د. ياسر يوسف إبراهيم
في أحدث إصداراته ( أن تكون سودانيًّا: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة ) ، والصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عام 2026 يثير الدكتور عبد الوهاب الأفندي قضية الهوية السودانية وكيفية تشكلها عبر القرون. والكتاب الذي يقع في 568 صفحة ويحتوي على 18 فصلاً يركز فيه المؤلف على تفكيك وتتبع الهوية السودانية ليجيب على سؤال كيفية تكونها وتفاعل عامل السكان مع الجغرافيا عبر الزمن والحقب .
وفي معالجته لهذا السؤال المحوري لا يلجأ الأفندي إلى السرد التاريخي الخطي التقليدي، كما أنه ينأي بمؤلفه عن التعريفات الجامدة والمباشرة التي يتوقع المرء أن تكون مدخلا لكتاب يتناولأطروحة الهوية ، وبدلا من ذلك يختار منهجاً يقوم على الترميز والتجسيد عبر محطات رمزية لسير 16شخصية من النخبة الفكرية والسياسية السودانية التي ساهمت في بلورة هذه الهوية عبر تاريخ السودان الطويل ، بالإضافة إلي شخصية ونجت باشا الذي حكم السودان بواكير الحكم الثنائي . وفي إعتماده علي سيرة الشخصيات لرسم ملامح الهوية السودانية يستبطن الأفندي رؤية المفكر البريطاني إرنست غيلنر (Ernest Gellner) في كتابه العمدة “الأمم والقومية”، والتي تفيد بأن نظريات الأمة ( نشأت عبر وحدة اللغة والثقافة والتاريخ ومشاعر الانتماء إلي أصل مشترك ، وليس هذا بدعا لأن المنظرين يشيرون إلي أن المشترك في الأصل والتاريخ والتراث والذاكرة غالبا ما يخترع من بناة الأمة ودعاتها ومفكريها ) ولذلك فإن الأفندي يقدم شخصياته التي اختارها أو ( أبطاله ) للتعبيرعن تمثلات الهوية السودانية ( كأيقونات ) تعبر عن الفضاء السوداني عبر حقبه المتتالية لتجسد الفرضية الحاكمة للكتاب وهي ( فرضية الإستمرارية التاريخية ) .
يجادل الافندي بأن الهوية السودانية ليست بناء حديثا إستقام أمره مع ظهور الدولة الحديثة إبان غزو محمد علي باشا 1821 لهذا الفضاء ، ولكنها حصيلة ممتدة من الصيرورة التاريخية التي بدأت منذ تاسيتي القديمة وكوش بجميع تجلياتها في نبتة ومروي ، ومن ثم تفاعلت مع المسيحية لقرون ممتدة ، قبل أن يتسلل إليها الإسلام مع المهاجرين العرب الذين ظلوا في حال تدفق إلي السودان منذ القرن السابع الميلادي وحتي قيام مملكة مملكة سنار في العام 1506 والتي كانت تصريحا مباشرا بحجم التغير الحضاري والثقافي الذي أحدثته الثقافة العربية الإسلامية في فضاء تأسيس القديمة ، وتم كل ذلك دون أن تنمحي الجذور الأولي للسكان وثقافتهم ، ويسعي المؤلف لإثبات هذه الإستمرارية وتماسكها عبر ثلاث ركائز محورية :
أولا نزوع الفضاء السوداني نحو التدين العميق : ويري أن التدين سمة ثابتة عبر العصور ، حيث يتجلي تاريخيا في ( نهج التطهر والتقوي والبعد عن الغطرسة ) كما ظهر في عهد الملك الكوشي بعانخي ، وهو ذات الوجدان الممتد الذي استمر لاحقا في الممالك المسيحية ومن بعدها الروح الصوفية الباطنية إبان السلطنة السناريةوما بعدها .
ثانيا مركزية وحصانة الذات السودانية : ويتمثل ذلك في قدرة هذه الذات علي حماية نفسها تاريخيا من أي غزو خارجي مؤثر ،وامتلاكها أليات صهر داخلية منعت تدمير سماتها الحضارية الخاصة ، مما جعل المؤثرات الوافدة تتأقلم مع البيئة المحلية لا العكس .
ثالثا : الامتداد الديمغرافي والثقافي لتركيبة كوش – مروي : حيث يري الكاتب أن الفترة التاريخية اللاحقة لمروي هي امتداد عضوي لتلك التركيبة السياسية والثقافية الأولي مما يعني استمرارية ذات المكون السكاني الأصيل مع استيعاب المهاجرين والوافدين الجدد وصهرهم ضمن هذه الثقافة التاريخية الشاملة . وتلتقي هذه الأطروحة وتتقاطع بقوة مع ما سبق وأن أقره الباحث الأمريكي جاي سبولدنق في كتابه القيم ( عصر البطولة في سنار ) حيث تتبع صيرورة الإنتقال المرن والتحول الداخلي للبنية السياسية والاجتماعية السودانية مقرا في النهاية أن ما يبدو إنتقالا جوهريا من الدويلات المسيحية وقبلها ممالك كوش القديمة إلي الدولة السنارية بثقافتها العربية والإسلامية لا يعبرعن قطيعة ديمغرافية وثقافية مع الماضي وإنما هو استمرار سكاني يعبر عن نفسه بطرق ثقافية مختلفة .
بيد أن التمحيص النقدي لهذه الفرضية عند الأفندي وعند غيره من بعض الكتاب السودانيين والغربيين يضعنا أمام مفارقة كبري ومأزق تفسيري حرج ، فإذا سلمنا جدلا بصحة هذه الاستمرارية وتماسك تدفقها التاريخي يثور السؤال الحتمي : لماذا لم تستقر الهوية السودانية طوال كل هذه القرون ؟ ولماذا لا نزال نختلف ونتقاتل حول تعريف الهوية السودانية حتي اليوم ؟ إن هذه السيولة المزمنة وعجز الهوية عن التبلور في صيغة مستمرة تجعل من فرضية الاستمرارية محل تساؤل كبير وتدفعنا لمواصلة البحث للإجابة علي سؤال لماذا لم تنتج الحضارة القديمة أمة سودانية موحدة .
ومع ذلك فإن ما يحمد للأفندي في هذا السياق هو تعامله مع الرقعة الممتدة فوق جغرافيا ما سيعرف ( بدولة السودان لاحقا ) علي أنه كتلة موحدة منذ عهود تاسيتي وكوش ومرورا بالحقب اللاحقة – مع إستثناءمنطقي لجنوب السودان في بعض الفترات التاريخية – معتمدا في ذلك علي مفهوم الفضاء الجغرافي الحاضن الذي رأي فيه فضاء تاريخيا تلاقت وانصهرت فيه المكونات السودانية عبر الحقب المختلفة وخاصة في الدولتين السنارية والمهدية ومملكة الكيرا في دارفور . إن هذه الحقب التاريخية الكبري التي أنتجت وصاغت الملامح الأولي لما يمكن تسميته ب ( الفضاء العام ) بمفهومه السوسيولوجي عند يورغنهابرماس ، قد شكلت البذور الأولي لهذا الفضاء الذي كان يتحرك داخل الخلاوي وحلقات الذكر الصوفية ودواوين السلطنة ومجالس الأنصار – وحتي في حضرات الخليفة ومن قبله المهدي – ومع دخول السودان عهد الإستعمار حدث انتقال وتكامل تاريخي لهذا الفضاء ، حيث ورثت الصالونات الأدبية والمقاهي وأندية الخريجين والمساجلات الصحفية ذلك الإرث الروحي وتحولت إلي مسرح مفتوح تتدفق فيه الحجج والأطروحات السياسية التي من خلالها تمت صياغة التنشئة السوسيو-سياسية للمجتمع السوداني الحديث .
غير أن القراءة المتأنية والحصيفة تقتضي منا ألا نقف عند حدود التفسير الفلسفي أو الروحي المجرد لتدفق الأفكار داخل هذا الفضاء ، بل يجب ضبطه كذلك بالبنية المادية التي ساهمت في تشكله ، حيث يري الباحث البريطاني تيم نبلوك في دراسته القيمة ( صراع السلطة والثروة في السودان ) أن هذا الفضاء الحديث الذي برزت منه النخبة الصائغة للهوية لم ينشأ عفويا ، وإنما كان نتاجا مباشرا للهندسة الاقتصادية والتعليمية للإستعمار ، حيث يري أن تأسيس المشاريع الزراعية الكبري وعلي رأسها مشروع الجزيرة قد خلق مركز ثقل إقتصادي حديث في وسط السودان ، تزامنا مع تأسيس كلية غردونالتذكارية التي غدت بمثابة المصنع الذي فرخ الأفواج الأولي من الخريجين والموظفين والمثقفين الذين نالوا حظوة التعليم الحديث والقدرة علي التعبير واحتكار أدوات الصحافة ، وهم الذين احتلوا الفضاء العام وصاغوا السرديات التأسيسية التي تتبعها الكاتب ، مما جعل الهوية الرسمية الحديثة للسودان تخرج مصبوغة بملامح وحساسيات هذا الفضاء المادي والتعليمي الخاص بوسط السودان دون مساهمة كبري من بعض أطرافه .
مجري واحد .. روافد متعددة
في تناوله لرموز العصر الحديث ينطلق الافندي من فرضية التباين والإفتراق في المرجعيات الفكرية لشخصياته ليصل إلي أن مساهمتها في الهوية متمايزة عن بعضها البعض ، ويبرز هذا الزعم بصورة واضحة عند تناوله للثورة المهدية في شخص الخليفة عبد الله التعايشي ، مؤكدا أن المهدية حاولت فرض هوية دينية جديدة علي السودانيين ، وكذلك يبرز هذا الزعم في أكثر من شخصية حين تناول ( المنعطف العروبي) الذي برز مع جيل الخريجين الذي أعقب ثورة اللواء الأبيض 1924 .
ولكننا نري أن هناك ( هوية سودانية فضفاضة ) بلغت مبلغا معقولا من التبلور والتشكل التاريخي ، حيث تكثفت ملامحها الأساسية منذ عهد السلطنة السنارية ، كما كانت دارفور- بحسب الأفندي نفسه – ( محور مواز للفضاء الإسلامي الأوسع الذي تشكل مع قيام دولة الفونج) ، وبهذا المعني لم تكن المهدية في جوهرها الفكري سوي تمثل من تمثلات هذا الوجدان السناري القديم في جانبه الصوفي الباطني ، وما جاء لاحقا من مساجلات الحداثة لم يكن سوي ترسيخ لهذه الهوية المرتكزة أساسا علي الثقافة العربية الإسلامية والممتزجة بخصوصيات وثقافات أهل السودان .
وبالتالي يمكن القول إن هناك مجري هوياتيا رئيسيا قد حفر لنفسه مسارا نحو التبلور وظل يستوعب في داخله كل الروافد الأخري ، بمافيها العهد التركي-المصري (1821- 1885) ثم الاستعمار البريطاني (1898-1956 ). رغم أنهما شكلا تدخلات وصدمات كبرى في هذا المجرى ، وعملا بالفعل على حقنه بأفكار ومؤسسات متعددة . ولكنهذه التدخلات المعرفية الوافدة ظلت تتفاعل في النهاية داخل ذات المجرى السناري-المهدوي ولم تؤسس لهوية جديدة منقطعة، بل حاولت التعديل والتحديث من داخله. وضمن هذه التفاعلات المعقدة داخل المجرى الواحد، برزت نخبة الوسط والشمال بتنوع فسيفسائي واسع يمتد من أقصي اليمين عند المنعطف العروبي إلي أقصي اليسار عند الحزب الشيوعي السوداني ، ومع ما يبدو من تباين ظاهري نتيجة الإختلافات الآيدولوجية بين أطراف هذا التنوع الفكري والسياسي فإنه لا يعبر عن الحقيقة الكبري من توحد الفضاء الإجتماعي والثقافي التي ولدت تحته هذه التشكيلات ، وليس هذا مما يعاب علي النخبة التي وجدت نفسها داخل هذا المجري الهوياتي المتدفق منذ عصور بعيدة ، وإنما ترجع الإشكالية في عدم فهم الحقائق الموضوعية التي ساهمت في تشكل هذا المجري وفي إنتاج الأفكار الخلاقة لإحتواءالروافد التي إلتقت مع هذا المجري في مسيرته التاريخية نحو التبلور .
ويمكن تحقيب أبطال الأفندي داخل هذا المجري وفق ثلاثة تموضعاتكبرى:
في أقصي اليمين نجد تيار المنعطف العروبي :
برز هذا التيار بصورة واضحة مع الجدل الذي تصاعد عند إرهاصات ثورة اللواء الأبيض وبروز سؤال القومية السودانية والوجهة التي يجب أن تسلكها ، وهي اللحظة التاريخية التي سماها الأفندي ( لحظة شوقي ) في إشارة إلي قصيدة عبد الرحمن شوقي التي ألقاها في العام 1919 في إحتفال المولد النبوي وأكد فيها علي عروبة السودان قائلا ( بأننا ننتمي حسبا ومجدا إلي من بالجزيرة من رفات ) ومن بين شخصيات الأفندي في كتابه يمثل محمد أحمد المحجوب بتجليه العروبي الثقافي عمودا راكزا فيه ، وعلي الرغم من إنتمائه السياسي ودعوته للقومية السودانية واحدا من دعاة ( المنعطف العروبي للسودان ) ، وبعده تأتي رموز دعاة التجديد الإسلامي (كحسن الترابي والصادق المهدي في أطروحاتهما للتحديث الإسلامي )؛ حيث يمثل هؤلاء المشروع السياسي الصريح المستند إلى تلك الهوية والداعي لتثبيتها في الدستور ومؤسسات الدولة المعاصرة.
وفي المنتصف نجد التيار التقليدي :
ويضم رموزاً مثل حاج الماحي وبابكر بدري ؛ حيث القاسم المشترك الأعمق بينهما هو محاولة حراسة الهوية التقليدية للوسط كل منهما بأدواته ، حاج الماحي عبر المديح الذي يتوسل به إلي هوية رساليةللسودان مرتبطة بفضائه الإسلامي العربي ، بينما حاول بدري تحديث قديمه داخل هذا التيار عبر التعليم الحديث والتصالح مع المستعمر البريطاني . كما أنه يمكن وضع مدرسة الغابة والصحراء التي افتتح بها الكاتب معالجاته ضمن هذا التيار ، فقد حاول مؤسسوا هذه المدرسة التوفيق بين الملمح العربي والجذر الإفريقي في الشخصية السودانية لإنتاج جسر هوياتي يعبر عن الشخصية السودانية في استدعاء لما حدث في مملكة سنار من تحالف بين الفونجوالعبدلاب .
وفي أقصي يسارالنادي يجلس السكرتير التاريخي للحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب. نعم عبد الخالق محجوب الذي يعتبر إنتاجا طبيعيا لهذا الفضاء، فهو وإن كان يرفض المشاريع اليمينية والطائفية، لكنه مستوعَب داخل هذا المجرى، ويوجه خطابه لذات الفضاء العام.وللتأكيد علي صحة هذا التصنيف نحتاج الإستشهاد بكتاب الأفندي نفسه حين يكشف عن رد فعل عبد الخالق محجوب الغاضب في مؤتمر المائدة المستديرة وافتخاره العلني بأنه من أحفاد (الزبير باشا) في مواجهة نقد القادة الجنوبيين حول تاريخ الرق.
المهدية في فضاء الحداثة :
في تناوله لشخصيتي الخليفة عبد الله التعايشي وعثمان دقنة يفرد الأفندي مساحة مقدرة لمساهمة المهدية كرافد ديني في الهوية السودانية على أساس فكري جديد. إلا أن التمحيص يدفعنا للمخالفة؛ فالمهدية فكرياً لم تكن قطيعة تاريخية أو رافداً دينياً مستقلاً، بل كانت استمراراً خطياً للنسخة المتأخرة من الدولة السنارية الغارقة في التصوف الباطني وادعاءات الغيب والحضرات النبوية.
إن المساهمة الحقيقية للمهدية في صياغة الهوية السودانية لم تكن “هجمة هوياتية” أو حتي منظومة أفكار دينية جديدة ، بل كانت أثراً جغرافياً وديموغرافياً مستداماً. حيث تجلت قوتها في إحداث أكبر حركة انزياح وهجرة سكانية منظمة في تاريخ السودان الحديث؛ وتحديداً عندما قاد الخليفة عبدالله التعايشي سياسة التهجير الإجباري لقبائل الغرب نحو الوسط النيلي لتعزيز حكمه في أم درمان.هذا الانزياح السكاني الهائل هو الذي ساهم في صناعة الهوية السودانية الهجينة المعاصرة في فضاء الوسط، وليس الأفكار الباطنية التأسيسية للمهدية.
