رأي

سوق الخرطوم للأوراق المالية.. من استئناف التداول إلى قيادة اقتصاد ما بعد الحرب

د. مروة فؤاد قباني

استئناف التداول في سوق الخرطوم للأوراق المالية من العاصمة ليس مجرد عودة لشاشة التداول بعد توقف فرضته الحرب، بل هو إعلان عن بداية مرحلة جديدة يفترض أن يكون فيها السوق أحد محركات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

فالاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب يحتاج إلى أكثر من التمويل المصرفي؛ يحتاج إلى سوق رأس مال قوي قادر على تعبئة المدخرات، وجذب الاستثمارات، وتمويل الشركات والمشروعات الإنتاجية. وهنا تبرز أهمية سوق الخرطوم كحلقة وصل بين أصحاب المدخرات وأصحاب المشروعات.

لكن نجاح العودة لن يقاس فقط بقيمة التداول اليومية، وإنما بقدرة السوق على تطوير أعماله ومنتجاته وتوسيع قاعدة المستثمرين.

وتأتي رقمنة السوق في مقدمة الأولويات، من خلال فتح الحسابات إلكترونياً، والتحقق الرقمي من هوية المستثمر، وربط الحساب الاستثماري بالحساب المصرفي، وتطوير منصات تداول حديثة تتيح للمستثمر متابعة محفظته وتنفيذ أوامره بسهولة وأمان.

كما ينبغي التوسع في الاستثمار المؤسسي وصناديق الاستثمار والمحافظ المدارة، بما يسمح بتجميع المدخرات الصغيرة وتوجيهها إلى مشروعات ذات أثر اقتصادي، مع تصميم منتجات استثمارية تستهدف السودانيين بالخارج وتحول جزءاً من مدخراتهم إلى استثمارات منتجة داخل السودان.

ومن المهم أيضاً دراسة إدخال التداول بالهامش كأحد أدوات تنشيط السوق، ولكن ضمن إطار رقابي صارم يحدد نسب التمويل والهامش والضمانات والأوراق المالية المؤهلة، ويضمن حماية المستثمر واستقرار السوق.

أما شركات الوساطة، فعليها الانتقال من نموذج يعتمد أساساً على تنفيذ الصفقات إلى نموذج أكثر تطوراً يقوم على إدارة المحافظ، والاستشارات الاستثمارية، والبحوث المالية، وإدارة المخاطر والخدمات الرقمية.

وفي الوقت نفسه، يحتاج السوق إلى تعزيز الإفصاح والحوكمة ورفع جودة المعلومات المتاحة للمستثمرين، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لسوق الأوراق المالية. كما ينبغي وضع برامج لتأهيل الشركات السودانية، خاصة شركات القطاع الخاص والمشروعات الواعدة، لتصبح مؤهلة للإدراج والحصول على التمويل من السوق.

ومن التوصيات المهمة كذلك تطوير منتجات مالية جديدة، وتشجيع إدراج شركات القطاعات الإنتاجية، ودراسة إنشاء صناديق متخصصة في الزراعة والطاقة والبنية التحتية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بحيث يصبح سوق المال شريكاً مباشراً في إعادة بناء الاقتصاد.

إن السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء مؤسساته المالية بصورة أكثر حداثة. ولذلك فإن المطلوب ليس إعادة سوق الخرطوم إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل بناء سوق جديد أكثر عمقاً ورقمنة وشفافية وقدرة على المنافسة.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى استراتيجية وطنية لتطوير سوق رأس المال، تشترك فيها الجهات الرقابية ووزارة المالية وسوق الخرطوم والبنوك وشركات الوساطة والقطاع الخاص والتكنولوجيا المالية.

استئناف التداول هو البداية.. أما التحدي الحقيقي فهو تحويل سوق الخرطوم إلى منصة لتمويل الإنتاج وإعادة الإعمار وصناعة الاستثمار.

وإذا نجح السوق في ذلك، فلن يكون م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى