رأي

خواطر رمضانية

الدكتور الخضر هارون

من جميل ما سمعت عن شهر رمضان قول للأستاذ سيد الخطيب وكنت قد رافقته إلي مسجد محمد وهو مسجد من مساجد اخواننا سودان أمريكا كما كان يسميهم سيد وكانوا قد طلبوا منه أداء خطبة الجمعة في ذلك اليوم من أيام عقد الثمانينيات، سألني عن سبب تفضيل ليلة القدر أو هكذا حفظت الذاكرة، فقلت له دارج ما يقول الناس عن فضل الليلة وعن تفاؤل الناس بقدومها فقال فيما قال عن فضائل الشهر الفضيل إنه يراها ويري الصوم احتفالية بالقرآن الكريم كما نصت الآية : “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس…” ودعوة ربانية للاهتمام بالقرآن، و لا أدري إن كان قد أضاف إلي ذلك القول ،إن جائزة الاحتفال والحفاوة بالشهر هي ليلة القدر التي يعدل أجرها أجر صلاة ثمانين سنة ونيف وهو عمر الإنسان في كمال عقله علي الأقل وإن شاخ ووهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا.

لذلك يجتهد المسلمون في المداومة علي قراءة القرآن فيه وليتهم يفعلون علي الدوام في غيره، كذلك لِـما في فضل التأمل والوقوف على المغازي والمعاني التي لا ينضب معينها فيه، مع مجرد بركة التلاوة والذكر والدعاء. وعندما تحصل المتعة من ذلك نفهم قول النبي (ص) في وصفه للقرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد بينما قل أن تطيق قراءة غيره مرة أو مرتين من سائر ما يكتب الناس.

تحدث تلك المتعة إذا توفر الشرط المهم المشار إليه في افتتاح أطول سور القرآن الكريم ، البقرة الذاخرة بالمعارف الضرورية لحياة المسلم ، والشرط هو الإيمان بالغيب حيث تنقشع عنده سحائب الريب جميعاً وتتبدد: “ألف لام ميم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين.” من هم ” الذين يؤمنون بالغيب…” فهو مفتاح الإيمان. كل الإيمان بالله والملائكة والكتب السابقات والأنبياء والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره. والذي لا يؤمن بالغيب يرى في أديان السماء جميعا مجرد أساطير وأوهام ويسخر من فكرة البعث بعد الموت . ذلك الاستخفاف والتظاهر بتمام الفهم والعلم لم يكن بسبب تطور علم الفيزياء وعصر الاختراعات في عصر التنوير ولكنه كان منذ الأزل عقيدة من لا يؤمنون بالغيب ويحصرون المعارف في ميدان الحواس. قالها أبو جهل عمرو بن هشام بعد أن فت عظمة نخرة بيده وسأل النبي مستهزئاُ أيبعث هذا ربك بعد أن رم ؟ ويقولها كثيرون على مر العصور في الأدغال بين الحفاة العراة في كل عصر ومصر مثلما يقولها علماء في أعرق الجامعات لا فرق، فمفتاحها في الدغل وفي الحقل وفي المعمل الفاخر المكيف الهواء، واحد هو استبعاد الغيب من دائرة الحياة وتلك شنشنة فشت في الناس يخشون أن يدمغوا بالتخلف إن أظهروا حفاوة بالغيب..

فند الله الكبير المتعال بأن بعض الإنكار ، إنكار الغيب والبعث بعد الموت يتخذ ذريعة لعبادة الهوى والاستكانة للغرائز الهابطة لأن ذات الناس إذا حاصرتهم المياه العاتية في أعالي البحار أو في أجواء السماء هتفت دواخلهم تستجدي الخالق العظيم لكنهم حال سلامتهم استهزئوا وتضاحكوا “أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه يسأل أيان يوم القيامة”. وقضية البعث بعد الموت ظلت هي مدار الفكر الإنساني كله. تأمل ضرورة الإيمان بهذا البعث بعد الموت الذي يضبط إيقاع الحياة كله في قوله تعالي في فاتحة الكتاب : “مالك يوم الدين” تلت تمجيد الرحمن وتعظيمه ، الرحمن الرحيم ، ذاك يوم القيام من الموت ، يوم الحساب . لقد ظل العقل البشري يحاول قبل الرسالات محتاراً الحصول على إجابات بشأن لغز الحياة :كيف جاءت ومن جاء بها وتباينت في ذلك الرؤي ولا تزال وستبقي ما بقي الإنسان لمن لا يؤمن بالغيب وإبانة السماء.

معني ذلك سيبقي الجدال بين الناس والعاقل من نأي بنفسه عنه .فمن مـَنَّ الله عليه بنعمة الإيمان وبلغ مقام من بلغ يقينه رؤية عرش الرحمن وحال أهل الجنة والنار فليحمد الله فليتعهد تلك النعمة ويحافظ عليها بالمداومة علي تلاوة القرآن والتأمل في مخلوقات الله بيقين أن عقله حين ينزع لتجاوز مداه ،عليه تذكيره بأنه مخلوق لم يخلق نفسه وأن الحياة تستقيم علي الجملة من غير وجوده هو. والشك وإن علا محفوف بنزوع طبيعي لسوح شئ من الإيمان حتي أفردت الفلسفة حيزا لدراسة كيف تصنع المعرفة أسموه نظرية المعرفة أو استمولوجيا . من ذلك أن فلاسفة الإغريق العظام سقراط ، أفلاطون وأرسطو قد آمنوا بوجود إله أعلي صنع الوجود. وقد جادلت أحد الهندوس فقال لي إن عقيدتهم تقر بوجود إله فوق جميع الآلهة هو براهام الذي ليس كمثله شئ وبالرجوع إلي المصادر عرفت صدق ما قال، وقال الدكتور فرانسيس دينق في كتابه (أفارقة عالمين) إن النيليين في جنوب السودان يقولون مثل ذلك. ولعل ذلك مصداق قوله في سورة الأعراف:( آية 172)

“وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين.”.

وتفرقت بعد ذلك بالناس السبل. “ومنها جائر وعلى الله قصد السبيل ولو شاء لهداكم أجمعين .” ( النحل الآية ).

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وتوفنا مع الأبرار.

تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وسائر الطاعات في الشهر الفضيل وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى