يحق لصديقنا الراحل البروفيسور جون إسبوزيتو أن يردّد بفخر مقولة خالد بن الوليد “فلا نامت أعين الجبناء”. فقد دخل، مثل ابن الوليد، معارك تشيب لها الولدان مع عتاة اللوبي الصهيوني وعصابات الإسلاموفوبيا وفرسان الليبرالية الجديدة، من دون أن يطرف له جفن أو تنكسر له قناة، أو يتراجع قيد أنملة. وقد خرج من هذه المعارك بجروح وإصابات، ولكنه بحمد الله لقي ربه في الخامس عشر من تموز/ يوليو الجاري، وهو في السادسة والثمانين، ثابتاً في موقع أستاذ الجامعة، وأستاذ الأديان والعلاقات الدولية في مدرسة الشؤون الخارجية، والأستاذ المتميز في مركز الوليد بن طلال للحوار الإسلامي المسيحي في الجامعة، ومدير مبادرة “الجسر” لدعم التعدّدية ومناهضة الإسلاموفوبيا في المركز. وظل يُدعى إلى كل أركان الكرة الأرضية ليحاضر ويشارك في المؤتمرات.. وكثيراً ما استشاره العقلاء من رجال السياسة والأعمال في الشؤون العامة (وكان في السابق يستشار في كل أروقة الحكم، وقد حضر سيمناراته جو بايدن وجون كيري وآخرون). وقد نشر البروفيسور إسبوزيتو 55 كتاباً وأكثر من مائة ورقة في الدوريات العلمية، واعتبر رائداً في مجال دراسات الأديان عموماً، والإسلام خصوصاً في الولايات المتحدة والغرب. ولد جون إسبوزيتو في حي بروكلين في نيويورك عام 1940، لأسرة إيطالية كاثوليكية متديّنة، وقضى في صباه عشر سنوات في أحد الأديرة لتهيئته ليصبح قسيساً (من سن 14 عاماً إلى سن 24)، ولكنه تحول فيما بعد إلى الدراسة المدنية، ملتحقاً بجامعة سانت جون حيث حصل على بكالوريوس في دراسات اللاهوت. وفي جامعة تمبل التي التحق بها للدراسات العليا نصحه إسماعيل راجي الفاروقي، أحد مشرفيه، بأن يدرس مقرّراً في الإسلام ضمن دراساته للدكتوراه، ولكنه لم يقبل رغم تكرار النصيحة. بعد فترة، درس مقرّراً في الإسلام فكان هذا اكتشافاً محورياً في حياته، يتعلق بالاعتراف بأنبياء العهد القديم، وبالمسيح نبياً، ووجود سورة مخصّصة لمريم وباسمها، وهو ما لم يوجد في الإنجيل. وقد دفعه هذا إلى جعل التفاهم بين الإسلام والمسيحية من أولياته. التحق في 1972 بكلية الصليب المقدس، وهي كلية كاثوليكية خاصة متميزة، تولى فيها تدريس الأديان، وعمل فيها 20 عاماً، وأسس فيها أول برنامج للدراسات الإسلامية المهمة في الجامعات الأميركية. وفي 1993 انتقل إلى جامعة جورجتاون، حيث أسس فيها مركز التفاهم المسيحي-الإسلامي الذي تحول في 2005 إلى مركز الوليد بن طلال للحوار الإسلامي المسيحي الذي تولى إدارته وبقي جزءاً من طاقمه بصفة أستاذ متميز، ويشرف على مبادرة “الجسر” لمحاربة الإسلاموفوبيا التي أسسها. وقد منح في 2000 رتبة “أستاذ الجامعة” (University Professor) وهو لقب تحصل عليه فئة قليلة من بين نخبة الأساتذة. كان أيضاً مستشاراً لوزارة الخارجية الأميركية وسفيراً لاتحاد الحضارات التابع للأمم المتحدة، وحصل على كثير من الجوائز والمواقع المرتبطة بخبرته في الأديان. وقد ترجمت كتبه إلى 43 لغة، كما أصبحت تدرس في العديد من الجامعات الأميركية والأجنبية. ما يميزه من غيره من الأكاديميين أن مواقفه ظلت ثابتة من القضايا المحلية والعالمية، وعلى رأسها قضية فلسطين. ولهذا ركزت واحدة من أهم لوبيات إسرائيل في القطاع الأكاديمي، مجموعة مراقبة الجامعات (Campus Watch) هجماتها عليه منذ إنشائها في 2002 حتى قبل شهر من وفاته، حين احتجت على إعادة دار جامعة أوكسفورد نشر كتابه “الإسلام: السراط المستقيم”، مرددة أن نشره من هذه الدار المرموقة ، سيدفع بالكثيرين من الشباب إلى قراءته. وفي