لقاء حفتر بوزير الخارجية التركي.. ماذا يعني للسودان والمنطقة

عبدالله السحيم يكتب :

تركيا قبل سنوات فقط… أوقفت حفتر بالسلاح على أبواب طرابلس…

واليوم…

تدخل إلى بنغازي من الباب الكبير… وتحاول أن تحول الرجل نفسه من خصم عسكري إلى ورقة تخدم مشروعها الإقليمي. انظر جيدًا…

زيارة هاكان فيدان أمس اختصرت المشهد كله… خلال عام واحد فقط… توسعت خريطة الحركة التركية بشكل لافت…

تعاون عسكري مع الشرق… شركات تركية تدخل إعادة الإعمار… عودة الطيران والقنصلية إلى بنغازي… دخول TPAO إلى قطاع النفط… ومحاولة تحصين الاتفاق البحري التركي الليبي في شرق المتوسط.

لكن هناك تفصيلًا أهم…

حفتر يمسك عقدة جغرافية كاملة لذلك يجب ان نعود إلى فكرة مهمة في «رقعة الشطرنج الكبرى»…

الدولة التي تريد أن تصبح لاعبًا كبيرًا لا تنظر إلى الساحة منفصلة عما حولها… بل تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها رقعة واحدة، وتحاول السيطرة على النقاط التي تمنحها القدرة على التأثير في أكثر من اتجاه.

وهذا بالضبط ما تفعله تركيا…

شرق ليبيا يمتد تأثيره شمالًا نحو جزيرة كريت وشرق المتوسط… وجنوبًا عبر الكفرة نحو السودان ودارفور.

فإذا نجحت تركيا في احتواء حفتر…

فهي تسحب من اليونان واحدة من أهم أوراقها الليبية المعارضة للاتفاق البحري التركي… وتقوي موقعها جنوب كريت… وتفتح أمام نفوذها الاقتصادي والبحري كامل الساحل الليبي تقريبًا.

وفي الجنوب…

الحدود الليبية السودانية تشكل ممرًا مهمًا نحو دارفور… وبالتالي فإن ضبط هذه المسارات أو تغيير موقف حفتر منها قد يؤثر في خطوط الإمداد داخل الحرب السودانية… ويصب في مصلحة الجيش السوداني المتحالف مع تركيا.

لكن انتبه إلى روسيا…

بعد خسارة موسكو جزءًا كبيرًا من بيئتها الاستراتيجية في سوريا… أصبحت ليبيا أكثر أهمية لها كبوابة نحو أفريقيا.

وهنا تدخل تركيا مرة أخرى…

فكلما تعمقت علاقتها بعائلة حفتر… وبالمؤسسة العسكرية… وبالنفط… وبإعادة إعمار الشرق… لم تعد روسيا اللاعب الخارجي الذي يتحرك هناك وحده كما كان سابقًا.

أي أن أنقرة لا تحاول فقط احتواء حفتر…بل تستعد لوراثة جزء من المساحة التي قد تتراجع عنها روسيا.

حتى مصر تدخل في هذه المعادلة…فالمشهد سابقًا كان واضحًا: تركيا مع طرابلس… ومصر مع حفتر.

أما اليوم، فتركيا تتقارب مع القاهرة… وتتقارب في الوقت نفسه مع حفتر… وتحاول بذلك تفكيك واحد من أهم محاور الصراع الذي كان يحاصرها في ليبيا وشرق المتوسط.

وهنا تفهم معنى «اللاعب الكبير»…القارئ العادي يرى زيارة فيدان إلى بنغازي على أنها مصالحة مع حفتر…أما القارئ الاستراتيجي على ضوء “رقعة الشطرنج الكبرى” فيرى خلف حفتر اليونان… وكريت… وروسيا… ومصر… والسودان… ودارفور… والبحر الأحمر… والنفط الليبي.

تركيا تضرب مجموعة عصافير بحجر واحد…ولهذا حفتر بالنسبة لأنقرة لم يعد عدوًا يجب إسقاطه…بل قطعة مهمة تحاول إخراجها تدريجيًا من يد خصومها… وإدخالها إلى نفوذها.

وحتى تفهم التحركات الكبرى وتربطها جيدا بما يحدث شاهد شرح كتاب رقعة الشطرنج الكبرى لبريجنسكي في يوتيوب أو اقرا الكتاب.

Exit mobile version