خالد محمد أحمد
تابعتُ السجال المحتدم على الوسائط بين مؤيِّدٍ ومعارِضٍ للحفاوة التي استُقبِل بها العائد النور أحمد آدم، الشهير بالنور القُبَّة، عقب انشقاقه عن مليشيا الدعم السريع واصطفافه إلى جانب القوات المسلحة؛ فهناك من اعترض على مبدأ الاستقبال في حدِّ ذاته، وهناك من رحَّب به من حيث المبدأ، لكنه انتقد مظاهر الحفاوة باعتبارها لم تُراعِ شعور الناس بالغبن وما تراكم لديهم من ألمٍ على نحو ما حدث في حالة أبو عاقلة كيكل.
ويبدو أن البرهان قد قصد المبالغة في إظهار الترحيب، وخاصةً من خلال رمزيَّة إهدائه سيارته الرئاسية للقُبَّة، وهي خطوةٌ تحمل في طيَّاتها رسالةً إلى العالم بانفتاحه على السلام، وإلى القادة الآخرين في التمرُّد مفادها أنْ هَلُمُّوا فالأبواب ما زالت مفتوحةً للعودة، والفرصة قائمة لنيل نصيبٍ من الكعكة، مع ما قد يصاحب ذلك من احتمالات الإفلات من المحاسبة فيما يتعلَّق بالحقِّ العام في ظلِّ ترتيباتٍ وتوافقاتٍ سياسيةٍ محتملة.
على كلِّ حال، أرى أن قبول العودة سليمٌ من حيث المبدأ، ويشكِّل خطوةً إلى الأمام اتساقًا مع الدعوات الرسمية التي ما فتئت تُعلن فتح باب التوبة للعائدين، كما أن الجنوح إلى السِّلم يظلُّ من خصائص الفطرة السليمة.
وقد أشَرتُ في مقالاتٍ سابقة إلى أنه لا سبيل في النهاية إلَّا النهج التصالحي، كما في مقالتي المعنونة (آن أوان الاستفاقة: نداء صادق إلى “حواضن الجنجويد”).
ويزخر التاريخ السياسي السوداني بأسماءٍ كانت في خانة الخصومة أو التمرُّد، ثم ما لبثت أنْ وجدت طريقها إلى السلطة أو إلى قلب المشهد عبر تسوياتٍ سياسية.
الأمثلة على هذا النمط كثيرةٌ وثابتة المعالم تبدأ بحمل السلاح أو المعارضة من الخارج، ثم الدخول في مسار التفاوض، فالعودة إلى السلطة بشكلٍ أو بآخر، وأحيانًا الانزلاق مُجدَّدًا إلى مربَّع التمرُّد. وتتنوَّع الشواهد على ذلك لتشمل قادةَ حركاتٍ مسلحة وأحزابٍ سياسية، مثل الدكتور جون قرنق، ومني أركو مناوي، ومالك عقار، وجبريل إبراهيم، وموسى محمد أحمد، وأخيرًا وليس آخرًا كيكل.
تعكس هذه الدورة توازنات القوة ومصالح اللحظة؛ غير أن التاريخ يبيِّن هشاشة هذا النمط من العودة لافتقاره إلى مقوِّمات الاستمرار، إذْ سرعان ما يتآكل لأنه يقوم على تسوياتٍ مرحلية لا تمسُّ جذور الأزمة؛ فالحكومات تتحرَّك عادةً تحت ضغط الضرورات الداخلية والخارجية، فتسعى إلى استيعاب المعارضين عبر سياسة الاحتواء بتشجيع العودة، ثم ما تلبث أن تقلِّص نفوذهم وصلاحياتهم تدريجيًا قبل أن “تحرقهم” بتقديمهم كواجهةٍ تُحمَّل لاحقًا كُلفة الفشل أمام الجمهور. وفي الضفَّة الأخرى، تدفع شهوة السلطة بعض المعارضين إلى تخفيض سقف شعاراتهم أملًا في اختراق بنية الحكم وخلخلتها من الداخل.
السيناريو المرجَّح الآن هو استمرار هذه الحلقة المفرغة؛ إذْ يبدو أن البرهان يسعى تحت ضغط التوازنات الداخلية والخارجية إلى فتح مسارات تسويةٍ جديدة تحسُّبًا لتزايد الضغوط الدولية لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وخاصةً مع اقتراب إدارة ترمب من طيِّ صفحة إيران، وتفرُّغها لملفَّاتٍ إقليمية أخرى، وعلى رأسها السودان.
وبما أن غاية الحاكم غالبًا ما تتمثَّل في تثبيت أركان سلطته وإطالة أمدها عبر سياسة الاستيعاب، وبما أن عينَ المعارض تتطلَّع دائمًا إلى إضعافه أو إزاحته حينما تتهيَّأ الظروف، فإن النتيجة غالبًا ما تكون إعادة إنتاج الممارسات القديمة ذاتها. وحَسْبُنا في ذلك تجربة “الإنقاذ” مع معارضيها؛ إذْ رُوِي عن مسؤولٍ بارز في عهدها حين سأله معارضٌ معروف عن عائدات البترول أنه أجابه بامتعاضٍ بأن الحكومة “تشتري بها ذِمم أمثاله”. ويُستحضَر هنا أيضًا ما ذكره الراحل جوزيف لاقو، إذْ قال في لقاءٍ تلفزيوني إنه عاد بموجب اتفاقية 1972 ليجد الطاولة في مكتبه بالقصر الجمهوري “نظيفةً” كنايةً عن تفريغ المشاركة من مضمونها وتحويلها إلى مجرَّد واجهةٍ شكليَّة.
أما وجه الاختلاف هذه المرَّة، فإن المدنيين سيواجهون عقبتين كؤودين؛ أولاهما تتعلَّق بإعادة ترميم صورتهم أمام الناس، وتسكين غضبهم، وتكفُّف رضاهم أعطوهم أو منعوهم بعد أن كانوا قد دخلوا المشهد عقب الثورة بثقل الشرعية الثورية وصحيفةٍ بيضاء لم تشُبها شائبةٌ؛ غير أنهم لم يُحسِنوا إدارة تلك اللحظة، ولم يدَّخروا من حاضرهم لغدهم، فاستبدَّ بهم الإعجاب بالذات واستعلاء الخطاب، فأضاعوا برعونةٍ فرصةً تاريخية نادرة واتتهم لتثبيت أقدامهم في الحكم، ثم جاءت الطامَّة الكبرى بتحالفهم مع الجنجويد في الحرب، فدنَّسوا بذلك صفحتهم، وما دروا أنهم كانوا بذلك ينسجون الحبل حول أعناقهم بأيديهم.
أمَّا التحدٍّي الثاني، فيتمثَّل في احتمال عودتهم في موقع ضعفٍ، في مقابل حضورٍ متعاظم للجيش في نظر قطاعاتٍ واسعة من الجمهور رغم ما يُؤخَذ عليه من مثالب. كما أنهم سيعودون في ظلٍّ وهَن حليفهم العسكري، وهو ما قد يُضيِّق من حيِّز حركتهم، ويحدُّ من قدرتهم على المناورة، على خلاف ما كان عليه الحال في أعقاب الثورة.
فيما يتعلَّق بالجيش والبرهان، فإن الاختلاف هذه المرَّة يتمثَّل في دخول عامل الجمهور طرفًا مباشرًا في المعادلة، لا مجرَّد متفرِّجٍ كما كان في السابق؛ إذْ تأثَّر المواطنون في مركز الدولة على نحوٍ مباشر بتجربة الحرب وما صاحبها من انتهاكاتٍ، وهو ما يجعل أيَّ تسويةٍ سياسية مرهونةً باختبار الشارع ودرجة قبوله أو رفضه لها.
ويبدو أن البرهان قد شرع بالفعل في استمزاج الرأي العام قبل الإقدام على أيِّ تفاهماتٍ شاملة من خلال تسويق خطوات المصالحة على نحوٍ تدريجي ومحسوب؛ إذْ إن تمريرها دفعةً واحدة قد يترتَّب عليه كُلفةٌ سياسية وشخصية باهظة في ظلِّ حالة الاستقطاب الراهنة. وفي هذا الصدد، تُتداول أخبارٌ غير مؤكَّدة عن قرب عودة مجموعةٍ من المدنيين، يتقدَّمهم السفير السابق نور الدين ساتي، في ما يبدو أنه جزءٌ من عملية جسِّ نبض الشارع وتهيئة المناخ لتوسيع دائرة التصالح.
ومن الواضح أن البرهان يمضي في اتجاه إعادة تشكيل موقعه السياسي بما يجعله أقرب إلى نموذجٍ يُشبه جعفر نميري، وإنْ اختلف السياق وتغيَّرت الظروف، من خلال السعي إلى بناء قاعدةٍ هجينةٍ من التحالفات المؤيِّدة له تجمع بين أطرافٍ متباينة المصالح تحت مظلَّةٍ واحدة.
ومن المحتمل أن يكون هذا المسار مقبولًا، بل وربما مُفضَّلًا لدى بعض الدوائر الإقليمية باعتباره خيارًا يضمن قدرًا من الاستقرار، ويحدُّ من احتمالات الانزلاق نحو الفوضى، ويُقدِّم بديلًا عمليًّا عن صعود ضابطٍ مؤدلج، أو انفتاحٍ سريع على حُمَّى شعارات الحرية والديمقراطية غير المرحَّب بانتشارها في المنطقة.
في تقديري أن عودة النور القُبَّة خطوةٌ إيجابية بكلِّ المقاييس، لأنها تفتح ولو جزئيًا كُوَّةً في جدار هذه الحرب، وتُؤكِّد إمكانية الانتقال من منطق السلاح إلى مسار التسوية، وأن سبُل العودة ما زالت متاحةً إلَّا لمن أبَى، وأن دورة العنف ليست قدَرًا محتومًا إذا ما توفَّرت الإرادة السياسية، فالحربُ غشومٌ، وهي صعبةٌ مُرَّة، والصُلح أمنٌ ومَسرَّة. غير أن هذه الإيجابية، على أهميتها، لا تعفي من التساؤل عمَّا إذا كانت العودة هذه المرَّة ستفضي إلى مسارٍ مختلف يطوي صفحة الحرب ويُؤسِّس لتسويةٍ مستدامة، أم أننا أمام إعادة إنتاجٍ للمشهد بوجوهٍ جديدة وسيناريو لا يُغيِّر بنية الحبكة.