الخرطوم شوف عين (1)

بسم الله الرحمن الرحيم
محمد يوسف العركي

وأنا أخطو بشوق في أرجاء ذلك المطار العالمي البديع، مطار حمد الدولي، تمنيت لو طُويت لي المسافات لأجد نفسي مباشرة في مطار الخرطوم الدولي.

اكتملت الإجراءات، وجميعها إلكترونية وميسرة، ثم صعدنا إلى الطائرة. وكان طاقم شركة تاركو، كما عهدناه، مثالًا للتميز ولطف التعامل. ولعلهم لمحوا في ملامحي شوقًا طال به النوى إلى محبوبته، فأجلسوني في المقاعد الأمامية دون سابق معرفة أو ترتيب.

ومع إقلاع الطائرة، عاد إلى مخيلتي ذلك الشريط الحزين. استرجعت لحظات مغادرتي من الكلاكلة إلى أم درمان الثورة الحارة العاشرة، في رحلة امتدت اثنتي عشرة ساعة، كنت خلالها أقرب إلى الموت مني إلى الحياة، حين كانت المليشيا تبحث عن أشخاص بأسمائهم، لكن الله سبحانه وتعالى أعمى أبصارهم عنا.

ثم مرت أمامي ذكرى أخرى بعد أربعة أشهر قضيتها في كرري، الثورة الحارة العاشرة، بين مسجد مصعب بن عمير وأهله الكرام، وأبناء الحي الذين كانوا لنا، والله، كأنصار المدينة للمهاجرين. ومن هناك شاءت الأقدار أن أغادر السودان إلى الخارج، فتمثلت يومها بقول الشاعر العباسي محمد بن أحمد الغساني:

أَسْتَوْدِعُ اللَهَ في بَغْدَادَ لِي قَمَراً
بِالكَرْخِ مِنْ فَلَكِ الأَزْرَارِ مَطْلَعُهُ

وَدَّعْتُهُ وَبِوُدِّي أَنْ تُوَدِّعَني
رُوحُ الحَيَاةِ وَأَنِّي لا أُوَدِّعُهُ

وَكَمْ تَشَبَّثَ بِي يَوْمَ الرَّحِيلِ ضُحًى
وَأَدْمُعِي مُسْتَهِلَّاتٌ وَأَدْمُعُهُ

وَكَمْ تَشَفَّعَ فِي أَنْ لا أُفَارِقَهُ
وَلِلضَّرُورَةِ أَحْكَامٌ تُرَجِّحُهُ

كانت الشمس تبسط أشعتها الصباحية على الخرطوم كعروس تترقب عودة غائب طال انتظاره. وما هي إلا لحظات حتى هبطت الطائرة في مطار الخرطوم، المدينة التي استيقظت يومها ببركتها المعهودة وسكينتها المحببة.

وقفت بين مصدق ومكذب، ثم خررت ساجدًا لله حمدًا وشكرًا على أرض المطار.

كانت إجراءات الوصول سريعة ويسيرة، وبصدق المحب وشدة الشوق بدت لي صالة القادمين أوسع وأجمل من صالات مطارات العالم كافة.

ومن هناك بدأت رحلة أخرى؛ رحلة الدموع. فهذا مرزوق، وأباذر، ومزمل، ومحمد الفاتح، وأحمد كمال.

يا الله…

يا الله…

يا الله…

وصدق قيس بن الملوح حين قال:

وَقَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا
يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَلَّا تَلَاقِيَا

تَسَاقَطُ نَفْسِي حِينَ أَلْقَاكِ أَنْفُسًا
يُرِدْنَ فَمَا يَصْدُرْنَ إِلَّا صَوَادِيَا

تحركنا في شارع المطار، وكان السؤال:

أي طريق نسلك ليكون الوصول إلى البيت أسرع؟

فكانت إجابتي بلا تردد:

الطريق الذي يمر بمرطبات السلام في السجانة.

وهكذا كان أول ما تذوقته في رحلة العودة إلى الخرطوم كوبًا من الشاي باللبن في “مرطبات السلام”، ذلك المكان الذي لازم جزءًا عزيزًا من ذاكرتي منذ أيام الدراسة الثانوية بمدرسة الخرطوم الجديدة.

هناك أدركت أن بعض الأمكنة لا تقدم طعامًا أو شرابًا فحسب، بل تقدم جرعة مكثفة من العمر الجميل.

ونواصل إن شاء الله…

البريد الإلكتروني:
arakidoha@yahoo.com

Exit mobile version