السودان… بلدٌ تحكمه الميديا

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

ليست السلطة—في صورتها التقليدية—هي التي تحدد مسار الدول دائمًا، ولا المؤسسات وحدها هي التي تصوغ القرارات، بل ثمة قوةٌ أخرى أخذت تتسلل بهدوءٍ حتى صارت في قلب المشهد، تُوجّه وتُحرّك وتُعيد تشكيل الوقائع قبل أن تُسجَّل. هذه القوة لا تحمل سلاحًا، ولا تُصدر أوامر رسمية، لكنها تُنشئ واقعًا نفسيًا ومعنويًا يسبق القرار، بل ويصنعه أحيانًا. إنها الميديا.

في السودان، لم يعد الإعلام مجرد ناقلٍ للخبر أو وسيطٍ بين الحدث والجمهور، بل تحوّل—تدريجيًا—إلى فاعلٍ رئيسي في تشكيل الحدث نفسه. فمن الصحافة والإذاعة والتلفزيون، إلى الطفرة الرقمية التي أطلقت وسائط التواصل الاجتماعي، نشأت منظومة تأثير واسعة النطاق، تتجاوز حدود المهنية إلى التأثير المباشر في الرأي العام، ومنه إلى مراكز القرار.

ومع ثورة الاتصالات، لم يعد تدفق المعلومات خاضعًا لضوابط التحرير أو معايير التحقق، بل أصبح مفتوحًا بلا سقف، سريعًا بلا تمحيص، ومؤثرًا بلا مساءلة. وهنا تحديدًا، انتقلت الميديا من كونها أداةً في يد الدولة أو المجتمع، إلى قوةٍ قائمة بذاتها، قادرة على فرض أجندتها، وصياغة أولوياتها، بل وإعادة ترتيب موازين الفعل داخل الدولة.

لقد شهد السودان—خلال السنوات الأخيرة—تحولًا واضحًا في طبيعة التأثير السياسي والاجتماعي، حيث أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي لاعبًا مباشرًا في تحريك الشارع، وتشكيل المزاج العام، وصناعة لحظات الحشد والانفجار. لم تعد الثورات تُبنى فقط على تراكمات الواقع، بل على موجاتٍ إعلامية تُسرّع الغليان، وتختصر الزمن، وتخلق لحظة الذروة. وهنا يتبدّى أثر الميديا بوصفها محرّكًا للحراك الشعبي، لكنها—في الوقت ذاته—ليست دائمًا ضامنًا لاتجاهه.

ومن هنا، لم تعد الميديا في السودان تعكس الواقع فحسب، بل أصبحت أحد مصادر إنتاجه.
ومن يتابع هذا المشهد عن قرب، يشعر أنه أمام واقع يُصنع أمامه، لا يُنقل إليه. وربما يلحظ كيف تتشكل المواقف أحيانًا قبل أن تكتمل الصورة، وما يترتب على ذلك من أثرٍ في وعي الناس قبل واقعهم.

فالمشكلة لا تكمن في التأثير ذاته، بل في طبيعته. إذ يغلب على الفعل الإعلامي—وخاصة في فضاء السوشيال ميديا—طابع الهدم أكثر من البناء، وردّ الفعل أكثر من الفعل، والانفعال أكثر من الوعي. تُضخّم الأحداث، وتُختزل القضايا، وتُقدّم الوقائع في صورةٍ مشحونة، تُثير الغضب أكثر مما تُنتج الفهم. وهكذا، تتحول الميديا من أداة تنوير إلى أداة تعبئة، ومن مساحة نقاش إلى ساحة استقطاب.

وفي ظل هذا المناخ، تراجعت المهنية لصالح السبق، وغابت الاحترافية أمام سطوة الانتشار، وانخفض مستوى المحتوى تحت ضغط التفاعل، حتى أصبح معيار القيمة هو أعداد المتابعين، ونسبة المشاهدات وحجم التداول، لا الدقة ولا الحقيقة. ومع هذا التحول، دخلت القيم الأخلاقية في طور التآكل، حيث أصبح التشهير، وانتهاك الخصوصية، والتجريح الشخصي، ممارساتٍ شبه عادية في الفضاء الرقمي.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن ضعف الإطار القانوني والتنظيمي، حيث لم تُواكب التشريعات السودانية هذا التحول المتسارع، فتركت مساحةً واسعة للفعل غير المنضبط دون أدواتٍ فعالة للمساءلة أو الردع. وفي ظل هشاشة الدولة، وتراجع مؤسساتها، يصبح الفراغ بيئةً خصبة لتمدّد الفوضى الإعلامية، التي لا تكتفي بالتأثير في الرأي العام، بل تمتد إلى التأثير في القرار ذاته.

وهنا تبرز نقطة التحول الأخطر؛ حين تصبح القيادة—السياسية أو العسكرية—واقعة تحت ضغط الميديا، لا بوصفها مؤشرًا للرأي العام، بل بوصفها صانعًا له. في هذه الحالة، لا يعود القرار نتاج قراءة استراتيجية متأنية، بل استجابةً لموجة، أو تفاعلًا مع حملة، أو محاولةً لامتصاص ضغطٍ لحظي. وبذلك، تنتقل السلطة الفعلية—جزئيًا—من المؤسسات إلى الفضاء الرقمي، بلا ضوابط واضحة، ولا مسؤوليات محددة.

وفي ظل الحرب، تتضاعف خطورة هذا الواقع. فالمعلومات لم تعد مجرد مادةٍ للتداول، بل أصبحت جزءًا من معركة الوعي، وسلاحًا يُستخدم في التأثير والتضليل والتوجيه. وتتحول الشائعات إلى أدواتٍ لإرباك الجبهة الداخلية، وإضعاف الثقة، وخلق حالةٍ من القلق والارتباك. وهنا، لا يكون تهديد الأمن القومي ناتجًا عن السلاح وحده، بل عن الكلمة أيضًا.

غير أن معالجة هذا الواقع لا تكون بالمنع أو القمع، فذلك نهجٌ لا يصمد أمام طبيعة العصر، بل تكون بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع والميديا على أسسٍ جديدة. تبدأ هذه المعالجة بترسيخ الوعي المجتمعي، وتعزيز التفكير النقدي، وبناء قدراتٍ إعلامية محترفة قادرة على إنتاج محتوى نوعي، يوازن بين الحرية والمسؤولية. كما تتطلب تطوير أطر قانونية حديثة، تُنظّم الفضاء الرقمي دون أن تخنقه، وتُحاسب دون أن تُقيّد.

وفي المقابل، لا بد أن تعود الدولة إلى موقع الفعل، لا موقع رد الفعل. فالدولة التي تترك المجال الإعلامي فارغًا، تفسح المجال لغيرها ليملأه. والإعلام الرسمي—إن بقي ضعيفًا أو فاقدًا للمصداقية—لن يكون قادرًا على منافسة الفضاء المفتوح، مهما امتلك من أدوات. لذلك، فإن إعادة بناء الإعلام الوطني، على أسس مهنية واحترافية، ليست خيارًا، بل ضرورة.

السودان اليوم لا تحكمه الميديا بالمعنى المباشر، لكنه يتأثر بها إلى حدٍ يجعلها—في كثير من الأحيان—أقرب إلى الحاكم غير المعلن. فهي لا تُصدر قرارًا، لكنها تُعيد تشكيل المناخ الذي يُصاغ فيه، وتُسرّع وتيرته، وتُعيد ترتيب أولوياته، وتُسهم في توجيه الإدراك الجمعي لما يحدث. وهذه سلطة لا تعمل عبر مؤسسات، ولا تُقاس بمسؤوليات واضحة، لكنها تمارس أثرها بفاعلية تتجاوز حدود التعريف التقليدي للنفوذ.

وفي ظل هذا التشابك، لا يواجه السودان تحديًا في إدارة الوقائع فحسب، بل في امتلاك روايتها. فالمجال الذي يُترك بلا تفسير، لا يبقى فراغًا، بل يُملأ برواياتٍ تتقدم على اكتمالها، وصورٍ تُختزل قبل سياقها، وضجيجٍ يعلو على المعنى. وعند هذه النقطة، لا يعود التأثير متعلقًا بما يحدث، بل بما يُستقر في الوعي بوصفه حقيقة… حيث تتقدّم الرواية على الواقع، وتغادر الكلمة موقع الوصف، لتصبح قوةً تُعيد صياغته.

الأحد 3 مايو 2026م

Exit mobile version