، وعن أهمية الترابط بين أحكام الاسلام ومعايير التفاهم العقلى؛ واتساق وحدة القرآن مع وحدة نواميس الطبيعة، ويدعو الى النظر المنهجى الفاحص والدراسة الشمولية لشئون الحياة.
وهذه الرؤية القرآنية التوحيدية تختلف تماماُ عن الرؤية “الانفصالية” التى تسعى لاحداث “قطيعة” بين أحكام الاسلام وشئون الحياة، وكيف أنه أراد فى كتاباته الأولى أن يبرز “نظام الاسلام” بمنهجه المتكامل وحكمته البالغة هداية المفكرين الضالين الذين زهدهم فى الدين طقوس غير مفهومه، وتقريرات غير معقوله، وشتات تعاليم غير منظومة. (الجدير بالذكر أنى لم أقع على مسألة التفسير التوحيدى هذه خبط عشواء، وإنما كنت مشغولاً بالبحث فى مسائل تحليل النص القرآنى طيلة العشر سنوات السابقة لهذا اللقاء، وقد نُشرت بعض حصيلة بحثى فى كتاب بعنوان “أصول الفكر السياسى فى القرآن المكى”، تجده على الرابط:www.alarabiamag.com/books/21903) .
اعتدل الشيخ فى جلسته وأخذ يومىء برأسه ويمسح على لحيته كمن تذكر شيئاً، ثم قال: سأنظر فى الأمر ولكن عد إلى قبل موعد المحاضرة. عدت اليه قبل موعد المحاضرة كما طلب فوجدته فى حالة من الاعياء يرثى لها. أفواجٌ من الناس يدخلون عليه ويخرجون، بعضهم من “الحداثيين” ذوى الازياء الافرنجية المعروفة، وبعضهم من “التقليديين” ذوى العمائم الكبيرة والعباءات المطرزة التى تراها عليهم فى المناسبات الأهلية. قلت له من هؤلاء، ومن أولئك؟ قال هذا وفد من زعماء القبيلة الفلانية أتونى لأداء البيعة(كان ذلك قبل حوادث التمرد المسلح الذى وقع فى دارفور)، وأولئك من أخواننا الأطباء جاءوا فى مشكلة بينهم وبين زملائهم فى النقابة، وهذه الصحافية اللبنانية (فلانة) وقد كانت عندى منذ الصباح فى لقاء صحفى مطول يتعلق بتطورات المشكلة الفلسطينية.
كان الشيخ فى تلك الفترة يمسك بخيوط سياسية (داخلية واقليمية) دقيقة متشابكة، وكان منزله فى ذلك الوقت بمثابة خلية تنظيمية نشيطة تلتقى فيها الأعيان، وتُفض فيها النزاعات، وتُبرم فيها كثير من السياسات. أما كيف كان عقله يتسع لكل تلك التفاصيل، وما إذا كانت فيه بقية-مع كل هذه الأمور- لمسائل التفسير التى جئت من أجلها، فذلك ما سترى.
أُلقيت المحاضرة بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم وحضرها عدد من طلاب الجامعة واساتذتها مع جمهور كبير من خارج الجامعة-جمهور يهتم بالترابى السياسى أكثر من اهتمامه بموضوع حديثه. تحدث الدكتور الترابى-مرتجلاً- لنحو من ساعة دون مقاطعة. كان الأداء-بتقديرى- متواضعاً من حيث المحتوى، فلم يظهر موضوع “التفسير التوحيدى” بالوضوح الذى كنا نرجوه، ولم نجد فى تلك الجلسة الترابى المتحدث المتألق والمنظر العميق الذى كنا ننتظر. كان الاعياء ظاهراً عليه، أما اللغة فكانت راقية!
وما أن بسط النقاش للجمهور وارتفعت الايادى-وكنت أدير الجلسة- حتى رأيت فى مدخل القاعة البروفسور عبد الله الطيب-رحمه الله- وقد جاء متأخراً فوقف-بسمته المشهور- حيث انتهى به الموقف. صاح بعض الحضور: اعط الفرصة للبروف، دع البروف يتحدث، فى اشارات متكررة للبروف عبد الله الطيب ورغبة منهم للاستماع اليه-خاصة وأن موضوع تفسير القرآن هو المجال الذى تخصص فيه وعرف من خلاله فى الجامعة وفى الاذاعة ووسائل الاعلام.
لم يطلب البروف الحديث وإنما تحدث وفقاً لرغبة الجمهور، كما أنه لم يشر فى حديثه-على ما أذكر- إلى المحاضر أو إلى موضوع المحاضرة، وإنما ألقى “محاضرته” الخاصة فى الموضع الذى أراد، مخاطباً “جمهوره” الذى هتف باسمه. طُرحت بعد ذلك أسئلة قصيرة غير ذات بال من هنا وهناك، وانتهت المحاضرة وقد تشتت موضوع “التفسير التوحيدى”شذر مذر- بكل أسف. خرجت من قاعة الشارقة بخطى ثقيلة لأودع الدكتور الترابى وأشكره على المشاركة. نظر إلى نظرته الاولى-من فوق النظارة- كأنه أراد أن يقول لى: ما هذا؟ لماذا تضعنى فى مكان خطأ، مع جمهور خطأ، للحديث فى الموضوع الخطأ؟
فى محاولة لانقاذ الخطأ (غير المقصود)، قام بعض الأخوة الذين كانوا يساعدوننى-يتقدمهم عبد الحافظ-حفظه الله- بتفريغ نص المحاضرة من جهاز التسجيل واعداد مسودة ورقية منها، على أمل أن يوافق الدكتور الترابى على إعادة النظر فيها-فى الوقت الذى يناسبه- وإدخال ما يرى من تعديل أو حذف أو اضافة. عكف الدكتور الترابى على قراءة تلك المسودة-على غير ما تصورت- وأعاد صياغتها من الألف إلى الياء، وحولها إلى قطعة أدبية عالية الجودة، محكمة الصياغة، عميقة المضمون. ولما كان دكتور الترابى يعقد فى مكتبة حلقة اسبوعية للمدارسة فى القرآن، رأى الفريق المنظم لتلك الحلقة أن يجمع مادة المدارسة فى كتاب بعنوان “التفسير التوحيدى”، وهو عنوان مستعار من عنوان المحاضرة، وأن تكون تلك المقالة “مقدمة منهجية” للكتاب. ومن يقرأ هذا العمل(وهو منشور الآن، تجده على الموقع: www.daralsaqi.com/books/) سيلاحظ فرقاً بين المقدمة التى خطها الترابى وعكف عليها عكوفاً، وبين بقية المادة التى جمعها وحررها الفريق، فلم يتمكن-أو لم يُرد- أن يفعل بها ما فعل فى المقدمة-وفى كل خير. رحم الله الدكتور الترابى فقد كان موجوداً، عالى الهمة،لا يخشى التحديات مهما صُعبت الظروف. والله نسأل أن يتقبل من الجميع صالح أعمالهم،وألا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.