رأي

صوت الصمت

روح متجددة

بقلم: عصماء عاصم

ليس كل صامتٍ فارغًا من الكلام، كما أن كل متكلمٍ ليس ممتلئًا بالمعنى.

فثمة صامتون، لو فُتحت أبواب أفكارهم، لأدركت أن الصمت عندهم ليس غيابًا للصوت، بل ازدحامٌ من نوع آخر؛ ضجيجٌ داخلي لا يسمعه إلا صاحبه.

الصمت عند بعض الناس راحة، وعند آخرين تأمل، وعند فريقٍ ثالث موقفٌ كامل لا يحتاج إلى ترجمة.

ولذلك ربما كان أكثر ما يُساء فهمه في الإنسان هو صمته.

فمن يألف الكلام ينظر إلى الصامت وكأنه لا يملك ما يقول، بينما ينظر الصامت إلى كثرة الكلام من زاوية أخرى؛ فيتساءل كيف يمكن لكل هذا أن يُقال، ولا يكون وراءه من المعنى إلا القليل.

وبين النظرتين مسافة واسعة.

نحن نعيش في زمنٍ أصبح فيه الكلام سهلًا إلى حدٍّ يفقد معه الكلام قيمته. كل شيء قابل للتعليق، وكل موقف يستدعي رأيًا، وكل صمت يحتاج إلى تفسير. حتى من اختار أن يحتفظ ببعض أفكاره لنفسه، قد يُسأل: لماذا أنت صامت؟

كأن الكلام أصبح واجبًا، والصمت أمرًا يحتاج إلى تبرير.

مع أن الصمت، في بعض اللحظات، ليس نقصًا في القدرة على الرد، بل قدرةٌ على الإمساك بالرد.

أن تستطيع أن تقول، ثم تختار ألا تقول؛ لأن المقام لا يستحق، أو لأن الكلام لن يغيّر شيئًا، أو لأنك تعرف أن بعض النقاشات لا تنتهي إلى فهم، وإنما إلى مزيد من الكلام.

وهنا يكون الصمت نجاة.

ليس كل ما يقال يحتاج إلى جواب، وليس كل استفزاز يستحق أن تمنحه من هدوئك شيئًا. أحيانًا يكون أعقل ما يفعله الإنسان أن ينسحب من حديثٍ لا يشبهه، قبل أن يجد نفسه يقول ما لا يليق به.

فاللسان، حين ينفلت، لا يسترد كلماته.

وربما لهذا جاء التوجيه النبوي واضحًا: «فليقل خيرًا أو ليصمت»؛ فليس الصمت دعوةً إلى السكوت عن الحق، وإنما تذكيرٌ بأن للكلمة ميزانًا، وأن الكلام مسؤولية بقدر ما هو وسيلة.

وهذا ما يجعل الصمت مختلفًا عن العجز.

فثمة صمتٌ يأتي لأن صاحبه لا يملك ما يقول، وصمتٌ آخر يأتي لأنه يملك الكثير، لكنه يعرف أن ليس كل ما يعرفه يُقال، وليس كل ما يشعر به يُعرض، وليس كل ما يستطيع الرد عليه يستحق أن يرد عليه.

والصامت الحقيقي لا يكون خاليًا من الصوت؛ ربما كان أكثر الناس إصغاءً.

يصغي إلى ما بين الكلمات، إلى النبرة حين تتغير، إلى النظرة حين تخون صاحبها، وإلى الأشياء التي لا تجد طريقها إلى اللسان.

ولهذا قد يعرف الصامت عن مجلسٍ كامل أكثر مما يعرفه المتحدثون عنه.

فالكلام يكشف صاحبه أحيانًا أكثر مما يقصد، وكلما طال الحديث، ظهرت منه أشياء لم يكن ينوي إظهارها. أما الصمت فيترك مساحةً للتأمل، ويمنح صاحبه فرصة أن يرى قبل أن يحكم، وأن يفهم قبل أن يجيب.

وللصمت هيبة لا يصنعها ارتفاع الصوت.

ليس لأن الصامت أعلى شأنًا من غيره، ولكن لأنه لا يضع نفسه في كل حديث، ولا يهب كلماته لكل مقام. وحين يقل الكلام، يصبح للكلمة وزنها، ويصبح حضورها مختلفًا حين تأتي.

حتى الكون من حولنا يعلّمنا شيئًا عن ذلك.

السماء لا تشرح اتساعها، والليل لا يروي أسراره، والنجوم لا تحتاج إلى حديث كي تترك في النفس أثرًا. أشياء كثيرة عظيمة في هذا الوجود لا تتكلم، ومع ذلك تقول لنا ما تعجز عنه صفحات طويلة من الكلام.

وربما لهذا كان الصمت لغةً جوهرية؛ لغة لا تحتاج دائمًا إلى حروف.

قد يكون في نظرةٍ صامتة ما لا تقوله محادثة كاملة، وقد يكون في الانسحاب من بعض المواقف ردٌّ أبلغ من الجدال، وقد يكون في عدم الدخول في كل معركة حفظٌ لشيء ثمين في الإنسان: هدوئه.

لكن الصمت ليس فضيلةً في كل موضع.

هناك صمتٌ يحفظ الكرامة، وصمتٌ يهدرها. وصمتٌ يمنح الإنسان فرصة ليراجع نفسه، وصمتٌ يتحول إلى خوف. وهناك صمتٌ أمام الإساءة يحفظ النفس من الانحدار إلى ما لا يشبهها، وصمتٌ أمام الظلم قد يصبح تخليًا عن الحق.

لذلك ليست المسألة في أن نصمت دائمًا، وإنما أن نعرف متى يكون الكلام ضرورة، ومتى يكون الصمت حكمة.

وقد يكون أقسى أنواع الصمت ذلك الذي يسكن بعض الأحياء؛ أولئك الذين تعلّموا كتمان كل شيء حتى لم يعودوا يعرفون كيف يقولون إنهم متعبون، أو إنهم تأذوا، أو إنهم يحتاجون إلى كلمة.

ذلك ليس صمتًا من امتلاء، وإنما صمتٌ أثقلته الحياة.

وربما كان أقرب إلى لغة الأموات التي أتقنها بعض الأحياء؛ حين يصبح الإنسان حاضرًا بجسده، بينما تظل أشياء كثيرة في داخله مدفونة لا تجد طريقها إلى النور.

لذلك، لا أظن أن الصمت يعني أن نغلق أبوابنا عن العالم، ولا أن نجعل السكوت مذهبًا في الحياة.

ربما يعني فقط أن نمنح الكلام قدره، وأن نعرف أن الإنسان لا تُقاس قيمته بعدد ما قال، كما لا تُقاس حكمته بعدد المرات التي سكت فيها.

فبعض الكلام يُنقذ، وبعضه يهدم.

وبعض الصمت يحمي، وبعضه يؤذي.

وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان مطالبًا بأن يعرف نفسه، ويعرف مقامه، ويعرف أن للكلمة وقتًا، وللصمت وقتًا.

وما أكثر الذين يملكون أصواتًا عالية، ولا يملكون ما يستحق أن يُسمع.

وما أقل الذين يصمتون، لكن حين يتكلمون، يصمت ما حولهم.

فهل الصمت حقًا غيابٌ للكلام، أم أنه أحيانًا أبلغ ما يستطيع الإنسان أن يقوله؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى