تقارير

المطر من رشَّتو..

يبدأ فصل الخريف في السودان في شهر مايو وينتهي في أكتوبر من كل عام. والسؤال المتكرر لكل القادمين من جهة لأخرى في الترحال هو: «إن شا الله مطرانين؟».

ارتبط هطول المطر لدى عامة أهل السودان بالفأل الحسن، وإطفاء سموم الهواء الحارة، و«ريحة الدعاش» عند اختلاط الماء بالبيوت الطينية. لكن أهل المدن -على عكس أهل الخلا- لديهم رأي آخر، ومثلهم النازحون الذين يسكنون الخيام حالياً، وربما ردد بعضهم الدعاء النبوي: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر»، وقد تكون لديهم ذكريات كارثة عام 1988، حين تهدَّمَتْ آلافُ المنازل وقتها بسبب المُعدَّل العالي لهطول الأمطار. ومع ذلك، لا يَغيب المطر عن ثقافة المدن، ويَظهر ذلك في فرحتهم وخروجهم كباراً وصغاراً بعد هطوله.

والخريف في السودان من أهم فصول العام، خاصةً في نواحي كردفان، ودارفور، والقضارف، وسنار، والنيل الأزرق، وشرق السودان؛ إذ يرتبط بحياة المزارعين والرعاة الرُّحَّل، حيث يبسط المراعي الطبيعية لقطعان حيواناتهم. ينتظر كلُّ هؤلاء، مزارعين ورعاةً، كرم السماء للبدء في رمي بذور الدخن، والذرة، والفول السوداني، والبطيخ، واللوبيا، وبقية المحاصيل المطرية.

والمُلاحظ في الخرطوم والمدن التي يعمل فيها كثيرٌ من أبناء القرى البعيدة في كردفان ودارفور، وفيهم نساء وفتيات صغيرات في السن، يَتركون كل شيء ويتوجَّه أغلبهم قبل فصل الخريف إلى مناطقهم الأصلية، ثم يعودون لاحقاً بعد انتهاء الموسم.

تعتمد المساحات المزروعة مطرياً اعتماداً كلياً على هطول الأمطار، وتحتل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في السودان، في القضارف والجزيرة وكسلا وكردفان دارفور. وعادة ما يكون العمل جماعياً بنظام «الفزع»، وهي عبارة ليست مرتبطة بالدَّعوة للقتال ومُناصرة القبيلة فحسب، إنما أيضاً تمتد دلالتها إلى الأعمال الجماعية التي يُقصد بها العون والإغاثة، إذ يَجتمع الناس بحسب العادات والمعتقدات وخصوصيتها، وتُصنع المريسة في بعض مناطق جنوب كردفان، بينما تُحضَّر «العصيدة» أو اللّقيمات لدى المُلتزمين بالتعاليم الإسلامية؛ لتغطية غِذاء الحاضرين للمساعدة في زراعة ونظافة الأرض.

كما ينتظر الرعاة نمو «القش» في «شوقار» (رحلة الخريف والصيف) لتسمين البهائم، حيث تمتلئ الحفائر والخيران بالماء لسقايتها، وفي المثل الشهير: «الفولة بتتملى والبقارة بجوا».

تقويم المطر

في كثير من الولايات، يعتمد الناس على «النجامة» ممن لهم خبرة فيها، فيعرفون حركة النجوم والكواكب ويستدلُّون بها على أوان ومنازل المطر بخبرة متوارثة منذ مئات الأجيال. وحين يُحبَسُ أو ينقطع المطر تُسمَّى «سنة المحل» أو «الصَّرْمَة» أي «الحاجة»، وتترتَّب عليها بالنسبة للمزارعين والرعاة معضلاتٌ كبيرةٌ في معاشهم وحياتهم التي تعتمد على المطر.

وأشهر هذه الأزمات مأساة عام 1306هـ (1888-1889) في فترة حكم الخليفة عبد الله التعايشي (1885 – 1899)، المشهورة في التاريخ بـ «مجاعة سنة ستة»، حين حدث جفافٌ شديدٌ وانحبس المطر، إضافة إلى تجنيد المزارعين للجهاد وسياسة الخليفة في التهجير القسري لقبائل غرب السودان إلى أم درمان، ما تسبَّبَ في قلة الأراضي المزروعة في كردفان ودارفور ووقوع آلاف الوفيات. وبعد قرابة القرن، حدث جفاف كبير بين عامي 1984 – 1985. وحتى منتصف عام 1985 وزعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كميات كبيرة من الذرة الرفيعة من صندوق إنقاذ الطفولة (المملكة المتحدة) على سكان الريف.

ما أشبه الليلة بالبارحة!

تشير تقارير خبراء المناخ إلى شح الأمطار في موسم 2026، ما دفع المواطنين لأداء صلاة الاستسقاء في القضارف وولاية الجزيرة. وصدر في جنوب دارفور قرار عن لجنة أمن محلية قريضة بتاريخ 26 أغسطس؛ بإلزام المواطنين والمزارعين وطلاب الخلاوي بالتوجه لموقع الصلاة الساعة السابعة صباحاً وإغلاق المحال التجارية وجميع الأنشطة إلى حين انتهاء الصلاة؛ إضافة إلى محاربة الظواهر السالبة ومنع الرحلات المختلطة، الحفلات، الخمور، المخدرات، والربا، وتفعيل القوانين الخاصة بها؛ وهو تفسير سائد في اعتقاد البعض بأن أسباب انحباس المطر هي جور البشر على الأرض. وصلاة الاستسقاء سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ركعتان يُفضل أن تُؤدَّيا في أماكن مفتوحة مثل صلاة العيد، يخطب الإمام بعدها في المصلين ويُكثِرُ من الدعاء، وقد يتوسَّل كثيرون بالرسول عليه الصلاة والسلام. ويتلو كثيرٌ من المتصوفة الصلاة النارية التي من عباراتها «ويُستسقى الغمام بوجهه الكريم».

وورد أن النصارى من سكان القسطنطينية كانوا يتوسلون بقبر الصحابي أبي أيوب الأنصاري، ويكشفون غطاء الضريح عند الجفاف حتى يستسقوا به؛ لأنهم يعتقدون في صلاحه. وقبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، عبَدَ بعض الجاهليين المطر وقدسوه واعتقدوا بقدرته على إحياء الموتى، ورأوا فيه سراً خفياً وقوة عظمى قادرة على قهر الجدب والمحل، بحسب ما ورد في كتاب «المطر في الشعر الجاهلي» لمؤلفه أنور أبو سويلم والصادر في 1987 عن دار الجيل.

صانع المطر

تختلف طقوس استدعاء المطر من منطقة إلى أخرى في السودان، ويفضِّل البعض صنع الكرامة (البليلة) وتوزيعها على الأطفال وكبار السن وعامة أهل الحي. أما النوبة في جنوب كردفان فلهم ممارسات من نوع آخر إذ يأتي رجل يُسمَّى «كجور المطر»، وهو بمثابة المرشد الروحي للقبيلة، ويختص بشؤون الرياح والمطر والحصاد والصيد، ولديه طقوس مُعيَّنة وقدرةٌ على التواصل مع أرواح الأسلاف القدامى من أجل تلك المهام. يتجمع الأهالي، وفيهم النساء والأطفال عند سفح الجبل، وتُذبح بعض الماعز قرابين لجلب المطر المتأخر عن نزوله المعتاد.

ووثقت الباحثة الألمانية آني ناجي في كتابها (رمال في عيوني)، حكاية شعبية أسطورية من النوبة تحكي عن موسم المطر في الجبال بعنوان (السما والواطة): «في أول الأيام كانت السماء والواطة عايشات مع بعضهن، والنوبة بيتذكروا أنه في يوم من الأيام كانت بنية منهم قاعدة بتطحن العيش بالمرحُاكة، قامت ضربت السما بكوعها بدون قصد. السما زعلت وقررت أنها حتفوت من المحل ده وتمشي تعيش في مكان بعيد شديد من الواطة. الشمس راحت والحياة بقت بلا معنى من غير السماء وغيماتها ومطرتها، وقام الناس خافوا شديد فقالوا اتلموا واتفقوا يرسلوا كجور للسما يقنعها بسحره ترجع ليهم. ومشى الكجور للسما وما في زول عارف قال ليها شنو، لكن المهم إنه السما وافقت ترجع لكن بشرط واحد: هو أنها ما ترجع إلا مرة واحدة في الحول بعد ما الناس يعزموها. ودي طريقة القامت بيها الفصول وبقى بيها الكجور عند النوبة يجيب المطرة ويتوسط من الوقت داك بين الواطة والسما. وقام الكجور داك ورّث أولاده وأحفاده طريقة عمل المطرة، والناس ليوم الليلة بتطحن العيش في الوديان والجبال بالمرحاكة». مطر الحصو

خلال السنوات الأخيرة في السودان، ومع ظهور التعدين العشوائي والحرب، أصبح للمطر مخاطر متعددة؛ إذ تجرف السيول كميات من المواد السامة كـ «الزئبق» و «السيانيد» إلى مجاري السيول، فضلاً عن بقية المواد والمُخلَّفات التي لم تتفجَّر، حيث تتسرب إلى التربة، وكل هذه المواد مسرطنة ولها أخطار على المدى الطويل.

ولم يبتعد المطر كذلك من تعبيرات العسكريين والملعب السياسي، وأشهرها عبارة قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو في مخاطبة أمام الجمهور في سبتمبر 2021: «التبقى تبقا والتمطر حصو» (وربما هي استعارة من الآية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْها حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾). وظهرت عبارة «مطر الحصو» أيضاً في أغنية تمجد القوات الجوية السودانية خلال حرب 15 أبريل. وأشار حميدتى إلى السماء مرة أخرى في 2022 متسائلاً: «بتعرفو مطر بلا برّاق؟». كما استخدم مناوئون لتحالف «قوى الحرية والتغيير» في 2019 عبارة «قحط» – حالة انعدام المطر لمدة من الزمن – بدلاً عن «قحت» (الاختصار المعروف عنهم في الوسط السياسي السوداني).

الفَــقْــرُ هَيِّــن دواهُو سِحـَابة

أما في سهول البطانة، فللمطر حكايات وأشعار في الغزل والمديح لا تُحصى، وأشهرها أبيات «الحاردلو» عن بداية رشاش الخريف:

الخبر الأكيد قالوا البطانة اترشَّتْ

سارية تْبقْبِقْ للصباح ما انفشَّتْ

هاج فحل أم صريصر والمَنايح بشَّتْ

وبت أمْ ساقْ على حدبَ الفريق اتعشَّتْ

وهناك فريق آخر من الهمباتة قديماً لا شأن لهم بالمطر، قال شاعرهم: «ما خسانا بزراعة الفقش والوادي». وفي مديح الكبار وتواضعهم تحضر أشباه المطر؛ ومثال لذلك عمدة المفازة بالقضارف، حسن عبد الله ود طه، الذي قدم العون للشاعر (عمر الحسين) في ليلة خريفية ماطرة، فكتب القصيدة الغنائية الشهيرة التي يتغنى بها الفنان سيد خليفة:

بطناً جابتك والله ما بتندَمْ

يا أسد الكداد الفي خلاك رزَمْ

يا رعد الخريف الفي سماك دَمْدَمْ

بابك ما انقَفَلْ ونارك تجيب اللَّمْ

ما بتحلِفْ تقول غير أستريحْ حرَّمْ

ولا تغيب منازل المطر عن شعر الراحل محمد طه القدال:

وزي برق (السّماك) الجابها دُغشية.. وزي زغرودة البطن الكُبارية..

ولعل أبلغ ما قيل في رسم لوحة الجفاف وتأخر المطر، هي رمزية الشاعر محمد المهدي عبد الوهاب:

حتى الفصول صابها الجفاف

لا غيمة لا زفة هرع

والسنبر البفرح صفيرو

غشانا واتقاطر رجع

وشجرنا من لفح السموم

غصنو الرقص رويان وقع

لا شابا لي ريحة دِعاش

لا هش لي برقا لمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى