رأي

عبد الوهاب الأفندي: ماذا يعني “أن تكون سودانياً”

كتب

أحمد إبراهيم أبو شوك

18 اغسطس 2026

غلاف الكتاب

ينتمي كتاب عبد الوهاب الأفندي “أن تكون سودانياً: تجليات تاسيتي أرض الأقواس في فضاءات الحداثة” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2026) إلى حقل الدراسات التاريخية والفكرية المعنية بإشكالية الهوية السودانية؛ غير أنه لا يتعامل مع الهوية بوصفها تعريفاً ثابتاً أو جوهراً مكتملاً ينبغي اكتشافه، ولا يحصرها في الثنائية التقليدية التي تختزل السؤال في: هل السودان عربي أم أفريقي؟ بل يتجاوز هذا الطرح إلى إعادة بناء المسار التاريخي الذي تشكّلت عبره الهوية السودانية، والكشف عن آليات الاستمرار والتحول والتفاعل التي أسهمت في صوغها عبر مراحل تاريخية متعاقبة. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه محاولة للإجابة عن سؤال أكثر عمقاً وتعقيداً من مجرد تحديد الانتماء العرقي أو الثقافي، وهو: ماذا يعني أن تكون سودانياً؟ وكيف تشكل هذا المعنى تاريخياً؟ ويمثل هذا السؤال محور الفرضية التي ينطلق منها المؤلف؛ إذ يسعى إلى تتبع الكيفية التي تبلورت بها ملامح الهوية السودانية المعاصرة، على الرغم من حداثة السودان بوصفه كياناً سياسياً مركزياً، أخذ يتشكل في صورته الحديثة منذ الغزو التركي – المصري للسودان النيلي وكردفان عام 1820. ومن ثم لا يفترض الكتاب وجود هوية سودانية ثابتة منذ البداية، بل يتعامل معها باعتبارها حصيلة عملية تاريخية تراكمية أعادت من خلالها المجتمعات السودانية استيعاب المؤثرات السياسية والدينية والثقافية الخارجية وإعادة إنتاجها في سياقات محلية.

وانطلاقاً من هذا التصور، يعتمد الأفندي في عرضه وتحليله على مجموعة من المقاطع الزمنية المنتقاة (snapshots)، التي تكشف تجليات الهوية في مراحل تاريخية متداخلة، مستعيناً بسير عدد من الشخصيات التي اضطلعت بأدوار مؤثرة في تاريخ السودان. وتتيح هذه المقاربة الانتقال من السرد التاريخي الخطّي إلى قراءة تحليلية، تتخذ من الشخصيات والأحداث والنصوص نوافذ لفهم التحولات التي طرأت على مفهوم الهوية السودانية، وعلاقات الاستمرارية والانقطاع بين حقبها المختلفة. وبذلك تصبح الهوية في الكتاب عملية تلاقح تاريخية مستدامة، لا معطى نهائياً؛ تتشكل من خلال التفاعل بين الموروثات المحلية والمؤثرات الوافدة، وبين التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدها السودان عبر تاريخه.

