الكديسة الرقمية .. !!

إبراهيم احمد الحسن
(1)
عندما غنى الطيب عبدالله لقيتو واقف منتظر شادياً (لقيتو واقف منتظر تشتاق عيوني لطلعتو / تفس الملامح والشبه .. والمشية ذاتا ووقفتو / اللفتة والتوب والقوام وأوصاف حبيبي وروعتو/ تاريهو يا قلبي الحنين راجيك بشوق السنين / ياربي واقف من متين ؟ / لكن اه ! يخلق من الشبه أربعين ) . إندهش الطيب عبدالله من أربعين شبه لمن تطابقت لفتته وتوبه وقوامه مع أوصاف حبيبه وروعته ، ثم طفقنا نحن وبكل الحب نغني أربعين عام مع الطيب عبدالله شبه الأربعين وما كنا ندري أن شبه واحد فقط من الأربعين يساوي 900 مليون دولار ! هذا إذا نظرنا بطريقة صحيحة ، زرعنا صاح وحصدنا صاح.
(2)
تتعدّد قصص التؤام وحكاياتهم شعراً ونثراً وأقاصيصاً وحجاوي وروايات وأساطير وحكاوي وخزعبلات وإعتقادات شعبية، ومن أجمل ما قرأت عن (التيمان في السودان)، تقريراً نشرته (صحيفة حكايات رد الله غربتها )، وحكى فيه أحدهم، قال: (جاورني في فصل المرحلة الثانوية، التيمان حسن وحسين. كانا يتشابهان حد التطابق، وحدث أن إختلفت مع حسين، أو مع من إعتقدت أنّه حسين وضربته. وحين حلّ المساء بعد عودتي إلى البيت، هاجمتني كديسة عملاقة، لم أر أقوى وأشرس منها في حياتي، وبقيت آثار مخالبها زماناً طويلاً، ومن يومها، لم أعد أتشاجر مع التيمان حسن وحسين، خوفاً من القطط، ولا اعتدى على القطط خوفاً من حسن وحسين)!
(3)
وعندما غنى الشاب (الفتيح) صورة وصوت وتبعه العشرات من الفنانين المشهور منهم والمغمور يقلدونه ( صورة وصوت أنا داير أشوفها) ، ومع الإيقاع الراقص والكلمات كنا نعتقد أن (الفتيح) حتماً سيقود الأُغنية صورة وصوت إلي شاطئ أنواره بعيدة وواعدة ! عندما قال ( انا داير أشوفها هسه قبل الغد ) انتبهنا الي الغد ! ثم إذا بنا نستيقظ علي صوته وهو يشدو ( عشان أنوم ارتاح ) وهنا يجعل (الفتيح ) الصورة والصوت بعد أن ترسو في الأعماق تتوقف ، ثم ينتهي كل شئ بانتهاء الأغنية صورة وصوت عند شاطئ النوم والراحة !! وتنتهي الاغنية بإنتهاء مراسم التقليعة والترند والإحتفاء ويحصد (الفتيح) الجهد الجميل هشيم ، حفنة من اللايكات مخبؤة خلفها حفنة من الدولارات على منصات الأسافير ، في وقت تُوَلِدْ فيه الأسافير ذاتها بضع ملايين من إستثمار صحيح للصورة والصوت والشبه .
(4)
وعندما بدأنا دراسة هندسة الإتصالات كان مبلغ علمنا في هذا المجال هو ما كنا نسمعه في إذاعة ام درمان عن البث علي الموجة القصيرة والمتوسطة وكذلك علي هيئة الإذاعة البريطانية والتي كانت تبث علي الموجات القصيرة والمتوسطة وترددات موجات ال (إف إم) المحلية ، هذا قبل أن تبث كل الإذاعات برامجها علي موجات ال (إف إم) وعبر محطات الأقمار الصناعية والإنترنت . وكم كانت دهشتنا كبيرة ونحن نتعلم أن ذبذبات الصوت البشري أضعف ما يكون فهي في المدي الترددي بين صفر الي اربعة الف هيرتز ولكي تنتقل من مكان الي آخر لابد لها من حامل ترددي قوي تتفاوت قيمته حسب الوسيط الذي ربما كان كيبل نحاسي ، وصلات مايكرويف او عبر الأثير الذي جعل صديق عباس يغني (عبر الأثير بكتب حروف لست هواي وأرسلها / تلقاها من مخلص عزيز / تنزل دموعها تبللها) هذه الحروف رغم حرارة تدب في كل ثناياها إلا انها لا تتجاوز حفنة من ( الهيرتزات ) ، وإتسع الأثير في دراساتنا وعِلْمَنا (وقراءاتنا واطلاعنا لاحقاً )حتى صار موجات متناهية الصغر (مايكرويف ) قافزاً إلي ما بعدها ، وتنقلت التكنولوجيا من التماثلية إلي الرقمية ودخلنا عالم النظام العالمي للهواتف السيارة الذي تدافعت فيه الأجيال : الأول ، الجيل الثاني والثاني ونصف والجيل الثالث والجيل الرابع ثم الجيل الخامس ، وها هو الجيل السادس يطل برإسه بل وصل بالفعل . وتبع تطور تكنولوجيا الاتصالات وثورتها قفزات كبيرة ومجنونة في الإستخدامات من التلغراف والتلكس والفاكس الذي ينقل الصورة التؤام طبق الأصل من مكان إلي مكان ثم الرسائل القصيرة ، الصوت والصورة ومقاطع الفيديو والمحتوى بمختلف أشكاله ودخل الذكاء الصناعي ملعب التكنولوجيا لينتج التؤام والذي تجاوز كل شئ ليصبح تؤام رقمي لإنسان حي ، يتنفس ويُرزق . ونحمدالله أن هيأ لنا (ضمن الاجتهاد والنطاق الشخصي) أن نكون في خضم هذا التطور الهائل بأجياله كلها ، نُشغل ، نُهندس ، نقرأ ونَطَِّلع ، نُدير ونُواكب ونَحْضَر ونَشّْهَد ،نَعّْمَل ونُشَجِع ، ثم نَكّْتُب .
(5)
لا أشك مطلقاً في أن الكثير منا قد سمع بالنعجة دوللي والتي تم إستنساخها في العام 1996 من نواة خلية جسدية تم زرعها في بويضة غير مخصبة لنعجة أخرى بديلة ، وتم تحفيز النواة للإنقسام بصعقها كهربائياً عبر عمليات معقدة ودقيقة ، وعندما إكتمل نمو الخلية جنيناً كاملاً في رحم نعجة بديلة ، وُلدت النعجة دوللي نسخة جينية طبق الأصل من النعجة صاحبة الخلية وليست النعجة البديلة ، وهكذا عرف العالم الإستنساخ صورة طبق الأصل ، وها هو الذكاء الصناعي يأتي بإستنساخ آخر . إستنساخ تؤام تقني ل شخص طبيعي . ويكسب الشخص الأصل الطبيعي جراء استخدام تؤامه الرقمي ملايين الدولارات كما فعل خابي لام .
(6)
لم تعد الشتيمة (خاتف لونين ) إلعن شكلك شتيمة قحة او مداعبة لطيفة ، فلعن خلقة المولى عز وجل فيها ما فيها من الذنب ، إلا ان الشكل الذي (نلعنه نحن ) شتيمة او مداعبة جلب لصاحبه ما يقارب المليار دولار وهذا بالضبط ما حصل مع خابي لام الذي باع شكله في صفقة أطلقوا عليها صفقة المليار دولار وقد باع خابي لام حقوق إستخدام صورته وصوته مقابل 900 مليون دولار اي انه باع تؤامه الافتراضي .
(7)
ولمن لا يعرف خابي لام هو (تيك توكر) إيطالي من أصل سنغالي (وهو شاب عشريني من مواليد العام 2000). أُشتهر بإنشاء مقاطع كوميدية قصيرة وكان يسخر فيها من الأشخاص الذين يعشقون تعقيد الامور البسيطة وبدون أسباب مقنعة ، ويعتبر حسابه علي منصة (التيك توك) من أكثر الحسابات متابعة علي المنصة .
(8)
وهكذا يصبح التؤام الرقمي !! مصدر دخل معتبر لصاحبه بينما نسجن أنفسنا في التؤام الذي ينقلب (كديسة) ولا يقرّبه احد! أنظروا إلي الأساطير والحكاوي عندنا والقصص وكيف تصور خزعبلاتنا والاساطير التؤام عندما يتحول إلي قط ينتقم ممن حاول أذيته أو النيل من توأمه ( كما يرى تقرير جريدة حكايات طيبة الذكر ). وإذا حاولنا تشجيع إيجاد (الكديسة) الرقمية لشخص ما فإننا نهتف بالمثل القائل ( الما لقى شبهو .. الله قبحو ) ، نتخذ من المثل نكتة تقف عند حد الضحك والتعليقات الساخرة وحسب ولا نبحث او نعمل الفكر . لماذا ننظر الي البعيد بحثاّ عن الشبه والتقليد ؟ في الوقت ذاته الذي يمكن فيه إستنساخ الشبه الذي هو معنا ( الخالق .. الناظر ) تؤام رقمي يجلب المال ثم انه لا يتحول الي (كديسة) .
(9)
و خابي لام نفسه لم يك في يوم من الأيام (كديسة) ولكنه إستطاع أن يبيع ( كديسته الرقمية ) بمبلغ ملياري . فهل نقبنا عن (كدايسنا ) التؤام ؟ وهي موجودة طوع بنانا رهن فكرة مبتكرة ، مختلفة او (فكرة مجنونة) !! فلنعمل العقل ولننظر ماذا فعل خابي لام حتى أتاه اليقين دولارات تترى ؟؟ وان كان لابد لنا ان نكون (كدسة) فلنكن مثل تلكم (الكديسة) التي تم تعينها في المكسيك في واحدة من الشركات تحت مسمى وظيفي ( مدير الدعم العاطفي ) ولها سجل وظيفي في الشركة ذاتها ولديها مرتب ومسمى ووصف وظيفي وإستحقاقات ومنافع وظيفية وفوائد ما بعد الخدمة . علي الأقل (الكديسة) هنا تمثل نفسها ولا تكون بديلاً لتؤام في الأساطير !
(10)
غاية ما تفعله القطط عندنا (والكدايس) هو انها تسجن نفسها في قمقم نداء فأر في كتب المطالعة الإبتدائية عندما ملأته التخمة وبلغت منه نشوة السُكر مبلغها فصاح في وسط البحر أين القطط ؟ ونحن بدورنا نسأل اين القطط ؟ فهل ما زالت قططنا و(الكدايس) تبحث عن تؤامها الخرافي ؟ وتسجن نفسها عند قديم القصص والحكايات أم أنها ستنطلق تبحث عن تؤأمها الرقمي لتبيعه بمليارات الدولارات ؟ وماذا عنك أنت ؟ أبحث عن (كديستك) الرقمية بأفكار مبتكرة جديدة . وإياك أن تحاول تقليد خابي لام ! (فكديسة) خابي قد عبرت وبيعت بثمن غالي ، إستطاع خابي لام أن يرى مستقبله (فكرة)؟ قبل أن يجعل منها (واقع) يمشي ويجلب المال ، إياك ثم إياك وإياك أن تحاول التقليد ! (فالكديسة) الرقمية ليست (قدرة فول ) ولا ( مركز للاتصالات وبيع الشرائح ) ثم إنها ( فكرة ) غير قابلة للنسخ والتكرار والتقليد واعادة التدوير وقع الحافر بالحافر .. أبحث عن (كديستك) الرقمية وعندما تجدها أسألني عن النتائج ، واذا لم تجدها واصل البحث !

Exit mobile version