طارق حمزة زين العابدين
في بعض اللحظات، لا تكون كرة القدم مجرد لعبة، بل تصبح نصًا مفتوحًا على التاريخ، ومرآةً تعكس ما تراكم في الذاكرة من أمجادٍ وصور. وفي نيويورك، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الحكاية، بدا أن مباراةً واحدة قادرة على أن تعيد وصل ما انقطع بين الحاضر والماضي، بين صخب المدن الحديثة وهمس الحمراء في غرناطة.
هناك، بين ردهات التايمز سكوير، حيث الضوء يفيض حتى يكاد يطغى، التقيتُها. لم تكن مجرد امرأةٍ عابرة، بل بدت كأنها اختزالٌ لقرونٍ من التلاقي الحضاري. في ملامحها سكون الشرق وأناقة الغرب، وفي قسماتها أثرٌ خفي لذاكرةٍ أندلسية لم تنطفئ.
وجهٌ دمشقيٌّ رأيت خلاله أجفان بلقيس وجيد سعاد، ونظرةٌ تمتد بين حنينٍ وامتداد. سألتها، كما سأل نزار قباني يومًا: أأنتِ إسبانية؟
فأجابت، بلكنةٍ إنجليزيةٍ زادتها الإسبانية عذوبة، وفي نبرتها رجع العربية: نعم… وفي غرناطة ميلادي.
لم تكن الإجابة تعريفًا بميلادٍ جغرافي، بل استدعاءً لميلادٍ تاريخي. في تلك اللحظة، لم تعد نيويورك وحدها الحاضرة، بل حضرت غرناطة أيضًا؛ بأقواسها، بزخارفها، وبهمس جدرانها. ترددت في داخلي الكلمات:
“في مدخل الحمراء كان لقاؤنا
ما أطيب اللقيا بلا ميعاد”
صحيح أن اللقاء لم يكن عند بوابات الحمراء، لكن الحمراء كانت حاضرة في سواد عينيها، في امتداد جيدها، في ذلك الضوء الذي لا يُرى لكنه يُحَسّ. حتى بدا التايمز سكوير، على فيض أضوائه، أكثر توهجًا بها؛ نورٌ يعلو نور، وضوءٌ يضاعف ضوء.
ثم كان الطريق إلى الاستاد… إلى حيث تُكتب الحكاية على العشب الأخضر.
في استاد نيويورك ونيوجيرسي، بدا المشهد أقرب إلى مسرحٍ كوني مفتوح؛ عشرات الآلاف تحت الأضواء، والأعلام تتحول إلى أمواجٍ بشرية، والمدرجات تنقسم بين من جاء ليشهد الفصل الأخير من أسطورة ليونيل ميسي، ومن آمن بأن جيل إسبانيا الجديد على موعدٍ مع كتابة فصله الأول.
حين ظهر ميسي على الشاشة العملاقة، اهتزت المدرجات. لم تكن الهتافات مجرد تشجيع، بل كانت وداعًا مهيبًا لحقبةٍ كاملة؛ حبٌ يتجاوز الأرجنتين إلى معنى أوسع، إلى لاعبٍ صار رمزًا، وزمنٍ صار ذاكرة.
وعلى الضفة الأخرى، وقف لامين يامال ورفاقه بوجوهٍ هادئة، كأنهم لا يواجهون خصمًا بل يواجهون تاريخًا. شبابٌ يحملون جرأة المستقبل، وخلفهم منتخب يعرف كيف يحوّل الكرة من لعبةٍ تُلعب إلى فكرةٍ تُدار، ومن مهارةٍ فردية إلى منظومةٍ تُحكم. بدأت المباراة، فإذا بإسبانيا تفرض إيقاعها، لا بالصخب بل بالسيطرة، ولا بالعجلة بل بالحكمة. مئةٌ وعشرون دقيقة من حضورٍ متصل، من أداءٍ متزن، من هيمنةٍ هادئة تشبه جريان الماء، لكنها تملك قوة التيار.
غاب ميسي، وغابت معه ملامح الأرجنتين؛ حضورٌ يقابله غياب، وبروزٌ يجاوره احتجاب. لم يكن ذلك أفول نجم، بل سطوع نسقٍ جديد، يعلن أن كرة القدم، كما التاريخ، لا تعرف الفراغ.
وفي تلك اللحظة، بدا أن ما يحدث يتجاوز حدود المباراة؛ كأن الأندلس، بكل ما حملته من علمٍ وفنٍ وجمال، تعود في صورةٍ أخرى. ترددت أصداء القول:
“قالت: هنا الحمراء زهو جدودنا
فاقرأ على جدرانها أمجادي”
وحين ارتفع الكأس، لم يكن مجرد تتويج، بل كان تجليًا لمعنى الاستمرار؛ كيف يتحول المجد ولا ينقطع، وكيف يتبدل الشكل ويبقى الجوهر.
بعد المباراة، وفي زحام الفرح، التقيتُها مرةً أخرى. كانت تضحك وتبكي، تجمع بين الفرح والحنين، بين اللحظة والذاكرة. حدثتني عن إسبانيا، عن فخرها، عن جمال اللعب وروح الفريق.
تأملتها، ومرّ في خاطري قول الشاعر:
“يا ليت وارثتي الجميلة أدركت
أن الذين عنتهم أجدادي”
همستُ لها بالعربية؛ لغةٌ ربما لم تفهم كلماتها، لكنها أدركت معناها. فبعض الكلام يُقال ليُفهم، وبعضه يُقال ليُحَسّ.
وعندما ودعتها، شعرتُ أنني لا أودعها وحدها، بل أودع لحظةً كثيفة المعنى. عانقتُ فيها تاريخًا، لا شخصًا، وذاكرةً، لا عابرًا. شعرتُ أنني أعانق اسمًا ما زال حيًا في الوجدان: طارق بن زياد.
غير أن الحكاية لا تنتهي هنا. فالتاريخ يؤجل ولا ينهي، ويعد ولا يخلف. وعلى موعدٍ جديد في 2030، حين تتقاسم المغرب وإسبانيا شرف استضافة كأس العالم، يبدو أن الضفتين ستلتقيان من جديد؛ أفريقيا وأوروبا، الجنوب والشمال، الماضي والمستقبل.
هناك، قد لا نشاهد بطولةً فقط، بل نقرأ فصلًا جديدًا من كتاب الحضارة؛ حيث يعود الأثر ليصافح الامتداد، وتعود الحكاية لتُروى بلغةٍ أخرى.
أما يقيني الذي خرجتُ به من نيويورك، فهو أن الحمراء ليست جدرانًا تُزار، بل ذاكرةٌ تُستعاد، وأن غرناطة ليست مدينةً تُذكر، بل معنىً يُعاش… وأن بعض اللقاءات، وإن بدت عابرة، إنما تعيد في داخلنا ترتيب التاريخ، وتوقظ ما ظننّاه نام، فإذا به حاضرٌ… يبتسم.