حاكمٌ منفصلٌ عن الواقع، مهووسٌ بالجنس وألعاب الفيديو، رفض كل طوق نجاةٍ قُدِّم له.

سقوط بيت الأسد

بقلم: روبرت ف. وورث

يسقط بعض الطغاة وهم يقاتلون. ويُسحل بعضهم ويُعلّقون ليرصعهم ضحاياهم بالبصاق. ويموت بعضهم في فراشهم. أما بشار الأسد، الذي أشرف على تعذيب وقتل مئات الآلاف من أبناء وطنه السوريين خلال ربع قرن أمضاه في السلطة، فربما يكون قد حقق شيئاً جديداً في سجلات الاستبداد [1، 2]. فبينما كان المتمردون يطبقون على دمشق في السابع من ديسمبر 2024، طمأن الأسد مساعديه ومرؤوسيه بأن النصر قريب، ثم فر في جنح الليل على متن طائرة روسية، دون أن يخبر أحداً تقريباً. وأتذكر رؤية بيان صدر في ذلك المساء نفسه يعلن أن الأسد كان في القصر يمارس “واجباته الدستورية”. لقد انخدع حتى أقرب مساعديه، واضطروا للفرار من البلاد بأي وسيلة ممكنة بينما كانت ميليشيات المعارضة تملأ السماء بطلقات الاحتفال [3].

كان خذلان الأسد لرجاله من الخزي والجبن لدرجة أن البعض تعذر عليه تصديق الأمر في البداية. وبمجرد أن أصبحت الحقائق لا تقبل الشك، تحول ولاء الآلاف فوراً إلى غضب عارم، وأقسم كثيرون أنهم كانوا يكرهونه سراً طوال الوقت. وهناك مثل باللغة العربية يصف هذا النوع من الذاكرة المراجعة: **”عندما تسقط البقرة، يكثر القصابون”**. ولكن العاطفة كانت حقيقية بالنسبة للكثيرين، وكذلك الاعتقاد بأن الأسد وحده هو المسؤول عن كل ما ساءت إليه الأمور؛ فقد أخبرني إبراهيم حميدي، الصحفي والمحرر السوري: “لا يزال بإمكانك العثور على أشخاص يؤمنون بمعمر القذافي، أو بصدام حسين، أما الآن فلا أحد يؤمن ببشار الأسد، ولا حتى شقيقه”

لقد وضع الانهيار المفاجئ لنظام الأسد حداً لدولة بوليسية قاسية، لكن لا توجد الآن فعلياً أي دولة سورية خارج العاصمة. والزعيم الجديد للبلاد، أحمد الشرع، قام بعمل بارع في استمالة دونالد ترامب وغيره من قادة العالم، غير أنه إسلامي لا تزال سلطته هشة، ولا تزال بلاده متقلبة لدرجة قد تهوي بها بسهولة إلى حرب أخرى. لم تكن لدى أي جهة استخباراتية، سواء وكالة الاستخبارات المركزية “السي آي إيه” أو “الموساد”، أدنى فكرة عن سرعة سقوط الأسد. ومع ذلك، ظهر تفسير لانهيار نظامه في الأيام والأسابيع اللاحقة؛ إذ انشغل داعما الأسد، روسيا وإيران، بصراعات أخرى في أوكرانيا وإسرائيل على التوالي، ولم تعد لديهما القدرة على حمايته. وكشف انسحابهما المفاجئ ما كان مخفياً لسنوات: الضعف الشديد لجيش منهك وفاسد يتقاضى أفراده أجوراً زهيدة. وبشكل يشبه إلى حد ما النظام المدعوم أمريكياً في أفغانستان الذي سقط في عام 2021، كانت سلالة الأسد ضحية لإعادة تموضع جيوسياسية أوسع، وبدا سقوطها بعد وقوعه أمراً حتمياً

ولكن على مدار العام الماضي، تحدثتُ مع العشرات من الحاشية والضباط الذين سكنوا القصر في دمشق، وهم يروون قصة مختلفة. يصف الكثيرون حاكماً منفصلاً عن الواقع، مهووساً بالجنس وألعاب الفيديو، كان بإمكانه إنقاذ نظامه في أي وقت خلال السنوات القليلة الماضية لو لم يكن متعنتاً ومغروراً. وفي هذه الرواية، لم تكن الجغرافيا السياسية هي التي حطمت النظام؛ إذ لم ترغب أي من دول المنطقة في سقوط الأسد، وقدمت له عدة دول أطواق نجاة، ولو تمسك بها لكان على الأرجح جالساً في القصر الآن. وحتى في الأيام الأخيرة، كان وزراء خارجية يتصلون لعرض صفقات، لكنه لم يرد، وبدا كأنه يتذمر غضباً من مجرد اقتراح تخليه عن العرش. وفي النهاية، ربما كان موالوه الناقمون على حق: لقد كان الأمر كله يتعلق ببشار

ربما اعتقد كل المستبدين أنهم لا يقهرون، لكن الأسد كان لديه سبب خاص لثقته في غير محلها: لقد نجا بالفعل من تجربة سابقة شارفت على الموت. فقد وصلت انتفاضات الربيع العربي إلى سوريا في عام 2011 واشتعلت لتصبح حرباً أهلية، وحمل جزء كبير من الشعب السلاح ضده، ولم يتوقع أحد تقريباً نجاة الأسد. وأعلن باراك أوباما في عام 2012: “لا أشك في أن نظام الأسد سيكتشف قريباً أن قوى التغيير لا يمكن عكسها”. كان أوباما واثقاً لدرجة أن خارجيته مولت “مشروع اليوم التالي” ليكون جاهزاً لسوريا الجديدة، وطلب مني محررو “نيويورك تايمز” كتابة نعية لسلالة الأسد، وأتذكر أنني فكرت في إنجازها بسرعة، ولا تزال في ملفاتي

كانت تلك النعية ستُنشر في عام 2015 لولا تدخل “منقذ مفاجئ” يدعى فلاديمير بوتين؛ إذ غير التدخل الروسي الذي بدأ في سبتمبر من ذلك العام كل شيء للأسد. فقد غيرت موجات الغارات الجوية الروسية القاتلة، بالتعاون مع الميليشيات الإيرانية والشيعية، موازين القوى في الميدان، ووجهت ضربات عنيفة لقوات المعارضة التي أصبح يسيطر عليها الإسلاميون بعد أن كان يقودها متظاهرون سلميون [7]. وبحلول أواخر عام 2017، كان الأسد قد انتصر في الحرب ظاهرياً، وكان نظامه يسيطر على المدن الكبرى، وانحصرت المعارضة في محافظة إدلب، حيث كان زعيم سابق للقاعدة يدعى أحمد الشرع (المعروف آنذاك بأبي محمد الجولاني) يبرز كشخصية رائدة

كانت تلك اللحظة الخادعة للنصر هي البداية الحقيقية لكل ما ساء لاحقاً، كما أخبرني العديد من السوريين؛ إذ لم يفهم الأسد أن انتصاره كان أجوفاً. فقد تدمرت أجزاء واسعة من بلاده، وانكمش الاقتصاد حتى كاد يتلاشى، وزادت العقوبات الأمريكية والأوروبية من وطأة الوضع. وأصبحت السيادة السورية مرهونة جزئياً لروسيا وإيران، اللتين بدأتا تضغطان على دمشق لتحصيل أموال استثماراتهما في الصراع. ولم يعد مؤيدو الأسد، الذين عانوا سنوات من الحرب، قادرين على الصبر للأبد؛ فمع انتهاء القتال، بدأوا يتوقعون نوعاً من الانفراج [8].

كان بإمكان الأسد أن يمنح شعبه ما يريد؛ إذ كانت دول الخليج العربية تملك المال والنفوذ لإعادته من العزلة، وفي عام 2017، بدأت الإمارات العربية المتحدة التواصل مع دمشق. لكن كان لديها شرط واحد، وهو نفس الشرط الذي كانت تسعى إليه منذ ما قبل الحرب الأهلية: أن يبتعد الأسد عن إيران. ولطالما رأى عرب الخليج في الثيوقراطيين الثوريين في طهران تهديدهم الأكبر، وكان تحالف سوريا القديم معهم -الذي صاغه والده حافظ الأسد- نقطة خلاف مع جميع القادة العرب الآخرين

وبالنسبة لسوريا، كان استبدال رفقة إيران المشبوهة بثروات الخليج أمراً منطقياً تماماً. لكن كانت هناك عقبة: لم يكن ذلك بالضرورة الأفضل لعائلة الأسد. فخلافاً لدول الخليج والغرب، أوضح الإيرانيون دائماً أنهم سيفعلون أي شيء لإبقاء الأسد في السلطة، وكل ما كان عليه فعله في المقابل هو الاستمرار في تسهيل وصول الأسلحة والأموال من طهران عبر الأراضي السورية إلى حزب الله اللبناني

حقق الأسد تقارباً محدوداً مع الإماراتيين الذين أعادوا فتح سفارتهم بدمشق في 2018، لكنه رفض قطع صلاته بإيران. ووصل خالد الأحمد، وهو سياسي محنك في دائرة الأسد، إلى قناعة بأن الأسد غير قادر على تغيير مساره، وقال لي عنه: **”قررتُ أنه أصبح فيلاً ميتاً في الغرفة”**. وفي عام 2019، توصل مسؤول أمني إسرائيلي شاب إلى نفس النتيجة، وبدأ يحث رؤساءه على تنظيم انقلاب داخلي ضد الأسد، قائلاً: **”كان النظام قشرة فارغة”** [12، 13].

رفضت القيادة الإسرائيلية مقترح الانقلاب؛ فقد كان الإسرائيليون يرون في الأسد عدواً يمكن السيطرة عليه، فهو يردد الشعارات المعتادة عن العدو الصهيوني لكنه يبقي الحدود هادئة. ويبدو أن الأسد أخطأ في فهم هذا الإجماع الضمني على بقائه واعتبره قوة؛ فقد قال لي كادر سياسي سابق في حزب الله: **”كان بشار يعيش في عالم خيالي، يظن أن الإيرانيين يحتاجونه، والروس ليس لديهم خيار، وأنه هو الملك”. بدأ داعموه يتذمرون، لكنه لم يستمع؛ ففي عام 2019، ضغط الروس والإيرانيون عليه لإجراء إصلاحات رمزية لتخفيف العزلة الاقتصادية، لكنه كذب وماطل. وقال محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران حينها، إنه حث الأسد على “التواصل مع المعارضة”، لكن الأسد، “المنتشي بالنصر”، ظل يماطل

لعل المثال الأكثر إثارة للذهول على بلادة الأسد تجلى خلال فترة إدارة ترامب الأولى [2]. ففي عام 2020، أرسلت واشنطن مسؤولين هما روجر كارستنز وكاش باتيل إلى لبنان لتحديد مكان أوستن تايس، الصحفي الأمريكي الذي اختفى في سوريا عام 2012 وكان يُعتقد أنه في قبضة نظام الأسد [2]. واصطحبهما عباس إبراهيم، الذي كان حينها رئيساً لمديرية الأمن العام اللبناني، إلى دمشق حيث التقيا بأحد كبار المسؤولين الأمنيين لدى الأسد، وهو شخصية مهابة الجانب تدعى علي مملوك [2]. وأخبرني كارستنز أن الأمريكيين أثاروا قضية تايس، فرد مملوك بأن الولايات المتحدة ستحتاج إلى رفع العقوبات وسحب قواتها من سوريا قبل مناقشة أي طلب أمريكي [2]. أما إبراهيم، الذي شارك في الاجتماع واستذكر بعض تفاصيله بشكل مختلف، فقد أخبرني أنه رأى في ملاحظة مملوك “مناورة افتتاحية” ولم يتوقع أبداً أن يقدم الأمريكيون تنازلات بهذا الحجم [2].

ولكن، ولدهشة كل من إبراهيم ومملوك، أبدت الحكومة الأمريكية موافقتها على إبرام صفقة مقابل دليل على أن تايس لا يزال على قيد الحياة [4]. طار إبراهيم حينها إلى واشنطن، حيث أُبلغ بأن ترامب قد أكد الموقف الأمريكي [4]. غير أن دهشة إبراهيم تعاظمت عندما تلقى الرد من الأسد: لا صفقة، ولا مزيد من المحادثات [4]. وعندما سأل إبراهيم عن السبب، أخبره مملوك أن ذلك يعود إلى “وصف ترامب للأسد بالحيوان” قبل سنوات [4].

أخبر إبراهيم نظيره السوري أن هذا ضرب من الجنون [4]. فحتى لو كان تايس قد فارق الحياة، فإن الأمريكيين سيفون بالتزاماتهم في الصفقة طالما تمكنوا من معرفة ما حدث له و”إغلاق الملف” [4]. (لقد تضاربت التقارير حول مصير تايس، بما في ذلك تقارير تشير -دون دليل- إلى أن ضابطاً في نظام الأسد قد يكون قتله) [4]. واستذكر إبراهيم أن الأمريكيين كانوا متلهفين لأي معلومة، حيث قال: “تلقيت اتصالاً من بومبيو ذات مرة؛ قال فيه: أنا مستعد للطيران بطائرة خاصة إلى سوريا، ومستعد لمصافحة أي شخص” [4].

كانت هذه “فرصة ذهبية” للأسد، الذي كان بإمكانه -على الأرجح- مقابلة مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، وإخباره بأسف أن النظام لا يعرف ما حدث لتايس [5]. إن هذا اللقاء وحده كان سيمنح الأسد شرعية جديدة، ويجعل الدول الأخرى أكثر ميلاً للتواصل معه [5]. وجددت إدارة بايدن العرض في عام 2023، حيث أرسلت وفداً رفيع المستوى إلى عمان للقاء مسؤولين سوريين بشأن تايس [5]. وهذه المرة، تصرف الأسد بأسلوب يكاد يكون مهيناً، بحسب إبراهيم، إذ رفض حتى إرسال مسؤول رفيع لمقابلتهم، وأرسل بدلاً من ذلك سفيراً سابقاً زوده بتعليمات صارمة بعدم التفاوض أو حتى التحدث بشأن تايس [5].

إن سقوط الأسد، نظراً لغروره وانعدام بصيرته، قد يبدو في نظرنا الآن أقل إثارة للحيرة من حقيقة استمراره في السلطة طوال تلك المدة [6]. ويعود سبب صموده إلى والده، الذي بنى نظاماً قوياً وشرساً لدرجة أنه صمد لربع قرن أمام سوء إدارة الابن [6]. وإن أحد الدروس المستخلصة من سقوط الأسد هو درس قديم جداً: أن أكبر نقاط الضعف في السلالات السياسية تكمن في معضلة التوريث [6].

لقد كان حافظ الأسد ديكتاتوراً في قالبه الكلاسيكي؛ رجلاً محنكاً وقوي الإرادة، صعد من فقر الريف عبر المؤسسة العسكرية واستولى على السلطة في انقلاب عام 1970 [6]. كان يمتلك عبقرية في تقويض خصومه والتفوق عليهم بدهائه، وجعل الديكتاتورية تبدو أمراً طبيعياً [6]. وهذا ما كان يصبو إليه الكثير من السوريين بعد سنوات الفوضى التي تلت نيل استقلالهم عن فرنسا عام 1946 [6]. وكما كتب جمال عبد الناصر، الزعيم المصري الذي جسد هذا الدور البطولي في الخمسينيات والستينيات: “يبدو لي لسبب ما أن هناك دوراً في الدائرة العربية يهيم على وجهه بحثاً عن بطل” [6].

أما بشار فكان مختلفاً، وحتى زوار سوريا لأول مرة كان بإمكانهم ملاحظة أنه لا يمتلك سمات ذلك الدور [7]. فقد تميز بذقن ضعيفة وعينين مذعورتين، وكان رأسه وعنقه متطاولين بشكل غريب [7]. وعندما كنت ترى صورته على إحدى اللوحات الإعلانية المنتشرة في كل مكان في سوريا، كان من السهل أن يتملكك شعور بأن أحدهم قد قام بمزحة عملية واستبدل صورة القائد بصورة تلميذ قلق [7].

وعندما كان يبدأ في الكلام، يصبح الانطباع أسوأ؛ فصوته كان رفيعاً وأنفيّاً، وكان يبدو دائماً غير مرتاح خلال الخطابات، وكأنه يتوق لإنهاء الأمر بأسرع وقت [7]. وفي ثقافة تولي قيمة كبيرة للبلاغة والهيبة، لم يكن يمتلك أياً منهما [7].

أخبرني الكثير من المقربين من بشار أن نقص ثقته بنفسه ينبع من سنواته الأولى [8]. فوفقاً لأحد المطلعين السابقين على خفايا القصر، كان شقيقه الأكبر باسل يتنمر على أشقائه الأصغر منه بقسوة لدرجة أنها شوهت شخصياتهم بشكل دائم [8]. وتظهر هذه الديناميكيات العائلية بوضوح في صورة فوتوغرافية شهيرة التُقطت حوالي عام 1993، حيث يقف باسل في مركز الصورة بمظهر الواثق والممل قليلاً، بينما يجلس والداه أمامه وأشقاؤه على جانبيه [8]. أما بشار فيقف على اليسار، وجسده مائل قليلاً بعيداً، ووجهه ينم عن عدم ارتياح [8]. وخلافاً للآخرين، يبدو بشار وكأنه ينظر إلى ما وراء المصور، كأنه يستطلع طريقاً للهرب [8].

وصل بشار إلى السلطة عن طريق الصدفة [9]. فقد كان باسل، الضابط العسكري وفارس القفز على الحواجز الذي عُرف بـ “الفارس الذهبي” لسوريا، هو الوريث المفترض، لكنه قضى في حادث سيارة عام 1994 [9]. وحينها استدعى حافظ ابنه بشار من لندن، حيث كان يتدرب ليكون طبيب عيون، وبدأ في إعداده ليكون القائد التالي [9].

في البداية، وجد الكثيرون في دوائر المعارضة السورية أن ارتباك بشار وخجله أمران محببان [10]. وحقيقة أنه لا يشبه الديكتاتوريين أحيت آمالهم في أنه سيكون أكثر لطفاً وتسامحاً [10]. ولفترة وجيزة، بدا أن ذلك صحيح؛ فخلال “ربيع دمشق” الذي أعقب تولي بشار السلطة بعد وفاة والده عام 2000، بدا أن هامش حرية التعبير بدأ يتسع [10].

لكن سرعان ما تبع ذلك حملة قمعية، وفي السنوات التالية، بدا أن سيكولوجية الأسد تعمل في الاتجاه المعاكس [10]. فقد كان يخشى بشدة من أن يُنظر إليه كضعيف، وبدا وكأنه يؤمن بوجوب إثبات قدرته على ممارسة الوحشية المتوقعة منه مراراً وتكراراً [10].

لقد تحدثت مع ما لا يقل عن اثني عشر شخصاً عرفوا الأسد، وجميعهم علقوا على عناده [11]. وقال الكثير منهم إنه لا يستمع للنصيحة، وغالباً ما يبدو مستاءً من سماعها [11]. وقيلت أمور مماثلة عن والده الذي اشتهر بكونه مفاوضاً لا يلين [11]. وأخبرني ديفيد لوش، وهو باحث في جامعة ترينيتي أجرى مقابلات مكثفة مع بشار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أن كلا الرجلين كان عليهما “المساومة مع مراكز القوى والتلاعب بها داخل هذا النظام الغامض من أجل التوصل إلى إجماع” [11]. لكن الأسد كان يفتقر إلى الصلابة الفطرية التي ميزت والده، ووفقاً لبعض من عرفوه ودرسوا شخصيته، فإن جموده كان يخفي نقصاً في الثقة بقراراته الشخصية [11].

أخبرني البعض أن انعدام الأمان هذا جعله أيضاً شخصاً سهل التأثر [12]. وقد أُعجب بشكل خاص بحسن نصر الله، زعيم حزب الله، الذي كان شخصية تحظى بشعبية طاغية وجاذبية كبيرة [12]. ويبدو أن الأسد صدق البروباغندا التي كان نصر الله يلقنها إياه، ربما لأنها كانت ما يريد سماعه: أن محور المقاومة سيوجه ضربة قاسية لإسرائيل، وأنه بعد ذلك سيتمكن الأسد من وضع أي شروط يريدها للسلام [12]. وبعبارة أخرى، لن يضطر الأسد لاتخاذ أي خيارات صعبة أو تقديم أي تضحيات، فكل شيء سيُقدم له على طبق من فضة [12].

في السابع من أكتوبر 2023، لابد أن الأسد قد تخيل لبضع ساعات أن نبوءات نصر الله قد تحققت [13]. فقد اجتاح مقاتلو حماس السياج الحدودي من غزة وقتلوا أكثر من 1,000 شخص، وبدت إسرائيل -شمشون المنطقة- ضعيفة وغير مستعدة [13].

ولكن قبل مضي وقت طويل، كانت إسرائيل تشن آلاف الغارات الجوية ليس فقط على غزة، بل أيضاً على لبنان وسوريا [13]. والتزم الأسد الصمت حيال هذه الحملة ضد حلفائه، التي أدت في النهاية لمقتل نصر الله نفسه [13]. وربما كان يأمل في إبقاء اسمه بعيداً عن قائمة الأهداف الإسرائيلية [13]. ولكن وفقاً لـوئام وهاب، الشخصية السياسية اللبنانية المقربة من النظام السوري، فإن صمت الأسد أجج شكوك الإيرانيين في أنه كان يزود الإسرائيليين بالمعلومات [13]. لقد كان محور المقاومة يتداعى [13].

كان ينبغي أن يثير ذلك قلق الأسد، خاصة في ظل حقيقة أن روسيا، حاميه الآخر، كانت غارقة في أوكرانيا [14]. لكن الأجواء في القصر لم تكن مهيأة للتفكير السليم [14]. فوفقاً للمسؤول السابق في حزب الله الذي تحدثت معه، كان الأسد يقضي معظم وقته في لعب “كاندي كراش” وغيرها من ألعاب الفيديو على هاتفه [14]. وقد أبعد “رجالات الظل” من عهد والده واعتمد بدلاً من ذلك على دائرة ضيقة من الشخصيات الشابة ذات المؤهلات المشبوهة [14]. وكانت إحداهن، وهي [*****]، تعمل كعشيقة للأسد وتقوم أيضاً بجلب نساء آخرين له [**********************] وفقاً لمطلعين سابقين في القصر والمسؤول الإسرائيلي السابق [14].

ويبدو أن [*****)]، التي كانت متزوجة من أحد المقربين من النظام، قد شجعت الأسد على عادته المتأصلة في القصر بازدراء المواطنين العاديين [15]. وفي تسجيل ظهر في ديسمبر الماضي، يمكن سماع الأسد و[*******]وهما يضحكان باستهزاء من ادعاءات حزب الله ويسخران من الجنود الذين يؤدون لهم التحية العسكرية أثناء قيادتهما في إحدى ضواحي دمشق [15]. ويقول الأسد، الذي كان خلف المقود، في إحدى اللحظات عن السوريين الذين يمرون بهم في الشارع: “ينفقون المال على المساجد، ولكن ليس لديهم ما يكفي للأكل” [15].

ولكي تفهم فحش تعليق الأسد هذا، عليك أن تعرف أنه كان يجمع ثروة شخصية طائلة، معظمها من تهريب المخدرات، حتى في الوقت الذي كان فيه الكثير من السوريين على شفا المجاعة [16]. فقد كان الجنود العاديون يتقاضون أجوراً زهيدة تصل إلى 10 دولارات شهرياً، وهو أقل بكثير مما يحتاجونه للبقاء على قيد الحياة [16]. والليرة السورية، التي كانت تُتداول يوماً بسعر 47 ليرة مقابل الدولار، وصل سعر صرفها إلى 15,000 ليرة مقابل الدولار بحلول عام 2023 [16]. وتعمق الفقر بعد عام 2020 عندما فرض الكونجرس الأمريكي جولة قاسية أخرى من العقوبات بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا” [16].

حتى المؤيدون القدامى من الأقلية العلوية -الطائفة التي ينتمي إليها آل الأسد- بدأوا يشكون من فقرهم المدقع [17]. وأخبرني أحد أفراد عائلة الأسد الذي يعيش في أوروبا أنه زار سوريا في عام 2021 ودهش عندما اكتشف أن الضباط -من وحدة الحرس الجمهوري النخبوية- المولجين بحماية عائلته المقربة كانوا فقراء لدرجة أنهم يقضون ساعات خارج خدمتهم في بيع الفاكهة والسجائر في الشارع [17].

حافظ الأسد وعائلته على مستويات معيشتهم من خلال تحويل سوريا إلى دولة مخدرات، حيث أشرف شقيقه ماهر على تصنيع وتهريب كميات هائلة من مادة “الكبتاجون”، وهي من المنشطات غير القانونية [17]. وقد درت تجارة المخدرات على الأسد مليارات الدولارات، لكنها تسببت أيضاً في أزمة إدمان في دول الخليج والأردن، مما أثار غضب قادتها [17].

ويبدو أن جنون العظمة لدى الأسد قد اتخذ منحىً جديداً وغريباً في هذه السنوات القليلة الماضية [3]. فوفقاً لأحمد، خلص الأسد إلى أنه بحاجة إلى “أدوات ملكية” كتلك التي يمتلكها بوتين وحكام الخليج، بما في ذلك احتياطيات نقدية ضخمة تكفي لدعم الميليشيات وإعادة توجيه الاقتصاد [3]. وتكشف تعليقات الأسد لصحفي روسي خلال أشهره الأخيرة في السلطة عن لمحة من هذه الفكرة حول السلطات الملكية؛ فعندما سُئل عن عيوب الديمقراطية، قال بابتسامة ازدراء: “في الغرب، الرؤساء، وخاصة في الولايات المتحدة، هم مديرون تنفيذيون، لكنهم ليسوا المالكين” [3].

في يوليو من عام 2024، وبينما كانت أخبار الحرب في غزة تهيمن على العناوين الرئيسية، وُجدت [******] ميتةً داخل سيارتها من طراز “بي إم دبليو” على طريق سريع خارج دمشق [1]. وصفت وسائل إعلام النظام الحادث بأنه “حادث سير”، لكن الظروف المحيطة به كانت غريبة؛ فوفقاً لبعض التقارير، لم تتعرض السيارة إلا لأضرار طفيفة، ومع ذلك كانت جمجمة [******] قد هُشمت تماماً [1]. وسرعان ما انتشرت الشائعات بأنها قُتلت بأوامر من طهران بتهمة تزويد الإسرائيليين بمعلومات عن الأهداف [1].

بيد أن الأسد نفسه هو من أمر بقتل عشيقته السابقة، وفقاً لما صرح به المسؤول الإسرائيلي السابق وشخصان آخران لهما صلات بالنظام [2]. وأوضح المسؤول الإسرائيلي السابق أن[ ******] كانت قد أصبحت عميلة لروسيا بحكم الأمر الواقع، حيث كانت تمد موسكو بمعلومات حول أنشطة إيران في سوريا [2]. ولعلها استشعرت أن نهاية الأسد باتت وشيكة، فرأت حاجتها إلى حامٍ آخر [2]. وقد تعذر تأكيد هذه الرواية؛ إذ لا يعلق المسؤولون الروس على القضايا الاستخباراتية [2].

عندما يسقط طاغية، قد نميل إلى تخيل لحظة نهائية من الإدراك المأساوي للذات؛ نوع من المحاسبة الشخصية، مثل أوديب وهو يفقأ عينيه، أو ماكبث وهو يثور في الميدان [3]. لكنني لا أظن أن الطغاة الحقيقيين يسقطون على هذا النحو، فهم بارعون جداً في خداع أنفسهم [3]. وبالنسبة للأسد، بدأ الفصل الأخير في نوفمبر 2024 [3]. كانت ميليشيات المعارضة المنضوية تحت قيادة أحمد الشرع تضغط للحصول على إذن من تركيا لشن عملية عسكرية، وفي النهاية، منحهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ذلك الإذن (رغم نفي تركيا أي تورط رسمي في العملية) [3].

أقدم أردوغان على هذه الخطوة على مضض [4]. فطوال العام، كان يطلب من الأسد مقابلته، وكانت مطالبه متواضعة للغاية: مصالحة سياسية واتفاق يسمح لملايين اللاجئين السوريين في تركيا بالعودة إلى ديارهم [4]. لكن الأسد تصرف وكأن جميع الأوراق بيده، ورفض اللقاء ما لم يوافق أردوغان مسبقاً على سحب جميع القوات التركية من سوريا [4]. ويبدو أن عملية المعارضة التي وافق عليها أردوغان كانت تهدف إلى دفع الأسد نحو التفاوض؛ إذ صُوِّرت كخطوة دفاعية وليست غزواً [4].

وعندما زحف المتمردون نحو الشمال الشرقي باتجاه مدينة حلب في 27 نوفمبر 2024، كان الأسد في روسيا، حيث كان ابنه يناقش أطروحة الدكتوراه في “نظرية الأعداد والتمثيلات متعددة الحدود” في جامعة موسكو الحكومية [5]. وبينما كانت دفاعات حلب تنهار، بقي الأسد في موسكو، مما أثار صدمة واستياء قادته في الداخل [5]. ويبدو أنه كان يأمل في إقناع بوتين بإنقاذه [5]. لكن الرئيس الروسي تركه ينتظر لأيام، وعندما التقيا أخيراً، كان اللقاء وجيزاً جداً [5]. ووفقاً للمسؤول الإسرائيلي السابق الذي تحدثت معه، أخبر بوتين الأسد أنه لا يستطيع محاربة حربه نيابة عنه، وأن أمله الوحيد يكمن في الذهاب إلى أردوغان وإبرام صفقة معه [5]. فلطالما كانت روسيا تولي علاقتها الاستراتيجية بتركيا قيمة أكبر بكثير من علاقتها بسوريا [5]. ومن المستحيل معرفة ما إذا كان الأسد قد أدرك ذلك أم لا، لكن بوتين لم يكن ليشن حرباً جديدة ضد حلفاء تركيا من المتمردين فقط لإنقاذ ديكتاتور تافه يفر جنوده من الخدمة [5].

كانت حلب قد سقطت في أيدي المتمردين بحلول وقت عودة الأسد إلى دمشق [6]. وبعد ساعات قليلة فقط، طار إلى أبو ظبي، عاصمة الإمارات العربية المتحدة، كما أخبرني الأحمد [6]. وليس من الواضح من التقى بهم أو ماذا قيل في ذلك اللقاء [6]. فقد كان الإماراتيون يخشون ميليشيات الشرع الإسلامية بقدر خشيتهم من طهران، لكن لم تكن لديهم قوات على الأرض [6]. ولدى عودته إلى دمشق، جرب الأسد مقامرة أخيرة مستخدماً “أدوات الملكية” التي كان يجمعها لسنوات [6]. وأشاع خبراً مفاده أنه سيدفع رواتب باهظة للمتطوعين الذين يمكنهم إعادة تجميع الميليشيات التي ساعدت في كسب الحرب الأهلية قبل سنوات، وفقاً لما ذكره الأحمد [6]. ولكن عندما سمع الجنود العاديون، الذين قضوا سنوات برواتب زهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع، بهذه العروض، استشاط الكثير منهم غضباً وهجروا مواقعهم [6].

كان المتمردون قد استولوا الآن على مدينة حماة وهم في طريقهم إلى حمص، على بعد 100 ميل شمال العاصمة [7]. وفي الوقت نفسه، بدأ قادة الحرس الثوري الإيراني، الذين ساعدوا في دعم النظام، في حزم أمتعتهم والمغادرة [7]. وتناهى إلى أسماع الجنود السوريين خبر انسحاب حلفائهم، فدب الذعر في صفوفهم، وزحف المتمردون جنوباً دون أي مقاومة تذكر تقريباً [7]. وفي 7 ديسمبر 2024، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع دول في الشرق الأوسط اجتماعاً طارئاً على هامش مؤتمر أمني سنوي في الدوحة، العاصمة القطرية [7]. لم يرغب أي منهم في انهيار نظام الأسد، فأصدروا بياناً يدعو إلى إنهاء العمليات العسكرية وانتقال سياسي تدريجي، بناءً على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الصادر قبل عقد من الزمن [7]. كانوا بحاجة إلى موافقة الأسد وتسهيله للأمر، لكن كانت هناك مشكلة: لم يتمكن أحد من الوصول إليه، إذ بدا أنه قد أغلق هاتفه [7].

روى لي أحد أعضاء حاشية الأسد، ممن كانوا معه في ساعاته الأخيرة، الحساب التالي، طالباً عدم ذكر اسمه لأنه لا يزال يعيش في المنطقة [8]. عاد الأسد من القصر إلى منزله الخاص في حي المالكي بالعاصمة في حوالي الساعة السادسة مساءً [8]. بدا هادئاً، وذكر أنه طمأن للتو ابن عمه إيهاب مخلوف بأنه لا يوجد ما يدعو للقلق؛ فأن الإماراتيين والسعوديين سيجدون وسيلة لوقف تقدم المتمردين [8]. (وقد قُتل مخلوف رمياً بالرصاص في وقت لاحق من تلك الليلة أثناء فراره بالسيارة إلى لبنان) [8].

وفي الساعة الثامنة مساءً، وردت أنباء عن سقوط حمص في أيدي المتمردين، مما أثار الرعب في الحاشية [9]. لكن الأسد طمأن مساعديه بأن قوات النظام قادمة من الجنوب لمحاصرة العاصمة والدفاع عنها [9]. لم يكن هذا صحيحاً، ولم تستطع مصادري الجزم ما إذا كان الأسد يصدق ذلك أم لا [9]. وفي الساعات التي تلت ذلك، بدا أنه يتأرجح بين اليأس والتأكيدات الواهمة بأن النصر بات قاب قوسين أو أدنى؛ وهي حالة ذهنية مألوفة لأي شخص شاهد فيلم “السقوط” (Downfall)، الذي يصور أيام هتلر الأخيرة في قبو الفوهرر في برلين [9].

وبعد الساعة الحادية عشرة ليلاً بقليل، وصل منصور عزام، أحد كبار مساعدي الأسد، إلى المنزل مع مجموعة صغيرة من المسؤولين الروس، واختلوا في غرفة مع الأسد للحديث [10]. وأخبرني مصدري أنه يعتقد أن الروس كانوا يعرضون على الأسد مقاطع فيديو تثبت أن قوات النظام لم تعد تقاتل [10]. وبحلول الساعة الواحدة صباحاً، كانت الأنباء قد وصلت إلى الحاشية بأن العديد من مؤيدي النظام قد استسلموا وبدأوا بالفرار من العاصمة نحو الساحل السوري، المعقل التقليدي للعلويين [10].

وفي الساعة الثانية صباحاً، خرج الأسد من غرفته الخاصة وأخبر سائقه القديم أنه سيحتاج إلى حافلات صغيرة (Vans) [11]. وأصدر أوامره للموظفين بالبدء في حزم أمتعته بأسرع ما يمكن [11]. كانت مجموعة من الروس خارج المنزل [11]. وحتى تلك اللحظة، كان الكثيرون في الحاشية يعتقدون أن الأسد سيذهب إلى القصر الجمهوري لإلقاء خطاب المقاومة لأتباعه [11]. الآن فهموا أخيراً أن المعركة قد انتهت، وأنه سيتخلى عنهم للأبد [11]. تحرك الأسد نحو الباب الأمامي، ومعه هذه المرة اثنان من مساعديه وابنه حافظ، وقيل للآخرين إنه لا يوجد متسع لهم [11].

وقف سائق الأسد، وهو رجل في منتصف العمر، عند الباب، ناظراً إلى الرئيس بتعبير لا يخطئه العين من خيبة الأمل على وجهه [12]. وقال: *”هل ستتركنا حقاً؟”* [12]. فنظر الأسد إليه؛ وحتى في هذه اللحظة الأخيرة، لم يتحمل المسؤولية عما حدث لبلاده [12]. لم يكن هو من يخون أتباعه، بل هم الذين خانوه برفضهم التضحية بحياتهم من أجل تمديد حكمه  وسأل الأسد السائق: *”ماذا عنكم أنتم؟ ألن تقاتلوا؟”

ثم التفت وخرج إلى عتمة الليل، حيث كان الروس في انتظاره

Exit mobile version