دكتورة سهام موسى – مصر
حين تدور عجلة الأحداث وتفرض الظروف القاسية كلمتها، نجد أنفسنا فجأة في قلب مواقف لم نكن نتخيل يوماً أن نعيشها. فالنزوح وترك الديار والابتعاد عن الوطن لظروف الحرب والنزاعات المسلحة ليس مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هو اقتلاع جذري من أرض الأمان والسكن والمحيط الاجتماعي المألوف، ورميٌّ بالإنسان في مهب الريح. في هذه الأوقات الصعبة، لا تكون الخسائر مادية أو عمرانية فحسب، بل تمتد لتضرب أعماق أنفسنا؛ فنجد الأجساد متعبة والأرواح منهكة، ونعيش حالة من الذهول الإنساني الشديد، والإرهاق الذهني والنفسي المتواصل، والشعور المستمر بنفاذ الطاقة والشغف.
ومن واقع التجربة القريبة والتواجد بين أهلنا وأحبائنا الذين قدموا إلى مصر طلباً للأمان، ومن واقع النظرة الدقيقة للواقع الاجتماعي والنفسي والقانوني، ندرك جميعاً أن الحديث هنا لا يتعلق بشعارات رنانة، أو “تنمية بشرية” معزولة عن أرض الواقع تدعوك للتفاؤل السطحي وتطلب منك أن تبتسم بينما عالمك ينهار من حولك. إننا نتحدث عن استعادة توازن حقيقي، وعن أدوات بسيطة وعملية يفهمها الجميع ويمتلكون تطبيقها في حياتهم اليومية، لمساعدتهم ومساعدة أبنائهم وعائلاتهم على تجاوز هذه الأوقات العصيبة بمرونة وأقل خسائر ممكنة.
قد يتساءل الكثيرون: لماذا أشعر بكل هذا الثقل الجسدي رغم أنني لا أقوم بمجهود بدني شاق؟ ولماذا أجد صعوبة في التفكير والتذكر والتخطيط اليومي؟
الجواب يكمن في طريقة استجابة أجسادنا الخاطفة والأزلية للخطر. عندما نمر بأزمة حادة أو تهديد مستمر، يفرز الجسم هرموناً يُعرف بـ “هرمون التوتر” (الكورتيزول). هذا الهرمون وضعه الله في أجسادنا لخدمة هدف نبيل ومؤقت؛ فهو يرفع حالة الاستنفار الداخلي ليزيد من تركيزنا وقدرتنا على المواجهة والفرار من الخطر. لكن المصيبة تكمن في استمرار الأزمة؛ فعندما تطول فترة الضغوط والنزوح وتتردد الأخبار الصعبة، يظل جهاز الاستجابة للتوتر يعمل بصفة دائمة دون توقف.
هذا العمل المستمر يضع الجسد في حالة إنهاك دائم، ويثقل الكاهل، ويقود مباشرة إلى ما يُعرف بـ “الضبابية الذهنية”، حيث يشعر الإنسان وكأن عقله محاط بغيمة تمنعه من الرؤية الواضحة أو اتخاذ القرارات الصحيحة، مترافقاً مع قلق دائم وتوتر لا يستريح.
ولكي نكسر هذه الحلقة المفرغة ونحمي أنفسنا وأسرنا من التفكك النفسي أو الانهيار الجسدي، علينا اتخاذ خطوات عملية، بسيطة ومباشرة، تعيد إلينا زمام المبادرة وتمنحنا التوازن المطلوب، فعندما ينتابنا الشعور بالإرهاق تحت ثقل الأزمات ومتابعة المعاملات وتدبير الاحتياجات اليومية، يهرب أغلبنا إلى المنبهات؛ فتضاعف من شرب القهوة والشاي والمشروبات القوية ظناً منا أنها تمنحنا الطاقة للوقوف على أقدامنا. ولكن ما يحدث في الواقع هو العكس تماماً.
تمنحنا هذه المشروبات دفعة نشاط مؤقتة وسريعة، تليها هبوط حاد وسريع في الطاقة، مما يتركنا أكثر إنهاكاً وتوتراً مما كنا عليه، ويشعل حالة القلق الداخلي. بدلاً من الاستنزاف بالمنبهات، اجعل الاعتماد الأساسي على شرب الماء بكثرة والمشروبات العشبية الدافئة والمهدئة. إن الترطيب المستمر للجسم والاعتماد على العشبيات المهدئة يحافظ على ثبات الوظائف الحيوية، ويهدئ ضربات القلب المتسارعة، ويمنح الجسد فرصة لترميم طاقته بشكل طبيعي ومتوازن.
إن الضغوط المتراكمة تسحب العقل تدريجياً إلى مصيدة “تضخيم الكوارث”، حيث يبدأ الذهن في نسج سيناريوهات سوداوية، ويصور لك أن كل باب مغلق وأن المشاكل لا حل لها. هذا التهويل الداخلي يؤدي مباشرة إلى رفع مستويات هرمون التوتر، مما يزيد الأمر تعقيداً.
عندما تشعر أن الأفكار بدأت تزاحمك وتضغط على رأسك، خذ استراحة قصيرة وابتعد عن مصدر التوتر لوقت وجيز، وتحرك قليلاً ومارس المشي لدقائق معدودة في الهواء الطلق، أو قم ببعض التمارين الرياضية أو الخفيفة داخل المنزل؛ فالحركة الجسدية تساعد العقل على التفريغ وتهدئة الفوران الداخلي، ودون أفكارك، احضر ورقة وقلم واكتب ما يقلقك بالتفصيل. إن إخراج المشكلة من دائرة التفكير الذهني المجرد وصياغتها في كلمات مكتوبة هي الخطوة الأولى وتجريدها من التهويل؛ فالورقة تجعلك ترى المشكلة بحجمها الحقيقي والواقعي، وتنزع عنها الهالة المخيفة التي يصنعها الخوف.
من السلوكيات الشائعة عند اشتداد الأزمات والشعور بالغرباء أو فقدان الاستقرار، الميل إلى الانعزال، والانسحاب داخل الجدران، والهروب من الاختلاط بالآخرين. رغم أن الانعزال قد يبدو حماية وقتية، إلا أنه في الحقيقة يقطع الطريق بينك وبين الحلول الممكنة وحبسك داخل دائرة أفكارك القاتمة.
إن التواصل مع صديق مقرب، أو قريب موثوق، أو شخص يمتلك الحكمة والخبرة، يمنحك زاوية رؤية جديدة كلياً. غالباً ما يرى الشخص الخارجي الأمور بوضوح وحيادية لا نستطيع نحن رؤيتها بسبب شدة القلق والضغط. فضلاً عن ذلك، فإن المشاركة الفعالة والحديث الصادق يوفران الدعم المعنوي والوجداني الذي يحتاجه كل إنسان ليتجاوز العاصفة. نحن كائنات اجتماعية بامتياز، والتكاتف في أوقات الشدائد هو السلاح الأقوى لمواجهة شعور العجز.
التركيز الطويل والمستمر على حجم الأزمة وحجم ما فقدناه يجعلنا نغرق في مشاعر العجز والقلة. ولكن بمجرد أن تهدأ المشاعر المشتعلة، يجب أن نقلب الصفحة ونغير الاتجاه: بدلاً من التفكير المنهك في “لماذا حدث هذا؟”، ننتقل إلى “ماذا يمكننا أن نفعل الآن؟”.
إن التركيز على الحلول، مهما كانت صغيرة، يمنح الإنسان شعوراً فورياً بالأمل والسيطرة على مقاليد حياته، فابسط خطتك وضع خطة عمل مدونة بخطوات بسيطة و تدريجية، كما يجب تجزئة ّئ المهام، ولا تحاول حل الأزمة الكبيرة دفعة واحدة. قسّمها إلى مهام صغيرة قابلة للتنفيذ يومياً؛ مثل تنظيم الأوراق الرسمية والقانونية في يوم، وتدبير أمر التعليم أو الصحة في يوم آخر، وتأمين الاحتياجات الأساسية في يوم ثالث. هذا التقسيم يقلل حدة التوتر ويمنحك كل يوم شعوراً بالإنجاز والتقدم.
أمام كثرة الشواغل والالتزامات ومحاولات ترتيب الأوضاع الجديدة، يندفع الكثيرون للعمل والتحرك على مدار الساعة على حساب ساعات نومهم، بل ويستخسر البعض في أنفسهم ساعة من الراحة. هذا الخطأ الشديد يأتي بآثار عكسية تماماً.
قلة النوم والجهد المتواصل يضعفان القدرات العقلية والتحليلية للمخ، ويغذيان الضبابية الذهنية، مما يجعلك عاجزاً عن اتخاذ قرارات سليمة أو رؤية الحلول البسيطة المتاحة أمامك. إن أخذ قسط كافٍ من الراحة والنوم المنظم ليس رفاهية أو تضيعاً للوقت، بل هو ضرورة حيوية لإعادة شحن طاقة العقل وتنظيم عمل الهرمونات في الجسد، مما يساعدك على الاستيقاظ برؤية أوضح، ونفسية أكثر استقراراً، وقدرة أكبر على مواجهة التحديات.
كلمة أخيرة لكل أسرة صامدة: إن تجاوز الأزمات واستعادة العافية النفسية ليس قفزة سحرية تحول الواقع الصعب إلى وردي بين عشية وضحاها، بل هو رحلة يومية صبورة تتطلب منا العناية بأنفسنا وبمن حولنا. إن حماية صحتك النفسية والجسدية هي واجبك الأول تجاه نفسك وتجاه أسرتك وأبنائك الذين يستمدون قوتهم وأمانهم من استقرارك وثباتك. بالوعي، وبالخطوات البسيطة، وبالتضامن والتراحم المتبادل، نستطيع جميعاً عبور هذه العواصف، والوصول بأرواحنا وأسرنا إلى بر الأمان.