كامرون هدسن: الإمارات لا تستطيع تحمل نتائج فشلها الذريع في السودان لذا تستمر في دعم المليشيات لكيلا يسقط إعتبارها وبقية مشاريعها في المنطقة

✍🏻د.يوسف كامل

كاميرون هدسون يشرح: لماذا تدعم الإمارات استمرار الحرب في السودان؟ الأمر لا يتعلق بالإخوان المسلمين بقدر ما يرتبط بطموح النفوذ الإقليمي والرغبة في الخروج من ظل السعودية والغيرة منها

ترجمت جزءا من بودكاست للإعلامية مروة خالد، التي تقوم بعمل مميز في تناول الملف السوداني وطرح أسئلة عميقة ومباشرة مع ضيوفها. وفي هذه الحلقة استضافت الباحث الأمريكي كاميرون هدسون، أحد أبرز المتخصصين في شؤون السودان والقرن الأفريقي.

عمل هدسون سابقًا مديرًا لشؤون أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي في البيت الأبيض، كما شغل منصب المستشار الخاص للسودان في وزارة الخارجية الأمريكية، وهو حاليًا باحث في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن، ويُعد من الباحثين الذين تابعوا تطورات السودان عن قرب خلال سنوات طويلة.

في هذا الجزء من الحوار، تسأل مروة خالد سؤالًا مباشرًا حول الدوافع الحقيقية وراء استمرار الإمارات في دعم الحرب في السودان، رغم الاتهامات المتزايدة التي تواجهها، ورغم التوترات التي تحيط بالسودان من كل جانب، من إثيوبيا وإريتريا إلى تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا ومصر.

في إجابته، يشير هدسون أولًا إلى أنه لا توجد إجابة واحدة حاسمة تفسر إلى أي مدى قد تذهب الإمارات في هذا المسار، لكنه يرى نمطًا واضحًا في سلوكها الإقليمي. فبحسب تحليله، كلما كشفت التقارير أو الأدلة الجديدة مزيدًا من تورط الإمارات في دعم مليشيا الدعم السريع، لا يبدو أن ذلك يدفعها إلى التراجع أو إعادة النظر في سياساتها، بل تمضي في المسار نفسه وتضاعف استثمارها فيه.

كما يرى أن صناع القرار في أبوظبي يعتقدون أنهم قادرون على احتواء أي ضرر قد يلحق بسمعتهم الدولية، عبر توظيف شركات العلاقات العامة وشبكات الضغط السياسي والتأثير الإعلامي، إلى جانب الاستثمار في الصورة الدولية للدولة من خلال الرياضة والعلاقات الاقتصادية، ما يجعلهم يعتقدون أن بإمكانهم تجاوز أي أزمة سمعة.

لكن النقطة الأهم في تحليل هدسون تتعلق بطبيعة الدوافع نفسها. فهو يرى أن التبريرات التي تُطرح أحيانًا حول محاربة الإخوان المسلمين أو نشر الديمقراطية في السودان لا تعكس الدافع الحقيقي لما يجري، بل تُستخدم كذرائع سياسية.

في تقديره، الدافع الأعمق يرتبط بطموح إقليمي أوسع لدى الإمارات. فالإمارات، بحسب تحليله، تسعى إلى التحول إلى قوة إقليمية رئيسية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأن تُنظر إليها كقوة قادرة على مضاهاة المملكة العربية السعودية، لا مجرد شريك أصغر في الإقليم. وبعبارة أخرى، هناك رغبة واضحة في الخروج من ظل القوى الخليجية الأكبر وإثبات حضور مستقل في معادلات النفوذ الإقليمي.

ويشير هدسون إلى أن هذه الاستراتيجية لا تقتصر على السودان وحده، بل تمتد عبر شبكة واسعة من التحركات والنفوذ في دول القرن الأفريقي وما حولها، مثل الصومال وإثيوبيا، ومحاولات للتأثير في إريتريا، إضافة إلى أدوار واضحة في ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، مع تنامٍ في العلاقات مع دول أخرى مثل أوغندا وكينيا. وضمن هذا التصور الأوسع، يصبح السودان نقطة ارتكاز مركزية في هذه الاستراتيجية الإقليمية.

ولهذا السبب، يرى هدسون أن أي انتكاسة للإمارات في السودان لن تكون مجرد خسارة في ساحة واحدة، بل قد تقوض جزءًا كبيرًا من الشبكة الإقليمية التي سعت إلى بنائها خلال السنوات الماضية. فالسودان، في هذا التصور، يمثل محورًا جغرافيًا وسياسيًا يربط بين كثير من هذه الملفات.

ومن هنا، فإن التراجع في السودان قد يضعف مصداقية هذا المشروع الإقليمي بأكمله، ويطرح تساؤلات حول قدرة الإمارات على الحفاظ على نفوذها في بقية مناطق القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ولهذا يرى هدسون أن أبوظبي تجد نفسها شديدة الالتزام بهذا المسار، لأن الخروج من السودان بشكل خاسر قد ينعكس على كامل استراتيجيتها في المنطقة.

بالنسبة لي، كثير ممن ناقشوا هذا الملف معي شخصيًا خلال الفترة الماضية يعرفون أنني أنظر إلى ما يجري في السودان بطريقة قريبة جدًا مما طرحه هدسون هنا. فالرواية التي تُطرح باستمرار حول محاربة الإخوان المسلمين لا تبدو تفسيرًا منطقيًا للحرب، بل تبدو وبصورة واضحة أقرب إلى غطاء سياسي يُستخدم لتبرير مشروع أوسع يتعلق بالنفوذ والطموح الإقليمي. كما أنني أتفق تمامًا مع النقطة التي أشار إليها هدسون بشأن أهمية السودان في هذا المشروع. فنجاح الإمارات في السودان يُنظر إليه كركيزة أساسية في استراتيجيتها الأوسع في أفريقيا. وفي المقابل، فإن هزيمتها في السودان ستكون هزيمة محرجة للغاية بالنسبة لها، وبالتأكيد ستُضعف نفوذها وتقدمها في دول أفريقية أخرى. فالواقع أن وجودها في عدد من هذه الدول يواجه بالفعل قدرًا من المقاومة السياسية، حتى وإن كانت محدودة في بعض الحالات. ولهذا يمكن النظر إلى السودان باعتباره رأس الرمح في هذه الاستراتيجية. فإذا انكسر هذا الرأس، فإن بقية المشروع سيصبح أكثر هشاشة في بقية دول المنطقة.

ويأتي ذلك أيضًا في سياق تنافس أوسع في المنطقة، حيث تسعى الإمارات إلى ترسيخ مكانة إقليمية تمكّنها من مضاهاة الدور الذي تمثله المملكة العربية السعودية. فالمملكة، بثقلها السياسي والاقتصادي، وبما تمثله من مكانة خاصة في قلوب المسلمين حول العالم بحكم احتضانها للحرمين الشريفين، تُعد بطبيعتها مركز ثقل طبيعي في العالم الإسلامي. كما أن التحولات الكبيرة التي تشهدها المملكة في إطار رؤية 2030، وما تحمله من طموح اقتصادي وتنموي واسع، تعزز من هذا الدور القيادي في المنطقة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الدور القيادي الذي تمثله المملكة في العالمين العربي والإسلامي باعتباره مرجعية طبيعية في المنطقة، وهو دور لا يحتاج إلى فرض نفسه بقدر ما ينبع من مكانتها التاريخية والدينية والسياسية الطبيعية.

وللأسف فأجساد السودانيين تدفع ثمنا لهذا الطموح وهذه الغيرة من المملكة.

Exit mobile version