إبريل/ نيسان 2020 كانت التهمة تغريداته “المعادية للسامية” المنددة باللوبي الصهيوني وسيطرته على واشنطن، وكذلك ارتباطه بمؤسسات (مثل جمعية فلسطين، ومؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية)، تتهم بدعم الإرهاب. النقمة عليه كذلك بسبب شهادته في الكونغرس في عام 2000 التي وصف فيها حركة حماس وحزب الله بأنهما حزبان شرعيان وطالب الإدارة الأميركية بالحوار معهما. أضيفت أيضاً مقالة نشرها في مجلة هارفارد للشؤون الدولية في عام 2006، وانتقد فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لعدم الاعتراف بحكومة حركة حماس المنتخبة ديمقراطياً. في نشرة يوليو 2023، اعترفت المنظمة بصحة المقولة السائدة عنه إنه “أكثر أساتذة الدراسات الإسلامية نفوذاً في الولايات المتحدة” حين صبت جام غضبها على نفوذه غير الحميد، مستشهدة بتأثر عدد كبير من الأكاديميين والصحافيين، بمن فيهم أكاديميون إسرائيليون بمقولته إن “حماس” بدأت العمليات الانتحارية رداً على مجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل التي نفذها الإسرائيلي باروخ غولدمان، وسعت إلى دحض المقولة التي وردت في كتابه “الحرب غير المقدّسة”. انتقد إسبوزيتو لعلاقته مع سامي العريان، إلى درجة أنه ألغى محاضرة كان سيلقيها في جامعة تامبا التي كان العريان يدرس فيها، عندما فكر مدير الجامعة في فصله، قائلاً إنه لا يمكن أن يزور جامعة لا تحترم حقوق أساتذتها. وعندما قُدّم العريان للمحاكمة، كتب إسبوزيتو شهادة لصالحه. وحتى عندما اعترف العريان بالتهم تحت الضغط، واصل دعمه له، وهو الآن عضو في المجلس الاستشاري للمنظمة الأكاديمية الإعلامية التي يشرف عليها العريان في تركيا (مركز الشؤون الإسلامية والدولية). سخرت المنظمة في الوقت نفسه من نكتة إسبوزيتو في ندوة نظمها المركز، حين ذكر أن الاهتمام بالإسلام كان شبه معدوم في الولايات المتحدة قبل الثورة الإيرانية، ويشكر فيها آية الله على أن زيادة الاهتمام نفعته مما وفر له ثمن أول سيارة ليكسس اقتناها. (لإسبوزيتو نكتة أخرى يشكر فيها الخميني وأسامة بن لادن باعتبارهما مورد رزقه!) يمكن أن يقال إن إسبوزيتو أصبح بدوره مصدر رزق كتّاب منظمة “مراقبة الجامعات”! فقد لاحقوه منذ إنشاء المنظمة، من دون أن يضرّه هذا شيئاً، وهو كان كما رأينا من الشجاعة بحيث لم يطرف له جفن تجاه تهم ممالأة من الإرهاب، ولم يتراجع عن أفعال لا يجرؤ عليها كثير من “الراديكاليين العرب”). تعرفت على البروفسور جون إسبوزيتو أول مرة في مؤتمر حول دراسات الإسلام في فيلادلفيا عام 1990. وكنت قبلها أعرفه عن بعد خصوصاً عبر تقريظه كتابي “ثورة الترابي” وكانت مراجعته من الأوائل، والأفضل (بعد مراجعة الصديق فرانسيس دينق). أصبحت بعدها لا أزور واشنطون العاصمة إلا ومررتُ عليه. وكان يدهشني بصلابته الفريدة في الدفاع عن قضية فلسطين وعن العرب والمسلمين عموماً. سعدت بعدها بلقاءات عديدة وتواصل مستمر مع الصديق جون، في مكتبه في واشنطن، وفي المؤتمرات، وفي اللقاءات الدورية لمراكز الوليد بن طلال، الذي كان مدير فرعه في واشنطن، بصفتي عضو المجلس الاستشاري لفرعه في إدنبرة سعدت كذلك باستضافته في جامعة وستمنستر وحديثاً في معهد الدوحة للدراسات العليا قبل عامين. وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كنا على موعد مع جون في فعالية تكريم من الجامعة الإسلامية في ماليزيا في كوالالمبور. ولكنه اعتذر بسبب وضعه الصحي. مع ذلك سعدنا برؤيته وسماع صوته من بعد على الشاشة. ولا أختم إلا بذكر واقعة أتحدث عنها لأول مرة، لأهميتها في توضيح شخصية جون. أذكر أنه اتصل بي مرّة (عام 2002 على الأرجح). وكانت تلك أول مرة وآخر مرة أسمعه غاضباً، قائلاً لي بدون مقدمات: ما بك أيها الرجل؟ هل أصبحت مثل صديقك فلان؟ وكان يعني ناشطاً عراقياً انحاز إلى الليبراليين الجدد ومالأهم في الحملة لغزو العراق. وكان قبل أن ينتقل إلى واشنطن يشاركنا في النقاشات حول الديمقراطية والإسلام. قلت له معاذ الله، إنما كنت استضفت السيدة المعنية في منزلي بلندن وجمعتها ببعض القيادات الإسلامية. وكان سبب الانزعاج عند جون أن كاتبة أميركية محسوبة على الليبراليين الجدد كتبت إهداء أحد كتبها باسمي. ولم أكن رأيت الكتاب عندها، إلا أن أحد الأصدقاء كان أرسل إلي صفحة الإهداء مصوّرة. وكنت قد راجعت بعض فصول الكتاب المذكور قبل نشره، ولا أذكر الآن إن كان هو أو كتاب آخر. وبالفعل كانت السيدة قد زارتني في منزلي في لندن عام 1992 لإجراء حوار حول الأوضاع في السودان. وكنت وقتها دبلوماسياً في السفارة السودانية في لندن. وطلبت مني تسهيل مقابلة الشيخ راشد الغنوشي، فرتبت لها اللقاء في بيتي أيضاً. وفي العام التالي، دعيت والصديق الراحل جمال خاشقجي وآخرين لمناقشة ورقة نشرتها في مجلة فورين أفيرز تدعو فيها الإدارة الأميركية إلى شن حرب شعواء على الإسلاميين وعدم إعطائهم أي فرصة على الساحة العامة، في الدول العربية خاصة. والسبب بحسب رأيها أن الإسلاميين أعداء لأميركا وأعداء لإسرائيل وأعداء للمرأة. ولهذا السبب يجب أن تتوقف أميركا عن ترويج الديمقراطية وتكتفي بترويج حقوق الإنسان. استمعنا إليها بصبر وهي تلخص ورقتها وعندما جاء دوري قلت لها: لنفرض أن ما تقولين صحيح، وأن إقصاء الحركات الإسلامية بل القضاء عليها تماماً هو القرار الصائب، فكيف يمكن تحقيقه؟ وحتى لا أتعبك بالتفكير، لدي نموذجان مجربان يمكن الاختيار بينهما، أو ما يقاربهما. التجربة السوفييتية التي عمدت مباشرة إلى تحريم كل نشاط ديني من عبادة وتعليم ديني وأغلقت المساجد والكنائس وغيرها ثلاثة أرباع القرن. ثم النموذج الفرنسي في الجزائر: استعمار وفرنسة هجومية استمرت مائة وثلاثين عاماً، أعقبتها تجربة وطنية علمانية لأربعين عاماً أخرى. وقد تلت كليهما “موجاتٌ” غير مسبوقة من الحراك الإسلامي. فأي الخيارين يعجبك، وهل نستطيع في هذه الأيام تطبيق أي من التجربتين؟ وهل لديك بديل آخر. في عام 1994، كنت في نيويورك مع الأسرة، فدعوناها إلى غداء في أحد مقاهي نيويورك. كانت هناك بعد ذلك مراسلات، وطلب منها لمراجعة بعض فصول كتابها. ثم انقطع الاتصال. ولم يكن بيني وبينها تواصل لا قبيل الإهداء ولا بعده. والشاهد في أن جون كان يضع نفسه في موقع متقدم علينا جميعاً في مقارعة أعداء الأمة. كتب أحد أصدقاء جون المقرّبين في نعيه إن أكثر العبارات التي كان يردّدها هي: إنا لله وإنا إليه راجعون. وبالمناسبة كان جون يرفض في الغالب الإجابة عن سؤال إن كان تحوّل إلى الإسلام، وإذا أجاب يقول إنه متمسك بمبادئه الكاثوليكية. ويتمسك كذلك بمبادئ العدالة عن والده الذي كان قائداً عمّالياً، ويضع في توقيعه على بريده الإلكتروني عبارة مقتبسة من الأسقف الراحل ديزموند توتو تقول: إن قناعتي هي أن الحياد في قضايا الظلم هو وقوف إلى جانب القهر والظلم. نسأل الله أن يجزي الأخ الصديق جون خير الجزاء على نضاله الجريء الشجاع في سبيل العدل والحق، وأن يكون رجوعه إلى مولاه رجوع قبول ومغفرة، فإنا نشهد أنه قد أبلى أحسن البلاء في الدفاع عن الإسلام وفلسطين وكل القضايا العادلة.