ايران ليست فنزويلا .. هل يدفع نتنياهو الرئيس ترامب الي المجهول ..؟
Mazin
ترامب يريدها حرب ساعات ، علي غرار اضرب واهرب ، وايران تستعد لحرب شاملة ..
حيدر التوم خليفة
العالم يترقب ، والكل ينتظر ، وشبكات التلفزة ووسائل الميديا تمتلئ بالمقالات والتحليلات والتوقعات ، وتتنوع بين من يري ان الحرب واقعةُُ ناشبةُُ كأمر حتمي ، وبين من يستبعد ذلك ، مُعزِياً التحشييد العسكري الامريكي الجاري في الخليج اليوم الي اسلوب ترامب في المفاوضات ، اذ يضع كل الخيارات علي الطاولة ، ويركز علي التكثيف الاعلامي النفسي الضاغط ، والايهام بتبنيه وترجيحه للخيار العسكري ، وهو أضعف الخيارات لديه ، ولكنه قد يصدق جزئياً ، ويشعل حرباً محدودة اذا فشلت الجهود الدبلوماسية ، فأسلوبه ان يطلب الكثير ، ويُعلي مطالبه ليصل الي ما يريد ، من خلال التفاوض بأسلوب الجزرة والعصا ..
وهذا ما يفعله ترامب اليوم مع ايران ، لدفعها للتفاوض تحت ظلال السيوف ، بعد إلباسها حلة الخوف ، فقد رفع مطالبه التفاوضية وفق شروط مسبقة ، وهي شروط استستلام مُذِلة وليست شروط سلام ، لان التفاوض وفق ما اعلنه ، يجب ان يتمحور حول بندين ، وهما في الحقيقة مطالب نتنياهو :
الاول .. تنازل ايران عن برنامجها النووي ، ووضعه تحت الوصاية المباشرة لوكالة الطاقة الذرية ، التي تُدار من تل ابيب ..
الثاني .. تخلي ايران الكامل عن برنامجها الصاروخي ، وتدمير مخزونها الحالي من الصواريخ ..
انها مطالب تنم عن عدم ادراك منه للامور ، مع غيبوبة وغطرسة وتعالي وعربدة وبلطجة دولية ، وإنفصال عن الواقع ، و(قلة ادب) سياسية …
لهذا جاء الرد الايراني حاسماً ، من كلمتين نافيتين هما ” لا تفاوض” ، وكلمتين تأكيديتين انها الحرب” ، وأتبع ذلك المرشد الايراني الاعلي علي خامئني بالقول ” إما ان نعيش كلنا او نموت كلنا” ..
هذا الموقف خلق حالة من الرعب الاقليمي ، والتململ العالمي ، والحيرة الأمريكية ، وذلك لعدم اليقين الذي يتملك الادارة في البيت الابيض والبنتاجون فيما يتعلق بقدرات ايران الحقيقية في محاور ثلاثة ..
الاول … يتمحور حول حقيقة امتلاك ايران للسلاح النووي من عدمه ، وهو عدم يقين يؤكده تحريك امريكا لطائرتها المتخصصة في الكشف عن الاسلحة النووية ، ووصولها امس الاول الي قاعدتها في بريطانيا ..
الثاني… يتعلق بمدي التطور المتعاظم الذي وصلت اليه القدرات الصاروخية الايرانية ، وتحديداً الجيل الجديد من الصواريخ الفرط صوتية ، خاصة الانشطارية منها ، ويشمل ذلك قدراتها التدميرية ، وتقنيات المناورة لديها ، وهل فعلا وصلت سرعتها الي 16 ماخ واكثر ، الامر الذي إن حدث ، فسيجعل من كل منظومات الدفاع الجوي الأمريكية عديمة الفائدة ، ويزيد من صعوبة التعامل معها ، مما يعني انكشاف كل وحدات امريكا وقطعها البحرية ، وقواعدها الثابتة القريبة ، وبما تحويها من جنود ، والذين يفوق عددهم 40 الف جندي ، وجعلهم صيداً سهلاً للصواريخ الايرانية ..
وهذا الامر يشمل ما نسميه العمي المعلوماتي ، ويحوي الجهل التام بعدد هذه الصواريخ ومداها ، وتوزيعها وانظمة حمايتها من التدمير ..
الثالث … يتعلق بطبيعة الدعم الروسي الصيني لايران خلال الفترة التي اعقبت الحرب الإيرانية الإسرائيلية كماً ونوعاً ، والذي ظاهره دعم تعويضي لشبكات الدفاع الجوي الايرانية ، التي دمرتها إسرائيل بمعاونة امريكية كاملة عند بداية الحرب ، وحقيقة المعلومات التي تم تسريبها من جهة ما ، بحصول ايران علي تكنولوجيا متطورة جداً في مجال صناعة الصواريخ ، مكنتها من انتاج صواريخ تجاوز مداها 8000 كلم ، وهذا إن تم ، فهو يمثل بالتأكيد خطورة كبيرة علي كل مدن الساحل الشرقي الامريكي ، هذا إضافة الي معلومات شبه مؤكدة عن تدعيم سلاح الجو الايراني بطائرات صينية وروسية حديثة من الجيل الرابع ..
وحقيقة الدعم الروسي الصيني لم يعد شكاً ، بعد ان استطاعت ايران من إخراج وتعطيل فاعلية منظومة الربط النجمي (ستارلنك) ، التي تتبع لشركة سبيس إكس (الفضاء المجهول) ، المملوكة للملياردير الامريكي إيلون موسك ..
ولكنني اعتبر ان اكبر تحدي واجهته امريكا في مشكلتها الحالية ، هو فشلها في إختراق الكتلة الصلبة للنظام الايراني ، ومركز آتخاذ القرار ، الذي تم تحصينه جيداً بعد الحرب السابقة ، وفشلها في الحصول علي اي معلومة ذات قيمة ، تتعلق بخطة ايران لتوظيف ازرعها في المنطقة ، المتمثلة في حزب الله اللبناني ، وانصار الله الحوثيين ، والحشد الشعبي العراقي ، للتعامل مع اي هجوم امريكي إسرائيلي ، وتحويله لحرب شاملة ، إضافة الي خططها (أ) و (ب) المتعلقة بإغراق قطع الاسطول البحري الامريكي ، والذي إن حدث ، وغرقت إحدي سفن امريكا الكبري ، خاصة اذا كانت واحدة من حاملات طائراتها ، فسوف يفتح هذا علي ترامب ابواب الجحيم في الداخل الامريكي حتي لو كسِب الحرب ، وسوف يهوي بثقة المواطن الامريكي في جيشه الي الحضيض ، وبادارته العسكرية الحالية في البنتاجون ، والإطاحة بوزير الحرب الحالي المتصهين المتسلق البغيض، وحارق البخور الاول هيغست ..
أن ترامب قد فاز بإنتخابات الرئاسة الأمريكية الاخيرة ، محمولاً علي مبادئ تيار الماقا MAGA والذي يرفض الحرب ، ويناهض خوض امريكاً لاي حرب ، خاصة تلك التي لا تخصها ، فلا حروب وكالة من اجل طرف آخر أياً كان ، حتي لو كانت إسرائيل ، لهذا فالانسياق وراء تحقيق رغبات نتنياهو وتدمير ايران ، حتي تصبح إسرائيل القوة الوحيدة المسيطرة في الشرق الاوسط لتحقيق الحلم اليهودي ، ستكون تكلفته عالية ، وسوف يخلق إنطباعاً وسط تيار الماقا ، بان ترامب قد خان مبادئهم وخذلهم ، وتخلي عن عَقده واتفاقه معهم ، خاصة مع وضعه المتأزم داخلياً ، نتيجة لسياساته الرعناء التي ادار بها ملفي الهجرة والاقتصاد ، وتدني نسبة التأييد له وهبوطها الي اقل من 36 ٪ وسط الشعب الامريكي ، وهذا امر سوف نري اثاره في المستقبل القريب ، عندما يحين موعد انتخابات التجديد١ النصفي لأعضاء الكونقرس الأمريكي ، الامر الذي جعل الجمهوريين خاصة نواب الحزب الجمهوري في الكونغرس ، اول من يدق ناقوس الخطر ..
ومن الواضح ان ترامب يقع بالكامل تحت سطوة اللوبي اليهودي والمجموعات المتصهينة داخل البيت الابيض ، مثل سلفه بايدن ، وهم الذين حللوا شخصيته ، وادركوا ابعادها النرجسية ، التي تحب الظهور والاطراء والتعالي ، فزينوا له رغباتهم الخفية ، وخلقوا منها اهدافاً دفعوه الي تحقيقها ، وأن ذلك سوف يجلب له المجد والخلود ، ولكنهم في الحقيقة ، جعلوا منه كلباً مسعوراِ منبوذاِ يطارد عظماً ..
إن ترامب اذا اقدم علي شن حربٍ علي ايران ، ففي الحقيقة ، سيحارب صراحةً وليس مواربةً ، دفاعاً عن إسرائيل ، ونزولاً علي رغبات نتنياهو ، ولكن ما لم يتحسب له ترامب انها سوف تكون حرباً مفتوحةً علي كل الاحتمالات ، وتأثيراتها السالبة تمتد وتصب علي جميع المناحي السياسية والاقتصادية ، وسوف تؤثر بشدة علي الجغرافيا السياسية للمنطقة بكلياتها ، وربما تمتد ابعد ، لاننا نتحدث عن إحتياطي نفطي ضخم يعتمد عليه قطاع كبير من النشاط الاقتصادي العالمي ، وعن كتلة سكانية للمنطقة تفوق ال 250 مليون مواطن ، تمتد من ايران شرقاً ، حتي البحر الاحمر غرباً شاملة كل الجزيرة العربية ، ومنطقة العراق والشام بما فيها فلسطين المحتلة ، هذا اذا لم تدفع تداعياتها الي دخول مصر وربما تركيا ..
إن ترامب يجيد بداية وإستهلال الامور ، ولكنه سئ في خواتيمها ، ولا يعرف كيف ينهيها ، وربما يشعل حرباً لن تنتهي الا بالنووي ، وهو سلاح متاح حتي لايران حاليا ، فلا تفاوض في خضم المعركة ، ولا انسحاب بشرف ، فايران ليست فنزويلا ، يمكن غزوها او اذلالها بعدة جنود ، او اربع طائرات سمتية ، فهي حضارة ممتدة لالاف السنين ، وقومية متجذرة ، وتاريخ ماثل ومؤثر بشدة في تشكيل الحاضر ، وهي دولة عقائدية ، يرتكز وجودها واستمراريتها علي فكرة الرجعة ، وظهور قائم آل البيت ، لهذا فمن اخطر الامور الغير مجدية ، هو دفع الدولة القائمة علي الفكر الغيبي المقدس ، وقذفها الي المجهول ، والطلب منها ان تتصرف بعقلانية ، خاصة عند حالة إحساسها بالتهديد الوجودي ، فهنا لا خيار امامها الا خياراً واحداِ ، وهو خيار شمشمون ، وهد المعبد علي الجميع .