السودان والعقوبات الدولية: بين وهم الردع وإدارة التناقض الدولي
Mazin
هشام يوسف عبد الرحمن
في السودان، لا تكمن المشكلة في غياب القرارات الدولية، بل في حدود قدرتها على التأثير. تُعلن العقوبات بلغة القانون كأدوات ردع، لكنها تعمل في الواقع كأدوات إدارة؛ وبين خطاب يبدو حاسماً وممارسة سياسية تحسب خطواتها بدقة، يتشكل مشهد لا تحكمه النصوص وحدها. هنا، لا يُقاس الموقف الدولي بما يُقال، بل بما يُترك ليحدث، حيث يتحول الضغط إلى وسيلة لضبط الإيقاع لا لحسمه، ويتكشف تناقض لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعكس طريقة إدارة الأزمة.
ليست المشكلة أن العالم لا يرى ما يجري في السودان، بل أنه يراه ويختار كيف يتعامل معه.
في 28 أبريل 2026، أعلن مجلس الأمن فرض عقوبات على القوني حمدان دقلو، في خطوة بدت، للوهلة الأولى، وكأنها استعادة لهيبة القانون الدولي؛ لحظة تؤكد أن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها، وأن ما يجري لم يعد شأناً داخلياً يمكن تجاهله، بل بات تحت رقابة نظام دولي يمتلك أدوات الردع.
لكن هذا الوضوح النظري يصطدم سريعاً بواقع أكثر تعقيداً.
فالعقوبات، رغم صرامتها القانونية، لا تتحرك في فراغ، بل ضمن بيئة سياسية تحكمها المصالح. ومن هنا، لا يصبح تنفيذها مسألة التزام قانوني فقط، بل مسألة إرادة. فالدول التي ترى في تطبيق العقوبات تهديداً لعلاقاتها الاقتصادية أو الأمنية، لا ترفض القرار صراحة، لكنها تؤخره، أو تفسّره بشكل ضيق، أو تفتح مسارات غير مباشرة للالتفاف عليه.
“العقوبات تُعلن في نيويورك – لكن الحرب تُدار من خارجها.”
وهكذا تتحول العقوبات من أداة حسم إلى إشارة سياسية قوية، لكنها محدودة الأثر.
في صورتها النظرية، تبدو العقوبات قاطعة: تجميد أصول، حظر سفر، ومنع للتعامل. لكن هذه القطيعة تتآكل حين تدخل في تماس مع الجغرافيا السياسية. فالفاعل المستهدف لا يعيش داخل نص القرار، بل داخل شبكة ممتدة من العلاقات والتمويل والحركة، تتحرك عبر عواصم ووسطاء ومسارات لا تمر بالضرورة عبر النظام الرسمي.
وهنا تبدأ الفجوة بين ما يُكتب في نيويورك، وما يجري فعلياً في الخرطوم وما حولها.
“في السودان، لا تُقاس قوة العقوبات بما يُكتب في قرارات مجلس الأمن، بل بقدرتها على تعطيل شبكات المال والنفوذ التي تعمل خارج النص.”
وتتضح هذه الفجوة أكثر في الحالة السودانية، حيث لم يعد الصراع محصوراً داخل الحدود، بل أصبح مسرحاً لتقاطع مصالح إقليمية ودولية: ذهب يُتداول خارج الأطر الرسمية، دعم لوجستي يعبر حدوداً رخوة، وشبكات مالية تعمل بعيداً عن النظام البنكي التقليدي. وفي بعض الحالات، لا يتوقف الأمر عند مجرد التهريب، بل يصل إلى إعادة دمج هذه الموارد في أسواق إقليمية وعالمية، بما يجعل تتبعها شبه مستحيل، ويُفرغ جزءاً من أثر العقوبات قبل أن يبدأ.
وفي مثل هذا السياق، لا تعود العقوبات سيفاً قاطعاً، بل عائقاً يمكن الالتفاف حوله أو التخفيف من أثره.
هذا لا يعني أنها بلا قيمة؛ فهي تُربك وتُقيّد وترفع تكلفة الحركة، لكنها نادراً ما تكون كافية وحدها لإحداث تحول حاسم، خاصة حين تتوفر بدائل خارج النظام الرسمي، أو حين تتوفر بيئات إقليمية قادرة على استيعاب هذا النشاط وإعادة تدويره.
ولعل المفارقة أن العقوبات، وهي في الأصل أداة قانونية، تكشف حدود القانون نفسه حين يدخل مجال السياسة. فتنفيذها لا يعتمد فقط على النص، بل على شبكة المصالح التي تحكم النظام الدولي، حيث لا تتحرك الدول ككتلة واحدة، بل كفاعلين متباينين في الأولويات، لكل منهم حساباته الخاصة.
في هذا السياق، يمكن استحضار ما قاله ابن خلدون عن أن القوة لا تقوم على النصوص، بل على “العصبية” القادرة على الفعل. وإذا أُسقط هذا المفهوم على الحالة السودانية، فإن العصبية لم تعد قبلية فقط، بل أصبحت شبكة مصالح عابرة للحدود، مالية وإقليمية، تمنح الفاعلين قدرة على التكيف مع الضغط والاستمرار رغم القيود.
ومن زاوية أخرى، يقدّم مالك بن نبي مدخلاً مكملاً، حين يشير إلى أن التدخل الخارجي لا يحدث في فراغ، بل في بيئة تسمح به. وفي السودان، خلقت حالة الانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القوة، بيئة قابلة لاختراق التأثيرات الخارجية، بحيث أصبحت العقوبات جزءاً من معادلة أوسع، لا مركزها.
أما قراءة محمد عابد الجابري للعقل السياسي، فتُظهر أن السلطة لا تُفهم فقط عبر القوانين، بل عبر شبكة العلاقات التي تحيط بها. وهذا يفسر لماذا لا يمكن قراءة أي قرار دولي بمعزل عمن يدعمه، ومن يعطله، ومن يستفيد من بقائه دون تنفيذ كامل.
لكن فهم هذه المحدودية لا يكتمل دون النظر إلى طريقة إدارة القوى الكبرى للملف السوداني، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
فالمسألة ليست فيما تعرفه واشنطن، بل في كيفية تعاملها مع ما تعرفه. فالمعرفة في السياسة الدولية لا تقود بالضرورة إلى الفعل، بل تمر عبر طبقات معقدة من الحسابات، حيث تتقدم الأولويات وتُعاد صياغة المواقف.
ومن هنا، يظهر ما يبدو تناقضاً، لكنه في الواقع جزء من أسلوب الإدارة. فالعقوبات ليست دائماً أداة قطيعة، بل أداة ضبط إيقاع؛ تضغط من جهة، وتُبقي قنوات مفتوحة من جهة أخرى. والهدف ليس فقط المعاقبة، بل التحكم في مسار الأحداث، أو منعها من الانفلات الكامل.
ويتضح هذا التوازن أكثر حين يتقاطع الملف السوداني مع ملفات أخرى أوسع. فالعلاقة مع دول إقليمية فاعلة لا تُبنى على ملف واحد، بل على شبكة من المصالح تشمل الأمن، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وحتى التوازنات الجيوسياسية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي مثل هذا السياق، يصبح من الصعب اتخاذ موقف حاد في ملف، إذا كان ذلك سيُربك ملفات أخرى أكثر حساسية أو أولوية.
وهنا تتشكل المنطقة الرمادية التي تبدو فيها السياسة وكأنها تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر. فالتصريحات قد تكون حادة، لكن الأفعال تميل إلى التدرج، والضغط قد يكون واضحاً، لكن سقفه يظل مضبوطاً، ليس ضعفاً بالضرورة، بل نتيجة لحسابات أوسع من الملف نفسه.
| “المشكلة ليست في غياب الإرادة الدولية، بل في توزيعها على أولويات لا يعلو فيها السودان إلى مرتبة الحسم.”
في السودان، تُترجم هذه المعادلة إلى واقع ملموس. فبينما تتحدث واشنطن عن ضرورة وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين، تستمر قنوات التأثير الإقليمي في العمل، وتظل بعض المسارات مفتوحة، سواء لأغراض تفاوضية أو لاعتبارات تتجاوز الملف نفسه.
و لا يقتصر الأمر على إدارة بعينها، بل يعكس نمطاً متكرراً في طريقة صنع القرار الأمريكي. فهناك فرق واضح بين ما يُقال في مواقع الضغط السياسي – كما يظهر في خطابات بعض أعضاء الكونغرس، ومنهم ماركو روبيو الذي كان قد عُرف بمواقفه الحادة والداعية إلى تشديد الضغط في هذا الملف – وبين ما يُدار بعد الوصول إلى موقع القرار. عند هذه النقطة، تتغير الحسابات وتصبح أكثر تعقيداً، كما يتضح في موقعه الحالي كوزير للخارجية. هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس طبيعة النظام نفسه؛ حيث لا يعود الخطاب أداة مواجهة، بل يتحول إلى جزء من إدارة توازن معقد، تُعاد فيه ترتيب الأولويات وفق شبكة مصالح أوسع تتجاوز منطق التصريحات.
لكن لهذه البراغماتية كلفة واضحة، خاصة في حالة مثل السودان. فكل تردد أو تأخير في الحسم يترجم إلى مساحة إضافية للصراع، وإلى زمن أطول للمعاناة، وإلى تعقيد أكبر في أي تسوية لاحقة.
وفي المقابل، تدرك الأطراف على الأرض هذه المعادلة جيداً. فهي تعلم أن الضغط له سقف، وأن المصالح تُقيّد القرارات، وأن الزمن قد يكون عاملاً في صالحها إذا استطاعت الصمود أو إعادة التموضع.
وهكذا، يتحول الملف السوداني إلى ساحة تُدار فيها السياسة على مستويين: مستوى معلن تُقال فيه المواقف وتُعلن فيه المبادئ، ومستوى آخر أكثر هدوءاً تُحسب فيه الكلفة وتُرسم فيه الحدود.
في النهاية، لا يكون السؤال لماذا لا يتحرك المجتمع الدولي بشكل حاسم، بل: ما الذي يُعتبر أصلاً “حسماً” في ملف مثل حالة السودان؟
لأن الإجابة لا تُقاس بما يحدث داخل السودان وحده، بل بما يتقاطع معه من مصالح أوسع، تُبقي هذا الملف دائماً داخل دائرة الإدارة، لا الحسم.