د. إسماعيل ساتي
تتجدد الدعوات في الساحة السودانية إلى تغيير الحكومة برئاسة الدكتور كامل إدريس، في سياق ما يواجهه السودان من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية وإدارية متشابكة. وبينما ينطلق بعض أصحاب هذه الدعوات من تقييم أداء الحكومة ومساءلتها عن نتائجها، يذهب آخرون إلى أن استبدال رئيس الوزراء أو تغيير عدد من الوزراء قد يفتح الطريق أمام معالجة الأوضاع المتدهورة.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق النقاش حول تغيير الحكومة هو؛ هل تكمن جذور الإخفاق في الأشخاص الذين يتولون المسؤولية، أم في المنظومة التي يعمل هؤلاء الأشخاص من خلالها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستدعي الانتقال من التفكير التفتيتي الذي يختزل المشكلات في عنصر واحد (الأفراد)، إلى التفكير المنظومي الذي يبحث في العلاقات البنيوية وآليات العمل والتفاعلات المتبادلة بين مكونات الدولة.
تقوم إحدى المشكلات المتكررة في الممارسة السياسية السودانية على التعامل مع الأزمات باعتبارها نتاجاً مباشراً لأداء الأشخاص الذين يتولون المناصب العامة. وعندما تتفاقم الأوضاع، يتجه التفكير تلقائياً إلى المطالبة بتغيير المسؤولين، وكأن استبدالهم كفيل بإحداث التحول المطلوب.
غير أن هذا المنطق يغفل حقيقة أساسية؛ فالشخص الذي يتولى مسؤولية عامة لا يعمل في فراغ، ولا يمارس صلاحياته بمعزل عن البيئة المؤسسية والسياسية التي تحيط به. فهو يعمل داخل شبكة من السلطات والاختصاصات والمصالح والصراعات، وفي ظل قواعد رسمية وغير رسمية وأنماط من العلاقات تحدد ما يستطيع فعله وما يتعذر عليه فعله، وكيف تتفاعل قراراته مع قرارات الآخرين.
ومن ثم، فإن تغيير الشخص مع الإبقاء على العلاقات البنيوية ذاتها قد لا يحقق تحسناً مستداماً، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النتائج السابقة، وإن اختلفت الوجوه وتبدلت الشعارات. فإذا كان الخلل ناتجاً عن تضارب الاختصاصات، أو غياب التنسيق، أو تشتت مراكز القرار، أو ضعف المساءلة وغياب التغذية الراجعة، أو انفصال التخطيط عن التنفيذ، فإن تعيين مسؤول جديد لا يعالج هذه الاختلالات تلقائياً، وقد يجد المسؤول الجديد نفسه محكوماً بالقيود نفسها التي واجهت سلفه. فالمشكلة ليست دائماً فيمن يشغل الموقع، بل قد تكون في بنية الموقع نفسه وفي علاقته ببقية مكونات المنظومة.
وينطلق التفكير المنظومي من أن أداء أي منظومة لا يتحدد بخصائص مكوناتها منفردة فحسب، وإنما يتشكل أيضاً من طبيعة العلاقات والتفاعلات التي تربط هذه المكونات بعضها ببعض. فالحكومة ليست مجرد رئيس وزراء وعدد من الوزراء، وإنما هي منظومة تتفاعل داخلها مؤسسات وأجهزة واختصاصات وموارد ومعلومات وقرارات، ويتوقف أداؤها على مدى اتساق هذه العناصر، ووضوح العلاقات بينها، وقدرتها على العمل نحو غايات مشتركة.
وبهذا المعنى، فإن كفاءة كل وزير على حدة لا تضمن بالضرورة كفاءة الحكومة في مجموعها؛ فقد يكون بعض الوزراء مؤهلين، لكنهم يعملون في بيئة تعوق التنسيق بينهم، أو لا تمنحهم الصلاحيات اللازمة، أو تجعل قراراتهم رهينة لتدخلات متعارضة. وقد تتوافر الخطط والموارد، لكن غياب آليات التنفيذ والمتابعة والتصحيح يحول دون تحقيق النتائج.
إن أداء المنظومة لا يساوي مجرد مجموع أداء أفرادها، إذ إن العلاقات بين الأفراد والمؤسسات قد تعزز الكفاءة أو تبددها. ومن هنا، فإن تقييم أداء الحكومة لا ينبغي أن يقتصر على كفاءة الوزراء، بل يجب أن يمتد إلى مدى وضوح الاختصاصات والمسؤوليات، ودرجة التكامل بين المؤسسات، ومدى التناسب بين الصلاحيات والمسؤوليات، وكفاءة تدفق المعلومات إلى مراكز اتخاذ القرار، وفاعلية آليات التنسيق والمساءلة وقياس النتائج، فضلاً عن قدرة الحكومة على التعلم من أخطائها وتصحيح مسارها، ومدى عمل مكونات الدولة وفق رؤية مشتركة وأولويات متسقة، بدلاً من أن تحكمها مصالح متعارضة. فهذه العوامل مجتمعة هي التي تحدد إلى حد كبير قدرة المنظومة على تحويل الجهود الفردية إلى أداء مؤسسي متكامل ونتائج ملموسة. وهكذا ينتقل النقاش من محاكمة الأشخاص وحدهم إلى تشخيص المنظومة التي تحدد سلوكهم وتؤثر في نتائج أعمالهم.
وفي هذا السياق، لا تعني العلاقات البنيوية في التحليل المنظومي مجرد العلاقات الإدارية المكتوبة في اللوائح، بل تشمل أيضاً أنماط توزيع السلطة، وقواعد اتخاذ القرار، ومراكز النفوذ الفعلية، والحوافز التي توجه السلوك، وقنوات الاتصال والتنسيق، والعلاقة بين المسؤولية والمساءلة. فقد تنص القواعد الرسمية على مسؤوليات محددة، بينما تجري الممارسة الفعلية وفق علاقات مختلفة. وقد تكون هناك مؤسسات متعددة، لكن من دون تكامل حقيقي بينها. وقد تصدر القرارات، لكن من دون أن تتبعها آليات تنفيذ واضحة أو تغذية راجعة تسمح باكتشاف الانحرافات وتصحيحها. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الإخفاق مجرد خطأ ارتكبه فرد، بل نتيجة لنمط من العلاقات يعيد إنتاج الأخطاء نفسها.
ولذلك، فإن تغيير الأشخاص من دون تغيير هذه العلاقات يشبه استبدال بعض أجزاء الآلة مع الإبقاء على التصميم الذي ينتج العطل. قد تعمل الآلة لفترة بصورة مختلفة، لكن السبب البنيوي للعطل يظل قائماً. وإذا أردنا نتائج مختلفة ومستدامة، فلا بد أن نفحص العلاقات والآليات التي أنتجت النتائج السابقة، لا أن نكتفي بتغيير من كانوا مسؤولين عنها.
ولا يعني هذا أن التفكير المنظومي ينفي مسؤولية الأفراد، أو يجعل البنية المؤسسية شماعة لتعليق جميع الإخفاقات عليها. فالقيادة الواعية والكفاءة والنزاهة والقدرة على اتخاذ القرار، كلها عوامل مؤثرة في أداء المنظومة. وقد يكون تغيير مسؤول معين ضرورياً إذا ثبت إخفاقه أو عجزه عن أداء واجباته أو فقدانه الثقة اللازمة لممارسة مسؤولياته. لكن المساءلة الفردية ينبغي ألا تحجب المسؤولية عن إصلاح الخلل المؤسسي، كما أن إصلاح المؤسسات لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء المسؤولين من المحاسبة.
المطلوب إذن هو التمييز بين مستويين متكاملين من المعالجة؛ مستوى يتعلق بكفاءة الأشخاص وسلوكهم، ومستوى يتعلق بقدرة المنظومة على توظيف كفاءاتهم وضبط أدائهم وتحقيق التكامل بين أعمالهم. فالمنظومة السليمة لا تفترض أن جميع من يعملون داخلها مثاليون، بل تُصمم بحيث تحد من آثار الأخطاء الفردية، وتكشف الانحرافات، وتمنع تحولها إلى إخفاقات عامة، وتتيح التعلم والتصحيح.
وفي الحالة الراهنة، ينبغي ألا ينحصر النقاش حول حكومة الدكتور كامل إدريس في بقائها أو رحيلها، ولا في أسماء البدلاء المحتملين، وإنما ينبغي أن يتناول طبيعة المنظومة التي تعمل الحكومة في إطارها، وحدود سلطتها الفعلية، وعلاقاتها بمؤسسات الدولة الأخرى، وقدرتها على توحيد القرار وتنسيق السياسات وتحويل الأهداف إلى نتائج. كما أن الحملات الإعلامية المتكررة للمطالبة باستبدال مسؤول بعينه قد تزيد الضغوط عليه، وتستنزف جهوده في مواجهة هذه الحملات بدلاً من تركيزها على أداء مهامه، بما قد ينعكس سلباً على كفاءته في العمل.
ويقتضي ذلك طرح أسئلة تتجاوز التغيير الوزاري التقليدي: ما طبيعة الاختلالات التي تعوق عمل الحكومة؟ وما الذي تستطيع الحكومة تغييره ضمن صلاحياتها الحالية؟ وما الإصلاحات المؤسسية اللازمة لتوضيح الاختصاصات وتحديد المسؤوليات؟ وكيف يمكن تحقيق التنسيق بين أجهزة الدولة؟ وما آليات المتابعة والمساءلة التي تضمن أن تتحول القرارات إلى نتائج ملموسة؟
كما يتطلب الأمر تحديد أولويات وطنية واضحة، وربطها ببرامج تنفيذية ومسؤوليات محددة ومؤشرات قابلة للقياس، مع إنشاء آليات منتظمة لمراجعة الأداء وتصحيح المسار.
ولا يعني هذا أن تغيير الحكومة يجب أن يُستبعد من الخيارات السياسية، بل يعني أن يُقيم بوصفه أحد الخيارات الممكنة، لا باعتباره علاجاً قائماً بذاته. فجدوى التغيير تتوقف على أسبابه وأهدافه، والاختلالات التي يستهدف معالجتها، ومدى ارتباطه بإصلاح أوسع في منظومة الحكم.
وإذا كان التغيير سيؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقات المؤسسية وتوضيح الصلاحيات وتحسين التنسيق والمساءلة، فقد يكون جزءاً من عملية إصلاح حقيقية. أما إذا اقتصر على استبدال أسماء بأسماء، مع الإبقاء على القواعد والعلاقات التي أنتجت الإخفاق، فإن التغيير قد يبدل الوجوه من دون أن يبدل المسار.
إن أزمة السودان أعمق من أن تُختزل في شخص رئيس الوزراء أو مجموعة الوزراء، كما أن إصلاح الدولة لا يمكن أن يتحقق بمجرد العثور على أشخاص جدد وتكليفهم بإدارة البنية القديمة. والتحدي الحقيقي هو الانتقال من سياسة تغيير الأشخاص عند كل أزمة إلى منهج مؤسسي يتعلم من الإخفاق، ويشخّص أسبابه الجذرية، ويعيد النظر في العلاقات التي تحكم عمل الدولة.
فبدلاً من أن نسأل فقط: من ينبغي أن يحكم؟ علينا أن نسأل أيضاً كيف ينبغي أن تعمل منظومة الحكم؟ وكيف تتوزع السلطة والمسؤولية؟ وكيف تتكامل المؤسسات؟ وكيف تُتخذ القرارات وتُنفذ وتُراجع نتائجها؟
فتغيير الأشخاص قد يكون ضرورياً، لكنه لا يصبح إصلاحاً حقيقياً إلا عندما يرتبط بتغيير الأسباب البنيوية التي جعلت الإخفاق ممكناً، وبناء منظومة قادرة على إنتاج نتائج مختلفة. إن السودان لا يحتاج إلى تبديل الوجوه وحده، بل إلى تجاوز نمط التفكير الذي يجعل كل أزمة مدخلاً للبحث عن أشخاص جدد، بدلاً من البحث عن تغيير حقيقي في طريقة عمل منظومة الحكم وعلاقاتها وآليات تصحيح مسارها.