مبادرة امتحان الشهادة الثانوية الموحد في الحرب: هذا هو النبل، أين البركة؟ (٢-٢)
Mazin
عبد الله علي إبراهيم
نقول لمن أتى متأخراً ليتلافى أمراً “علوق الشدة” وهو أن تعلف الدابة قبيل ركوبها
ملخص (على أهمية مبادرة استدراك طلاب دارفور وكردفان للامتحان مع زملائهم في بقية السودان العابرة لأطراف الحرب، إلا أنها لم تصِب هدفها وحسب، بل صارت مضغة لتحشيد معارض لا غناء فيه. وكان الخطأ في تصميمها في جعلها من النبل استراتيجية. وما هو كذلك. فأرادت أن تلحق طلاب الإقليمين بامتحان الشهادة الثانوية فإذا بها تنتهي إلى مطلب مستحيل جاءت به في الساعة الـ23 لإرجاء امتحان وشيك الانعقاد أنفقت حكومة السودان وثلث مليون أسرة وطالب عاماً يستعدون له. ولم تتحسب لأن الذي لا يدرك كله لا يترك جله).
ولا يعرف المرء أن كانت مبادرة استنقاذ طلاب دارفور من تفويتهم الامتحان دبارة لاحتواء وضع مقلق أو قضية معارضة للنضال المؤزر من أجلها ضد “حكومة الأمل” بصورة خاصة كما رأت بعض الدوائر. كلفت ما كلفت. وصارت المسألة عندهم “ذريعة” لإنهاء الحرب بأكثر مما هي خطة واقعية لإسعاف طلاب لمواصلة دراستهم، توقفت الحرب أو لم تقف. فمن رأي لجنة المعلمين، التي لها سابقة معارضة بلقاء لانعقاد الامتحان نفسه لدورة 2025، أن الأزمة الوطنية أخذت بالامتحان منحى أكثر خطورة “مع إصرار سلطات الأمر الواقع في بورتسودان على تنظيم الامتحانات وفق مناطق السيطرة، بدلاً من البحث عن صيغة قومية موحدة”. وزادت أن ما يجري حالياً، في ظل التنافس بين حكومة بورتسودان وحكومة نيالا، ومحاولة كل طرف تثبيت موقعه كسلطة كاملة الصلاحيات داخل مناطق سيطرته عبر بوابة امتحانات الشهادة الثانوية، يعكس المخاوف التي نبهت إليها منذ وقت مبكر. فالشهادة الثانوية السودانية ليست مجرد إجراء إداري محلي، بل إنها استحقاق قومي وسيادي يمثل رمزاً لوحدة الدولة ومؤسساتها التعليمية. وجاءت تلك الهيئات المتنادية لدعم المبادرة محتقنة بالحق بما جرد غيرها منه. فلطالما كانت هذه الهيئات ضد الحرب، أو تزعم ذلك، فهي حليف الوطنية السودانية والإنسانية الرؤوف بالطلاب، بينما غيرها في الدرك من حب الذات. فهي تدعو إلى “تحييد التعليم” و”التعامل مع الامتحانات كقضية إنسانية”، بينما من بيدهم أمر الامتحانات هم من يغامرون بها في شعاب السياسة. فحذّر “حزب المؤتمر الشعبي”، من فوق منصة التخمة بالحق، من “انهيار غير مسبوق في قطاع التعليم”. وطالب بـ”تحييده عن النزاع” والوقف الفوري لاستهداف المؤسسات التعليمية، وضمان وصول جميع الطلاب في أنحاء السودان كافة إلى مراكز الامتحانات في ظروف آمنة وعادلة. كذلك شدد “حزب البعث العربي” على ضرورة إيجاد صيغة للامتحانات الموحدة للشهادة السودانية في الولايات كافة، محذراً من أن “إهمال قضية التعليم وغيرها من القضايا الملحة سيعزز من واقع تشطير الوطن”. فاستقرار العملية التعليمية، في قول “البعث”، يمثل ركيزة للأمن القومي، داعياً إلى الاستجابة لمطالب المعلمين وأساتذة الجامعات العادلة، ووقف الاعتقالات بحقهم. ونادى أيضاً “تضامن نقابات السودان”، مجهول الكنه، بامتحانات موحدة لكل السودان، لرفضه أية محاولة لاستغلال امتحانات الشهادة لتقسيم البلاد عسكرياً وإنسانياً وعاطفياً، مما يؤثر سلباً في قومية البلاد ووحدتها. وأيدت هيئة محامي دارفور ضمن بيان لها في الـ26 من مارس الماضي المبادرة لتُصلي الحكومتين ناراً. فقالت إنها تقف وبشدة ضد محاولات سلطة الأمر الواقع بنيالا إقامة امتحانات موازية للشهادة السودانية بصورة منفردة وترى في ذلك محاولة لشرعنة انفصال البلاد وتقسيمها. وتدين في الوقت ذاته تشدد حكومة الأمر الواقع الأخرى ببورتسودان ورفضها إيجاد حلول ومقترحات تمكن طلابنا من الجلوس للامتحانات وعدم اتخاذهم وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وانحدرت الحمية عن الامتحانات مرات إلى لغو سياسي صريح. فاحتج الحزب الشيوعي في بيان لسكرتارية لحنته المركزية (28 إبريل 2026) على خناق الحكومة لمن يمارس حقه في الإدلاء برأيه في قضايا الشأن العام ليعرج على لغو معارض عن تدخلات لها في “مجالات أكاديمية مثل مجال التعليم وفي مناهج وأسس امتحان الشهادة السودانية، وأثره السلبي على الجوانب المهنية المختلفة وعلى تنمية الموارد المادية والبشرية في البلاد وعلى مستقبل الأجيال القادمة في التحصيل والتأهيل الأكاديمي”. ولا يعرف أحد أن كانت “مناهج وأسس امتحان الشهادة السودانية” بهذه العمومية مما شغل الناس في يومنا. من جهة أخرى اكتسبت مسألة تخلف دارفور وكردفان عن امتحان الشهادة السودانية صورة القضية المطلبية التي للهامش على المركز. فلا يعرف المرء كيف ربط الأكاديمي صديق أمبده، صاحب المباحث القيمة عن الغبن التنموي لفجاج السودان، بين تعذر قيام الامتحانات الشاملة للسودان في يومنا وقضية الهامش على المركز. فوصف تأخر طلاب دارفور وكردفان عن التعليم بسبب الحرب بأنه “استمرار لمظالم تاريخية وفجوات تعليمية هيكلية”. واستدعى إحصاءات وثيقة تعود لمنتصف الثمانينيات تظهر تفاوت نسب الاستيعاب بين أقاليم السودان، محذراً من أن “حرمان طلاب دارفور وكردفان من الامتحانات اليوم سيعيد إنتاج المظالم ذاتها ويغذي جذور الصراع المستقبلي”. ولا يعرف المرء كيف فات على صديق أنه لم تقُم هذه الحرب التي قال إنها ستفاقم الفجوة التعليمية في الإقليمين، إلا لسدها بالقضاء على “دولة 56” التي غبنت الهامش تنموياً وقيام السودان الجديد. فهي حرب ضرورة نهض بها من قالوا إنهم يريدون اجتثاث نفس دورة “إنتاج ذات المظالم” التي قال صديق إنها ستغذي الصراع مستقبلاً. فهي حرب المستقبل، بل هي المستقبل. وعلى أهمية مبادرة استدراك طلاب دارفور وكردفان للامتحان مع زملائهم في بقية السودان العابرة لأطراف الحرب، إلا أنها لم تصِب هدفها وحسب، بل صارت مضغة لتحشيد معارض لا غناء فيه. وكان الخطأ في تصميمها جعلها من النبل استراتيجية. وما هو كذلك. فأرادت أن تلحق طلاب الإقليمين بامتحان الشهادة الثانوية، فإذا بها تنتهي إلى مطلب مستحيل جاءت به في الساعة الـ23 لإرجاء امتحان وشيك الانعقاد أنفقت حكومة السودان وثلث مليون أسرة وطالب عاماً يستعدون له. ولم تتحسب لأن الذي لا يُدرك كله لا يُترك جله. قال عبدالله الطيب، الناقد الحداثي المفرد لتعليم الاستعمار فينا، إن التعليم المأثور عن الاستعمار بلا بركة، ولم يفصّل قوله. ولا يملك المرء إلا وصف المبادرة موضوعنا هنا بأنها، وقد باءت بخسران متعدد الوجوه، بأنها بلا بركة.
ستجد أدناه عبارة منسوبة إلى لجنة المبادرة تحمل الحكومة وزر حرمان طلاب كردفان ودارفور من امتحان الشهادة الثانوية. وليست هذة الإدانة على صريج لغتها مما فهمته من أدب المبادرة. ولكن المبادرة السائبة كما أوضحت في كلمتي اعلاه تعلم السرقة.