تيار تسييس الهوية :
حسنا فعل الأفندي بوضعه شخصيات جون قرنق ، منصور خالد وفرانسيس دينق مرتبة في خاتمة الكتاب ، إذ أنهم يجلسون علي الضفة المقابلة للتيار المركزي للهوية السودانية الآخذة في التبلور، ومن ناحية أخري قاموا بتسييس أطروحة الهوية واتخذوها آلية وحيدة لتفسير أسباب النزاعات والحروب ، ونادوا بهدم تلك الهوية الآخذة في التبلور وإقامة هوية سودانية جديدة ، أما أخطر ما رسخوه في الفضاء العام فهو عرقنة الهوية بتفسير الحرب بين الشمال والجنوب علي أنه صراع بين شمالي عربي مسلم وجنوب مسيحي زنجي ، ومن ثم فإنهم يريدون للشمال أن يتخلي عن هويتة ( المدعاة ) شرطا للتعايش والقبول بإيقاف الحروب ، ولم يوفر الأفندي حجة في تفنيد هذا المشروع ومنطلقاته ، إذ لم تمنعه سنوات الزمالة المهنية الطويلة من تفكيك عري أطروحة الدكتور فرانسيس دينق الذي يعتبر العراب الفكري لهذه المدرسة قبل أن يلتقطها جون قرنق ويحاول فرضها عبر القوة المسلحة ، أما منصور فلم يكتف بدور ( شهد شاهد من أهلها ) وإنما استمات في نقض البنيان الذي قامت عليه أسس التعايش منذ قرون محاولا هدم المعبد علي من فيه . وعلي الرغم من وجاهة النقد الذي وجهه الأفندي لهذا المشروع إلا أنني أري أن جزئية تسييسالهوية ونقلها من الفضاء الإجتماعي والعلمي إلي آلية وحيدة لتفسير النزاعات هو أخطر ما قامت بهذه المدرسة ، حيث نشأت أجيال بعد ذلك وهي لا تستدعي في خواطرها من الماضي إلا ظلاماته ، وكثير من التخيلات غير الحقيقية ، حيث قامت هذه المدرسة بتثبيت تلك التخيلات وكأنها حقائق تاريخية يجب التسليم بها والتعامل علي أساسها ، فقد رأينا تلك التخيلات تتهاوي واحدة إثر أخري عند تناول شخصية جوزيف لاقو الذي يعترف بأن ( الشماليين ) وقفوا معه في كل محطات حياته المهنية والإنسانية ، وأن ما ( أنشئ ) عليه من سرديات عن الشماليين جلها ليس حقيقيا ، وبدلا من التركيز علي معالجة هذه السرديات الخاطئة ، ومعالجة الإختلالات التنموية في الجنوب بمزيد من التنمية وبترشيد السياسات القومية تجاه الجنوب ، قامت هذه المدرسة بإيجاد المبررات الفلسفية لتصوير المشكلة في الجنوب وكأنها مشكلة بين مركز متسلط تحركة ( آيديولوجيا عربية إسلامية ) ضد أطراف مهمشة بسبب إختلافها ( العرقي أو الديني ) عن المكونات السكانية للمركز .
وبعد :
علي الرغم من أن الأفندي إلتزم بشروط البحث العلمي الصارم في معالجته لموضوع كتابه ملتزما بمنهج معرفي وبحثي دقيق ، إلا أن هناك جواذب تمنح الكتاب سحراً خاصاً وجاذبية مدهشة ، ألا وهي تلك اللمسات الإنسانية والشهادات الحية التي نثرها بين فصول الكتاب. إذ لا يكتفي بالتنظير الأكاديمي البارد ولكنه يستدعي من ذاكرته الشخصية ومحطات لقاءاته وحواراته المباشرة مع هذه الرموز والشخصيات السياسية تفاصيل إنسانية ومواقف يومية تخرج بهذه الشخصيات من قوالبها الرسمية الصماء إلى فضاء التفاعل الإنساني العفوي، مما جعل الكتاب ينبض بالحياة كشهادة عيان على عصر بأكمله.
في الخاتمة، يمثل كتاب (أن تكون سودانيّاً) قفزة فكرية شجاعة ونقلة نوعية في أدبيات علم الاجتماع السياسي السوداني، حيث نجح في إحياء السجال حول الهوية بعقل أكاديمي خلاق ، وعمل علي تحطم ثنائيات الاستقطاب التقليدية ( شمال مقابل جنوب ، عرب مقابل زنوج ، مسلمين مقابل مسيحيين ) بجرأة وعمق . وعلى الرغم من اكتفاء الكتاب بنخبة فضاء الخرطوم والوسط في الحقبة الحديثة مهملا فضاء جبال النوبة بكل ثقله في مسيرة التشكل السوداني، ومكتفيا عن غرب السودان وشرقه بشخصيتي علي دينار وعثمان دقنة ، إلا أنه يظل عملاً مرجعياً لا غنى عنه للباحثين الأكاديميين، وصناع القرار، وطلاب العلوم السياسية المهتمين بملفات بناء الدولة والهوية في مجتمعات ما بعد الاستعمار.