بهذه المناسبة السفير والكلاب

عوض محمد الحسن
aelhassan@gmail.com

تحسرت على اختياراتي في مقتبل الصبا مرة أخرى وأنا اطالع ما نشرته صحيفة الديلي ميل البريطانية الأسبوع الماضي عن قرار للشرطة البريطانية يمنح الكلاب البوليسية عند تقاعدها معاشا يبلغ نحو 1500 جنيه استرليني في العام، (أي نحو 2400 دولار أمريكي، بواقع 200 دولار شهري، وهو ما يساوي نحو 1,540 جنيه سوداني)، وذلك لتغطية نفقات العلاج وتكاليف رعاية هذه الكلاب تقديرا لما قدمته من خدمات لحكومة جلالة الملكة. تذكرت حيرتي وأنا مُقبل على الدراسة الجامعية قبل نحو أربعة عقود حول نوع الدراسة (والمهنة مستقبلا) التي سأختارها، وقارنت معاش الكلب البوليسي ومعاشي، وندمت أشد الندم وأنا أقرأ خبر (الديلي ميل) على عدم انخراطي آنذاك في سلك الكلاب البوليسية البريطاني بدلا عن السلك الدبلوماسي السوداني!

يتقاضى الكلب البوليسي نحو 1500 جنيه سوداني شهريا، ولعله ،لا شك، يدّخر منها النصف بعد خصم استهلاكه الشهري من اللحم، وزيارات الطبيب البيطري، وتربية الجراء التي من صلبه (وصلب كلاب الحي الأخرى)، فقد كفاه الله مشقة دفع فواتير الماء والكهرباء والنفايات والصرف الصحي (ولا أذكر البنزين الذي هو دولة بين الأغنياء). ولعلّه يبدأ يومه، وهو يرفل في تقاعده، وفي تكريم الدولة له بالهتاف: عاشت جلالة الملكة!

لي صديق التحق بوزارة الخارجية عند تخرجه من جامعة الخرطوم عام 1970، يتحدث ثلاثة لغات، وقارئ نهم ومطلع. تدرج في سلم الخدمة وخدم في شتى بقاع الأرض، ثم تقاعد عام 2005 من أعلى درجة في الخدمة المدنية سفيرا كبيرا “6 شنكل” براتب تقاعدي/ معاش يبلغ 250 جنيها (مائتين وخمسون حتى لا تظن أن في الأمر خطأ مطبعي) كانت تُساوي حينها مائة دولار أمريكي، بلغ الآن 450 جنيها بعد الزيادات “المتلاحقة” (التي أسميت منحة، ولعلها مكرمة)، أي ما يساوي نحو 58 دولارا أمريكيا و44 سنتا بسعر اليوم في السوق الحر/الموازي!

ولمّا كنت في صباي بارعا في الرياضيات، أخضعت معادلة الكلب البريطاني المتقاعد مع السفير السوداني المتقاعد لمهارتي في الحساب، واكتشفت بعد جهد جهيد أن الكلب البوليسي البريطاني لمتقاعد من الخدمة يُساوي ثلاثة من السفراء المُتقاعدين (في تقدير بلده المادي لخدمته الطويلة وتفانيه، ولا أتحدث عن التقدير الأدبي)، وتحسرت مرة أخرى على خياراتي.

قرأت في الصحف السيارة هذا الأسبوع أن ليبيا وجيبوتي قد أعجبتا بتجربة ديوان الزكاة في السودان، وتريدان نقل التجربة وتطبيقها في بلديهما. والحق يُقال أن نظام الزكاة في السودان يستحق الإهتمام والدراسة، فقد أفلح ديوان الزكاة (بدعم معهد علوم الزكاة التابع له) في “تطوير” شروط ومصارف الزكاة الشرعية إلى آفاق رحبة جعلته يفرض الزكاة على المرتبات الشهربة للموظفين (على ضعفها وقلة حيلتها) دون الإلتزام ببلوغ النصاب وحلول الحول، ويفرض الزكاة على البرسيم (فاكهة الحمير)، وعلى المواد الخام قبل تصنيعها (إضافة إلى ضرائب الانتاج والتنمية وغيرها من المكوس بعد تصنيعها)، وعلى المغتربين في مهاجرهم دون الالتزام بنصاب ما وحلول الحول على الفائض، (رغم جفاف فرص الاغتراب وتدني الرواتب وارتفاع تكايف المعيشة في تلك البلدان) غير ان أبرز ما ابتُكر في شعيرة الزكاة هو تخصيص نصيب الأسد منها لمصرف العاملين عليها ومن والاهم بإحسان إلى يوم الدين!

بيد أن الإسهام الأكبر الذي ابتدعته حكومة الإنقاذ في مجال الإدارة والموارد البشرية هو هيكل الرواتب (والمعاشات) الفريد الذي يمنح بعضا من موظفي الحكومة مرتبات تبلغ نحو عشرة إلى ثلاثين ضعفا أو أكثر مقارنة بمرتبات (ومعاشات) الغالبية العظمى من موظفي الحكومة الآخرين، دون سبب مُقنع (أو غير مُقنع)، مع أن الجميع يأكلون نفس الطعام (البيتزا والهوت دوق)، ويغشون نفس الأسواق، ويتزوجون مثنى وثلاث ورباع (إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا)! وقد رشحت مؤخرا تفاصيل بعض عقود تعيين بعض المسؤولين في وظائف لا تتطلب التخصصات النادرة وقد بلغت رواتبهم في هذه العقود السرية (كما يشترط أحد بنودها) أكثر من ألف دولار، في حين يُنافح اتحاد عمال السودان لرفع الحد الأدني من الأجور إلى 450 جنيها (أي نحو 58 دولارا أمريكيا)!

استيقظ كل صباح وأتذكر أشجار المهوقني الباسقة على ضفاف النيل في الخرطوم التي زرعها البريطانيون، واتذكر النظام الإداري والمالي الذي تركوه لنا، ثم أتذكر الكلاب البوليسية البريطانية المتقاعدة، وحال متقاعدينا في خريف عمرهم، واغالب نفسي كيلا أهتف ملء رئتيّ:
“تعيش جلالة الملكة!”
“عاش الإستعمار!”

Exit mobile version