رأي

عودة المؤسسة الوطنية للنفط… وأرامكو: كلاكيت للمرة الألف!

فيما ارى
عادل الباز
1
إن أكثر خبرٍ مفرحٍ سمعته قبل أيام هو عودة المؤسسة الوطنية للنفط، بعد أن أجازت وزارة العدل قانونها. وهو قرار سليم؛ لأنه يعصف بممالك الفساد في القطاع وينهي عهد الفوضى.
2
لقد أثبتت وزارة الطاقة أنها ليست أكثر من مسرح كبير لممارسة الفوضى، إضافة إلى كونها حاضنةً للفساد بامتياز؛ عجزت كل الجهود عن إصلاح إدارتها أو سياساتها المعطوبة. لقد بَحَّ صوتنا ونحن ننادي سيادة الوزير، عبر الاتصال المباشر وعبر عشرات المقالات، أن تتجه الوزارة إلى إصلاح قطاع الطاقة بإغلاق بؤر الفساد، وطوابير السماسرة الطويلة، ومافيا النفط. ولكن السيد الوزير لا يريد أن يسمع إلا صدى صوته، إلى أن وصلنا الآن إلى الدرك الأسفل.
لم نطلب من الوزير اختراع العجلة؛ إذ إن التجارب في قطاع النفط في الدول الأفريقية القريبة متوفرة بكثرة، وكلها تجارب أدت، في نهاياتها، إلى استقرار عملية استيراد وتوزيع النفط بأقل تكلفة وأقل جهد، مع استقرار طويل لسعر الصرف.ولننظر في تجربتين إقليميتين:
* تجربة كينيا : لم تكن اتفاقية ثنائية مع أرامكو وحدها، بل إطارًا حكوميًا للتوريد مع أرامكو تريدنغ الفجيرة وأدنوك وإينوك. وقد منح الاتفاق كينيا آجالًا ائتمانية تصل إلى 180 يومًا، وخفف الطلب الفوري على الدولار الذي كان يقارب 500 مليون دولار شهريًا. والعبرة هنا ليست في اسم الشركة وحده، بل في قدرة الدولة على التفاوض الجماعي، وتوحيد الطلب، واستخدام التمويل التجاري المنظم لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي.
* تجربة أوغندا: أسندت أوغندا دور الاستيراد المركزي لشركتها الوطنية، UNOC، ضمن شراكة توريد وتمويل مع فيتول، وبدأ التطبيق الفعلي في يوليو 2024. وحقق نشاط استيراد وبيع الوقود بالجملة صافي ربح يقارب 150 مليون دولار، إلى جانب تحسين انتظام الإمدادات واستقرار نسبي في الأسعار. وهذه التجربة تؤكد أن المؤسسة الوطنية يمكن أن تتحول، إذا أُديرت بكفاءة، من عبء بيروقراطي إلى أداة لتأمين الإمداد وتحقيق عائد للدولة.
كلا النموذجين أثبت أن الحل يكمن في سحب الاستيراد من أيدي الشركات الخاصة والمضاربين، وإسناده إلى آليات تسيطر عليها الدولة. والسودان، الذي يواجه عدوانًا خارجيًا مسلحًا وحربًا اقتصادية تستخدم فيها كافة الأدوات، بما في ذلك النفط والبنوك والعملات المزيفة، يهمه جدًا أن تسيطر الدولة على أهم سلعة استراتيجية.
فالعالم كله يتدخل لحماية اقتصاده من تغوّل التقلبات السياسية والاقتصادية والجغرافية. حتى الولايات المتحدة بدأت تفرج عن ملايين البراميل من احتياطياتها النفطية للسيطرة على أسعار الديزل، وبالتالي على أسعار الفائدة والتضخم وغير ذلك.
ليس هناك دولة تضع أهم سلعة استراتيجية، يتأثر بها المجهود الحربي والقطاع الزراعي وقطاع الكهرباء وسائر القطاعات الحيوية، في يد سماسرة ومافيات متنوعة، إلا إذا كانت في غيبوبة، كدولتنا هذه. كل الدول حولنا لجأت إلى تعاقدات طويلة الأجل مع الدول والشركات الكبرى ونالت امتيازات شتى.
وكانت هذه الامتيازات معروضة علينا منذ عام 2022، حين تقدمت شركة أرامكو السعودية إلى وزارة النفط وقتها بطلب لمعاودة نشاطها في السودان على أسس تجارية. لكن مافيا البترول، التي تتربح من الفساد منذ ذلك الوقت وحتى الآن، رفضت حتى أن ترد على عرض أرامكو.
وفي 28 أبريل 2026، نشر موقع الطاقة الأمريكي خبرًا مفاده:
«السودان يدرس عرضًا مقدمًا من شركة أرامكو السعودية لتوريد الوقود، في خطوة قد تعزز استقرار الإمدادات وتدعم قطاع الطاقة، الذي يواجه تحديات تمويلية وتشغيلية خلال الفترة الأخيرة».
وأضافت المنصة أن العرض المقدم من عملاقة النفط السعودية ما يزال قيد الدراسة لدى الجهات المختصة، في إطار تفاهمات أولية تتناول جوانب الإمداد بالمنتجات النفطية.
وتصوروا: البلاد تحاصرها الأزمات، ولا تزال الوزارة تدرس عرضًا من أرامكو! عرض يضمن استقرار الإمدادات بعيدًا عن تقلبات السوق المحلية ومكائد مافيا البترول. عرض يمثل انتقالًا سلسًا من «اقتصاد الصفقات» المكلف، الذي تتحكم فيه شبكات المصالح والفساد، إلى «اقتصاد الإمداد المستقر»، بما يعني تثبيت عامل حيوي للاقتصاد الكلي.
والمطلوب ليس احتكارًا مغلقًا، ولا استبدال مجموعة سماسرة فقط ، بل نموذج استيراد مركزي منضبط: تعاقدات طويلة الأجل مع أكثر من مورد عالمي مؤهل، وآلية تسعير معلنة مرتبطة بالمؤشرات الدولية، وتمويل مؤجل بضمانات واضحة، مع الإبقاء على دور الشركات المحلية في التوزيع والتخزين والخدمات وفق منافسة شفافة. ويمنح الدولة قوة تفاوضية أكبر وقدرة أفضل على تأمين احتياجاتها.
إن الفشل في إتمام الصفقة هو منح مزيد من الوقت لهذه المافيا لممارسة نفوذها وتقويض الاستقرار الاقتصادي. وهي جزء من خطة حرب استنزاف للاقتصاد يقوم بها جنجويد قطاع البترول، الذين يشفشفون ملايين الدولارات من دم الشعب في كل باخرة، والوزارة تعلم وتتفرج، بل وتساعد!
ترفض الوزارة الإسراع بالاتفاق مع أرامكو، بينما تمنح عشرات الأذونات للشركات كي تستورد البواخر التي تصطف في صف طويل ولأزمنة طويلة. فيدفع بنك السودان تكاليف الباخرة بالعملات الحرة، إضافة إلى سداد رسوم التأخير عن كل باخرة، بواقع 50 ألف دولار يوميًا.
في الأسبوع الماضي، قال لي أحد المستوردين إن بنك السودان سدد رسوم باخرة له متأخرة لمدة خمسة أشهر؛ أي إن البنك سدد 7.5 ملايين دولار، نعم، سبعة ملايين وخمسمائة ألف دولار، رسوم تأخير، إضافة إلى سعر الباخرة. وكل هذه التكلفة يتحملها المواطن!
وهذه ممارسة مستمرة مع عشرات الشركات، وكلها خسائر ناتجة عن كوارث وزارة الطاقة وسياساتها الإجرامية الخربة. كان يمكن تجنب كل ذلك لو حصلت وزارة الطاقة على اتفاقية طويلة الأجل مع أرامكو، أو مع شركات كبرى مثل ترافيجورا أو فيتول وغيرها. لكنها لا تفعل بسبب وقوعها في أسر المافيا وسماسرة الوقود.
ولا يكفي إعلان عودة المؤسسة الوطنية للنفط ما لم تُبنَ على قواعد حوكمة صارمة: مجلس إدارة مهني ومستقل، ونشر دوري لكميات الاستيراد وتكلفتها وأسعار البيع، وإعلان العطاءات والعقود وشروط التمويل، ومراجعة مستقلة لفواتير الشحن والتأمين ورسوم التأخير. فالمؤسسة الوطنية لا ينبغي أن تكون مجرد تغيير للاسم أو نقل للصلاحيات، بل أداة لاسترداد القرار الاقتصادي وحماية المال العام.
إن عودة المؤسسة الوطنية للنفط إلى العمل من شأنها أن تنهي هذه الفوضى. وكانت عودتها أحد شروط أرامكو للتعامل مع مؤسسة ذات خبرة في إدارة ملف الطاقة، وذات سمعة ممتازة في قطاع الطاقة العالمي.
يمكن للمؤسسة الوطنية للنفط أن تسيطر على فوضى هذا القطاع إذا تولى إدارتها أكفاء يعرفون تاريخ القطاع والسوق العالمي، ولا تغيب عنهم ألاعيب السماسرة ومكائد المافيا. وأخشى من مؤامرات هذه الجهات على تأسيس المؤسسة واستمرارها.
أرجو أن يتمكن سعادة الفريق الكباشي، الذي يشرف حاليًا على القطاع، من مراقبة تحركات المافيا التي تمارس الإرهاب في هذا القطاع، وأن يمنع تآمرها على المؤسسة، وأن يدفع نحو إتمام صفقة أرامكو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى