مهند عوض محمود
كلما أخفقت الحكومة في إدارة ملف اقتصادي، بحثت عن متهم خارج أسوارها: تجار العملة، المصدرون، المستوردون، والآن الشركات وأسماء الأعمال. وكأن الاقتصاد كان يسير في عافية، ثم خرجت إليه الشركات فأفسدته!
لا أحد يدافع عن شركة وهمية، أو متلاعب بحصائل الصادر، أو مهرّب للذهب. ومن تثبت مخالفته يجب أن يحاسب بالقانون، سواء كان تاجراً صغيراً أو شركة كبرى أو مؤسسة حكومية أو شركة تابعة لجهة نظامية. لكن تحويل القطاع الخاص كله إلى متهم، والاستعاضة عن الإصلاح الاقتصادي بالحملات الأمنية وقرارات الشطب، ليس علاجاً، وإنما تعليق للفشل الرسمي على شماعة الشركات.
شكّلت حكومة البروفيسور كامل إدريس لجنة برئاسة وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون، لمواجهة المخالفات المرتبطة بالنقد الأجنبي والاستيراد والتصدير وحصائل الصادر وتهريب الذهب، ثم تحدثت عن تنقيح بيانات الشركات وأسماء الأعمال وشطب من لا يستوفي الشروط.
ولكن هل انهار الجنيه بسبب كثرة السجلات التجارية، أم لأن الدولة بلا سياسة اقتصادية مستقرة، وبلا إنتاج كافٍ، وبلا صادرات منافسة، وبلا سيطرة على مواردها؟
قبل أن تفتح الحكومة دفاتر الشركات، عليها أن تفتح دفاتر مؤسساتها.
من باب أولى أن تسأل الحكومة محافظ بنك السودان السابق عن قرار منع تمويل صادر المحاصيل لموسمين متتاليين، ما حرم السودان من عائدات كبيرة من النقد الأجنبي، وأضر بالإنتاج والتجارة والتصدير. كما حُرمت مدخلات الطاقة الشمسية من التمويل، في وقت أصبحت فيه الطاقة أكبر تحدٍّ يواجه الزراعة والإنتاج. فالعملة لا تحميها الحملات الأمنية؛ وإنما يحميها الإنتاج والصادر وتدفق النقد الأجنبي.
ولتسأل الجهات المسؤولة عن الذهب: كيف أعلن السودان إنتاج أكثر من 70 طناً خلال عام 2025، بينما لم توثق القنوات الرسمية سوى نحو 12.5 طن من الصادرات؟ أي إن الصادر الرسمي لم يتجاوز نحو 18% من الإنتاج المعلن. فأين ذهب الباقي؟ ومن يشتريه؟ وعبر أي منافذ يخرج؟ ومن يحمي شبكاته؟
هذه ليست مخالفة شركة ورقية؛ هذا نزيف بمليارات الدولارات، وكان ينبغي أن تبدأ منه أي لجنة جادة لحماية الاقتصاد.
ومن حق اللجنة أن تسأل محافظ بنك السودان الحالية عن تجربة ضخ 400 مليون درهم للمصارف لتمويل الاستيراد. فقد أُعلن وقتها أن سعر الدرهم بلغ 1,200 جنيه، فهل كان هذا هو السعر المجزي وقتها ؟ و مَن حصل على تلك الأموال؟ وبأي معايير وُزعت؟ وما السلع التي مُوّلت؟ وهل انعكس الدعم على أسعارها للمواطن ؟
ولتسأل الحكومة وزيرة الصناعة والتجارة عن الأسعار التأشيرية للصادرات التي تُرفع أحياناً فوق الأسعار العالمية، فتجعل السلعة السودانية غير قادرة على المنافسة وتحرم البلاد من ملايين الدولارات.
ولتسألها أيضاً عن قرار حظر استيراد عشرات السلع بحجة حماية الجنيه. فقد حُظرت السلع، واتسع التهريب، وفقدت الدولة إيراداتها الجمركية، وارتفعت الأسعار، وواصل الجنيه تراجعه. فإذا فشل القرار، فلماذا لا تملك الحكومة شجاعة تصحيحه؟
ولتسأل وزير الزراعة: أين الخارطة التي تحدد ماذا نزرع، وأين نزرع، ولأي أسواق ننتج؟ ولماذا يصل التمويل بعد فوات مواقيت الموسم؟ وكيف يستقر سعر الصرف بينما تُدار الزراعة، أكبر موارد البلاد المحتملة، بلا تخطيط أو تمويل مبكر؟
ولتسأل وزير المالية عن الجبايات والرسوم التي تتكاثر على السلعة منذ خروجها من موقع الإنتاج حتى وصولها إلى الميناء، إلى أن تصبح تكلفة الصادر أعلى من سعره العالمي. كيف تطالبون المُصدر بإدخال حصيلة الصادر، وأنتم تجعلون التصدير نفسه غير اقتصادي؟
وقبل تجريم القطاع الخاص، يجب مراجعة الشركات الحكومية وشركات المؤسسات النظامية التي تسيطر على مساحات واسعة من الصادر والاستيراد وتنافس القطاع الخاص من مواقع غير متكافئة. هل تخضع جميعها للضرائب والجمارك والمراجعة العامة؟ وهل ستطبق عليها قواعد التنقيح والشطب نفسها؟
وعلى اللجنة أن تحقق بشفافية في المعلومات المتداولة عن جهات تشتري الصمغ العربي السوداني المهرّب إلى دولة جنوب السودان، وتقوم بشرائه وتجهيزه في جوبا، ثم تصدّره عبر ميناء مومباسا، محوّلةً ملايين الدولارات لتمويل هذه التجارة. وهكذا تستفيد اقتصادات دول أخرى، بينما يفقد السودان محصوله وعائداته ويواصل الجنيه انهياره.
إن صح ذلك، فنحن أمام مفارقة عبثية: أموال تُحوّل إلى الخارج لشراء مورد سوداني مهرّب وتصديره باسم دول أخرى، بينما تضع الحكومة العراقيل أمام المصدر الذي يعمل عبر القنوات الرسمية.
المشكلة ليست في كثرة الشركات وأسماء الأعمال. المشكلة في التخبط الاقتصادي، وعدم التشخيص الصحيح للأزمة، وضعف الدراية بالسوق. المشكلة في بنك مركزي يعالج النتائج ولا يعالج الأسباب، ووزارة تجارة تعرقل الصادرات، ووزارة مالية تعتمد على الجبايات، وزراعة بلا خارطة، وذهب لا تدخل معظم عائداته إلى الاقتصاد.
أما وزير الدفاع الفريق حسن كبرون، فأقول له صراحة: قدّم استقالتك من رئاسة هذه اللجنة.. ليس لأن الاقتصاد لا يمس الأمن القومي، بل لأن مكانك الآن في قيادة معركة البلاد العسكرية، لا في الوقوف في جنازة بحر صنعه التخبط الاقتصادي. الجيش هو أمل المواطن في حماية الدولة، وانتصاراته هي الأخبار الإيجابية التي ينتظرها السودانيون؛ فلا تسمح للجنة بدأت من تشخيص خاطئ أن تضع نقاطاً سوداء في سجل إنجازات المؤسسة التي تنتمي إليها.
وإذا كان لا بد من دور لوزير الدفاع، فليكن في المهمة التي لا يستطيع غيره القيام بها: تأمين مناطق إنتاج الذهب، ونشر القوات على منافذ تهريبه، وتفكيك الشبكات التي تستنزف موارد البلاد وتموّل الحرب. أما السياسات الاقتصادية فليضعها أهل الاقتصاد، وليتحمل أصحاب القرار مسؤولية قراراتهم.
القطاع الخاص ليس فوق المحاسبة، لكنه ليس شماعةً لإخفاقات الحكومة. حاسبوا المخالفين بالدليل والقانون، ولكن ابدأوا بمن عطّل الإنتاج والصادر، وأثقل الاقتصاد بالجبايات، وترك الذهب يتسرب خارج البلاد.
الأزمة لا تحتاج إلى غربلة الشركات وحدها، بل إلى غربلة ناعمة لمؤسسات إدارة الاقتصاد. فحين يختل التشخيص وتضطرب السياسات، لا يصلح الاقتصادَ شطبُ الأسماء، وإنما تصحيحُ القرارات ومحاسبةُ من اتخذها.