الفاتح عبدالله
على سجادةٍ مهترئة الأطراف، وتحت سماءٍ تكاد تلامس نجومها بكلتا يديك، درجنا أن نجلس عليها يوميًا، نتناول وجبة العشاء التي كانت تُعد من أكلة الأديم، وهي عصيدة غالبًا من الذرة أو الدخن يحيط بها الحليب. وكنتُ حديث عهدٍ وتجربة بهذه الأكلة التي تحتاج إلى تكتيكٍ معين؛ بحيث تمازج بين الحليب والعصيدة. فإن ركزت مع الحليب تلاشت العصيدة، وإن ركزت مع العصيدة طغى الحليب.
أما هذا الرجل فكان يظهر براعةً فائقة في تناولها، ويضحك على معاناتي في التوفيق بين الحليب والعصيدة، حتى صرت أختم الجولة بحملي للوعاء وإفراغ ما تبقى فيه.
وكان يضحك ضحكته الجميلة التي تعبر عن جمال روحه ولطافته.
قبل فترة تناولت بعض المواقع الإخبارية باندهاش خبر زيارة الرئيس الإريتري لشخصية طريحة الفراش في أحد مستشفيات مدينة بورتسودان، ودار كثير من التساؤل عن سر العلاقة التي تجمع بين الرئيس أفورقي والرجل طريح الفراش.
هذه التساؤلات حللت شفرتها قبل سنوات، وعلى ذات السجادة سألت أحدهم: ما سر هذه المحبة التي تغرقون بها الأستاذ؟ وقبل أن يجيب أحدهم أشعل الأستاذ سيجارته وانسحب بعيدًا متظاهرًا بأنه يتحدث بالهاتف. وقطع أحدهم مراقبتي لمغادرة الأستاذ للمكان وانزوائه بعيدًا حين قال:
قبل سنوات انقطعت أخبار بعض الشباب الذين يسترزقون من العمل في البحر الأحمر، فذهب بعض معارفهم للبحث عنهم حيث شاعت الأنباء بأنهم ربما يكونون في إريتريا.
وفي أحد مطاعم أسمرة، التي كانت مقصدًا لتناول وجبة الغداء، لاحظ بعضهم رجلًا يرتدي زيًا بسيطًا، يحرص على تناول وجبة الغداء ويغادر المطعم، ولا يتحدث إلا مع صاحب المطعم. وفي يومٍ من الأيام بدا وكأنه يريد الحديث معنا حينما قال:
«من وين في السودان؟»
فعرفنا أنه سوداني وليس إريتريًا، وصارت هناك معرفة على حدود السلام. وحينما أخبرناه بسبب حضورنا إلى إريتريا، وفشل كل الجهود في معرفة مصير أبنائنا، حضر بعد أيامٍ قليلة وبرفقته الشباب الذين نبحث عنهم، وأكرمهم بكل ما يحتاجون إليه في رحلة العودة إلى البلاد. بل ذهب أبعد من ذلك حينما «غمض» لكل واحدٍ منهم مبلغًا مقدرًا من المال، وطلب منهم الانتباه للبحر، ومضى متلاشيًا في زحمة شوارع أسمرة.
الأستاذ الملهم حمل الطباشير في مدارس جنوب طوكر معلّمًا يدرّس الأبناء والبنات. ولكن حينما فرضت عليه الأوضاع السياسية في شرق السودان حمل السلاح، وكان من أوائل الذين تصدوا لذلك. وناصره الكثير من طلابه، وأصبح معلّمًا لهم في ساحات النضال، وكان يقود المعارك ضد الحكومة بكل شجاعة وبسالة. وأصبح عنصرًا مهمًا في ما يدور في شرق السودان في بداية التسعينيات، فلا يستطيع أحد تجاوزه، وكان في غالب الأوقات مفتاحًا لكثير من المشاكل والخلافات التي كانت تحدث دون أن يكون ظاهرًا في الصورة.
وعن علاقته بالرئيس أسياس أفورقي، يردها الأستاذ إلى ماضٍ قديم حينما سكنا معًا عندما كان أفورقي يقود جبهة التحرير الإريترية. وهذا تاريخ عظيم؛ فالرئيس الإريتري، مهما اختلفت معه، لا يستطيع أحد أن ينكر نضاله في مسيرته السياسية من أجل شعبه.
وبالعودة إلى سجادة قرورة، كان الأستاذ في النهار يحمل ورقة وقلمًا دون أن يسمعه أحد، يدوّن ما يسمعه من مواطنيها عند مقابلتهم، وفي المساء نجلس للحكاوي واسترجاع الماضي.
وفي يومٍ من الأيام قال لي:
«تعرف يا فاتح، قرورة حينما دخلتها بقوات المعارضة كان برفقتي الصحفي فيصل محمد صالح، الذي بث خبر سيطرتنا عليها عبر إذاعة البي بي سي، ونحن جالسون نستمع في الأخبار إلى دخول قوات المعارضة لمنطقة قرورة الحدودية».
قلت له إن شقيقي سراج الدين عبد الله كان من ضمن القوات التي عملت على استرداد قرورة منكم. وبعد مهاتفة شقيقي دار حديث طويل بين الاثنين، لخصه الأستاذ بعبارةٍ عميقة خالدة في ذهني:
«إن السودان، كلما تجد صعوبة في أمرٍ ما، يأتي الحل. في يومٍ ما قاتلت شقيقك في قرورة، واليوم أنت بجانبي في مسيرة بناء قرورة التي تحتاج إلى الكثير».
وعندما كنا من طوكر في اتجاه مرافيت، كان الأستاذ يحرص على النزول من سيارته والجلوس مع المواطنين على الأرض، يبث فيهم الأمل وضرورة العمل على تناسي ألم الحرب. ومن خلال هذا العمل كان الأستاذ يبث الاطمئنان في نفوس السكان حينما قال:
«الحرب تفسد كل شيء، ومطلوبات السلام تحتاج إلى صبر».
رحيل الأستاذ عبد الله كنة خسارة كبيرة للسودان بصفة عامة، ولإنسان الشرق بصفة خاصة. فالرجل حمل هم إنسانه منذ سنوات، وحمل السلاح بشرفٍ وعزة، وحينما جاء إلى السلام جاء بقلبٍ مفتوح وبصيرة نافذة وطيب خاطر.
وكرّس بقية عمره لإنسان الشرق، وتفرغ لأعمال العمودية.
رحم الله تعالى عبد الله كنة، والتعزية لأسرته وعارفي فضله.