الكتاب أقرب إلى تاريخٍ تحليلي للوعي السوداني بذاته

أطروحة الكتاب المركزية

تقوم الأطروحة المركزية للكتاب على أن الهوية السودانية ليست بناءً حديثاً نشأ مع الدولة الاستعمارية، وليست هوية نقية أحادية الأصل، وإنما هي حصيلة عملية تاريخية ممتدة، اتسمت بالاستمرارية والقدرة على استيعاب المؤثرات الخارجية وإعادة تشكيلها وإنتاجها محلياً. وفي هذا الجانب، تتقاطع فرضية المؤلف مع أطروحات ويليام آدامز وجي سبولدينغ، اللذين يميلان بدرجات مختلفة إلى تفسير التحولات التاريخية في السودان من منظور الاستمرارية الثقافية والاجتماعية، بدلاً من تفسيرها بالقطيعة التاريخية أو الإحلال السكاني. ويشير الكتاب، في هذا السياق، إلى أن آدامز رجّح، استناداً إلى دراساته لتاريخ النوبة، استمرارية البنية السكانية والثقافية، بينما ربط سبولدينغ تحولات الهوية في سلطنة الفونج بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية أكثر من ارتباطها بالهجرات الواسعة. ويصوغ الأفندي فرضيته بوضوح حين يرى أن الهوية السودانية ظلت تتطور بصورة ديناميكية ضمن إطار من الاستمرارية، وأن المجتمع السوداني امتلك قدرة كبيرة على استيعاب التأثيرات الخارجية مع المحافظة على قدر معتبر من الاستقلال الذاتي؛ بل يذهب إلى أن تأثير العوامل الداخلية في عملية تشكل الهوية كان، في كثير من الأحيان، أقوى من تأثير العوامل الوافدة. وهنا يتفق المؤلف مع يوسف فضل حسن، الذي يرى أن السودان لم يكن “مجرد جسرٍ”، عبرت عليه الثقافة العربية والإسلامية إلى أفريقيا، بل كانت له شخصيته التاريخية المتميزة، التي تأثرت القبائل العربية الوافدة ببعض عاداتها وتقاليدها، وأضحت جزءاً من مميزات الشخصية السودانية الخلاسية. وعليه فإن الهوية السودانية لم تكن هوّية صماء غير قابلةٍ للاختراق، أو التأثير والتأثر؛ بل دينامية تخضع لحركتي الزمان والمكان، ودور الإنسان المتفاعل إيجاباً وسلباً مع قيمه المحلية والقيم الوافدة إليه من الخارج، بدون أن يكون مجرد جسر عبور، بل بوتقة استمرار واستيعاب دائمين. وتعضد أطروحة حسن الموثقة في كتابه “العرب والسودان” (1967) ما ذهب إليه الأفندي بأن الاستمرارية لا تعني ثبات الهوية أو جمودها، كما لا يعني التحول حدوث قطيعة كاملة مع الماضي؛ بل يشير المفهومان معاً إلى قدرة المجتمع على استيعاب عناصر جديدة وإعادة توطينها ضمن بنيته الثقافية والاجتماعية القائمة. وتكمن الأهمية التحليلية لهذه الفرضية في أنها تنقل النقاش من البحث عن “أصل الهوية” إلى دراسة “عملية تشكُّل الهوية”. فالفرق بين المنظورين جوهري؛ إذ يفترض الأول إمكانية رد الهوية السودانية إلى أصل عرقي أو ثقافي محدد وثابت، بينما يتعامل الثاني معها بوصفها نتاجاً تاريخياً تراكمياً، تشكل عبر التفاعل بين الموروثات المحلية، والمؤثرات الوافدة، والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبذلك يصبح مفهوم “الاستمرارية في ظل التحول” أحد أهم المفاتيح التحليلية لقراءة كتاب “أن تكون سودانياً”؛ لأنه يفسر كيف استطاعت الهوية السودانية أن تتغير عبر الحقب التاريخية من دون أن تفقد جميع عناصر استمراريتها، وكيف استوعبت المؤثرات الخارجية، وأعادت إنتاجها محلياً، لتصبح جزءاً من نسيجها الداخلي.

منهج الكتاب

يمكن وصف منهج الكتاب بأنه منهج تاريخي-تحليلي ذو طبيعة انتقائية. فهو لا يقدم تاريخاً شاملاً لكل الجماعات والأقاليم السودانية، وإنما ينتقي ما يسميه المؤلف “مقاطع وقتية” من التاريخ، ثم يستخدم الشخصيات والنصوص والأحداث بوصفها حالات كاشفة لتحولات الهوية. ويجمع هذا المنهج بين: التاريخ الفكري، من خلال تتبع الأفكار والخطابات المتعلقة بالهوية؛ والتاريخ الثقافي، عبر الشعر والمديح واللغة والتصوف؛ والسيرة التاريخية، عبر شخصيات مختارة؛ والتاريخ السياسي، من خلال المهدية والاستعمار والحركة الوطنية والحروب؛ فضلاً عن التحليل النظري للهوية والاستفادة من أدبيات الجماعات المتخيلة والبنائية والاستمرارية التاريخية. وهذه التركيبة تجعل الكتاب أقرب إلى تاريخ تحليلي للوعي السوداني بذاته منه إلى تاريخ سياسي تقليدي للسودان.

استوعب السودان المؤثرات المصرية والعربية والإسلامية وفق شروطه

أهمية الكتاب وأسئلة مفتوحة للنقاش

يقدم الكتاب قراءة واسعة وطموحة لتاريخ الهوية السودانية، تنطلق من حضارة تاسيتي قبل نحو خمسة آلاف عام، وتمر بسنار والتصوف والمهدية والاستعمار والحركة الوطنية، وصولاً إلى سجالات الهوية في العصر الحديث. وتكمن أصالة هذه القراءة في النظر إلى الهوية السودانية بوصفها عملية تاريخية مفتوحة ومتجددة، لا كياناً ثابتاً ومكتملاً، وفي التعامل مع التنوع والتداخل والتفاعل باعتبارها عناصر أساسية في تكوين الهوية، وليست بالضرورة مؤشرات على أزمتها. ولذلك لا يقدم الكتاب تعريفاً جاهزاً لما يعنيه أن يكون المرء سودانياً، بقدر ما يدعو إلى فهم السودانية بوصفها خبرة تاريخية مركبة، تشكلت عبر التفاعل المستمر بين عناصر الاستمرارية والتحول.

وتُبعد هذه المقاربة الكتاب عن التفسيرات الأحادية للهوية، سواء أكانت عربية أم أفريقية، وتنقل مركز الاهتمام إلى العمليات التاريخية التي أتاحت لمكونات متعددة أن تتفاعل وتتداخل وتعيد تشكيل بعضها بعضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى