اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ونظام مايو: ما أردناه له وما أراده محي الدين صابر؟

عبد الله علي إبراهيم

كنت في 1970 عضواً في لجنة تكونت بعد قيام انقلاب مايو لتطوير جامعة الخرطوم برئاسة محي الدين صابر، وزير التربية والتعليم. وصدر عن شغلها كتاب بعنوان “تقرير اللجنة الوزارية لتطوير جامعة الخرطوم”. وكنت أنا ضمن لجنة فرعية للشؤون الاجتماعية اختصت بالنظر في أمر اطلاب بالجامعة. وفوجئنا بالتقرير لما عاد معتمداً من الوزير أنه قد حرره على هواه وارتكب تزويراً عظيماً. ولي تجربة لاحقة مماثلة مع محي الدين في أيام قيادته لليونسكو العربي. فجاءنا لجلسة ختامية لمؤتمر ما بتوصيات ما خطرت ببالنا نحن أعضاء لجنة التوصيات ممن سهر الليل وكملناه فيها.

المهم. اجتمعت طائفة من اللجنة وعكفنا على تحرير تصحيح للتقرير بينا فيها ما هو منه وما هو ليس منه (صدر ذلك التصحيح في منشور للتوزيع). وأنشر هنا ما جاء منه في الرد الذي كلفت بكتابته على تزوير تقرير اللجنة الاجتماعية الذي كنت من كتب مسودته أول الأمر (أو أنه مجرد إعادة نشر للتوصية نفسها). وكانت نقطة التزوير الكبرى في التوصية حول حق الطلاب في الانشغال بالمسائل الوطنية المؤدية للسياسة كما لا يخفى: هل هو حلال كما وصينا أم حرام ، كما يريد نظام ديكتاتوري مثل 25 مايو. فبارك تقريرنا ذلك الحق مع مآخذ عليه كما سترى في حين جاء التقرير الختامي برفض ما درج عليه طلاب الجامعة من الاهتمام بالقضايا الوطنية في اتحادهم.

رأي اللجنة الاجتماعية حول تنظيم اتحاد الطلاب

أنظر الصفحة 22 من التقرير (التي جاء فيه التزوير في التقرير الختامي الذي ليس بطرفي الآن)

  (تجاوزت مقدمة سياسية لا حاجة للقارئ هنا بها)

    يميل البعض لتصور نشاط الطلاب فيما بعد مايو منصرفاً بكليته إلى النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي بحيث يتضاءل وبالتدرج السياسي. وهذا التصور هو جزء من تقليد قديم في النظر إلى نشاط الطلاب، تقليد أن الطالب يطلب العلم لا غيره وإن بقي له نشاط زائد فليتدفق ذلك في الجمعيات وميادين الرياضة. وحاولت حكومة العهد العسكري 58 – 1964 جهدها في استثمار هذا التقليد حتى تصرف الطلاب عن ملاحقة سياستها العرجاء. ويعود هذا الفهم فيما بعد مايو بدعوة الحرص على الثورة من جهة وللحرص على الطلاب من جهة أخرى.

كون الطلاب يبالغون في تقدير حجمهم السياسي في عملية التحول الاجتماعي في بلدنا لا يعني بأي درجة من الدرجات تجريدهم من الممارسة السياسية بحجة الانصراف كلية إلى أي نشاط آخر. لقد تبين لنا حين استعرضنا نشاط الطلاب الاجتماعي والثقافي والرياضي الارتباط الوثيق بين إسرافهم السياسي وبين الخلل الحادث في تلك النشاطات. أن دعواهم بكونهم قادة مجتمعهم قد انعكست على نشاطهم الاجتماعي والثقافي والرياضي. فإهمال الرياضة للتحصيل الاجتماعي (؟) والوصاية والرحلات المسرفة إلى الريف في نشاطهم لتطويره والترفع عن العمل اليدوي الشاق في تدبير شئونهم ضعف يشير إلى صلة واصلة بين تصور الطلاب لحجمهم السياسي وبين اهتماماتهم ونشاطهم الاجتماعي.

    من الجانب الاخر نجد لزاما علينا احتضان وبلورة خير التقاليد في حركة الطلاب السودانيين، وهو اصرارهم على الانفتاح على مجتمعهم. لقد غرسوا هذا الانفتاح في وجه القوى التي ارادت لهم التلمذة وحسب. لقد تخطوا الفهم السلفي عن الطالب وتكريس وقته للعلم وقاوموا على طوال الحكم العسكري (القانون رقم 9)، الذي اصدرته الجامعة 1960، والذي يرى في اتحاد الطلاب منظمة غير سياسية وغير حزبية (والحزبية أمر غير وارد في تصور الطلاب في اتحادهم) لقد مارس الطلاب دائماً ما هو متضمن في دستورهم الحالي (الاهتمام بالمسائل الوطنية) بفعالية برغم المآخذ والنقد الذي اوردناه مراراً. ولقد مارسوا محظوراً آخر عليهم وهو المشاركة في النظر والنقد في الهيكل الأكاديمي ببصيرة برغم القصور الذي ترميهم به النظرة السلفية والأستاذية القحة (؟)وبرغم الحظر القائم عليهم بنص قانون الإتحاد الحالي (قانون 23). وطالما كان للطلاب بحكم تقاليدهم وبحكم المهام التي تنتظرهم في ظل الثورة دور إيجابي في مجمل الحركة السياسية الراهنة في بلادنا فلزاماً علينا استثمار طاقاتهم بفعالية وصبر وأن يأخذ النظام الثوري بيدهم ليلعبوا ذلك الدور إلى غايات مظفرة ومثمرة وذلك بما يأتي:

1-الانتباه والتنبيه إلى حجم الحركة الطلابية في عملية التحول الاجتماعي الجارية في بلادنا. فهم ليسوا وحدهم القادة ليتولوا أمر المجتمع في الوقت الذي تنهض القوى العاملة لاحتلال مراكزها في قيادة عمليتي التحول الاجتماعي والإنتاج. فهم بالأحرى المتخصصون في فروع المعرفة المختلفة الذين تنفق عليهم البلاد من حر مالها ليكونوا في خدمة التحول الاجتماعي بفكرهم وبحماستهم وبتطلعهم. والمسألة على هذا الوجه رهينة بالمهمة التي يبدأ بها العمل الثوري في بلادنا بتغيير الأساس والمادي لمجتمعنا ولدفع القوى العاملة إلى مراكز الصدارة السياسية والاجتماعية كما حدث في اختيار ممثلين للعاملين في مجلس الجامعة مثلاً.

وبارتداد الحركة الطلابية إلى حجمها السياسي الحقيقي تجد نفسها أمام مسلك جديد تجاه النشاط الاجتماعي والثقافي والرياضي. وكذلك تواجه إدارة الجامعة مسئولية دفع هذا المسلك الجديد لتسخير الإمكانيات والمنافذ له. وعلى رأس المسائل في هذا المسلك الجديد تأتي مسالة الكفاءة الادارية في تسيير النشاط الطلابي.

طبيعة هيكل الاتحاد الراهنة تحتاج الى تغيير لكي يسير على طريقة الكفاءة في تسيير حركة الطلاب. لقد نشأ هيكل الاتحاد الراهن على قاعدة قليلة من الطلاب. ولكن التوسع الهائل في عدد الطلاب مع ازدياد الاهتمامات والمشاكل بالتالي جعل هذا الهيكل عقيماً ومشلولاً دون أن نغض النظر عن الخلافات السياسية الحسنة. إن وجود مجلس ولجنة تنفيذية منتخبة مباشرة بواسطة كل الطلاب قد أضحى شكلاً متخلفاً وغير مفيد. إنا نرى أن تقوم انتخابات الاتحاد على أساس الكلية حيث يكون لكل كلية اتحادها وأن يشكل مندوبو اتحاد كل كلية مجلس الإتحاد، وأن ينتخب هذا المجلس اللجنة التنفيذية الواحدة لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم. ويبرر وجود اتحاد الكلية المقتضيات الجديدة من تلاحم الأساتذة والطلاب بصورة أشمل ونضج لإثراء حياة الكلية

إن تضخم مكتب المشرف علي الطلبة لم يحسم مسالة الكفاءة الإدارية إذ أن تحسين كفاءة الإدارة الرسمية شيء وتحسين الكفاءة للإدارة الطلابية شيء آخر. ونرى في هذا الصدد ان يكون للاتحاد متفرغين من الطلاب ممن هم دون التخريج- أو من الخريجين – يعملون كضباط للاتحاد لمدى عامين وان يدفع لهم من خزينة الاتحاد وان يكونوا تحت تصرف الاتحاد وتوجيه والا يندمجوا بأي صورة مع الجهاز الرسمي للجامعة. وأن ينال هؤلاء المشرفون التدريب اللازم محلياً او في الاتحادات والمؤسسات الطلابية العالمية حتى يتمكنوا من تحسين إدارة الإتحاد.

انتهى

Exit mobile version