الصحفي الذي يأكله الاستقصاء!

خالد محمد أحمد

في زمنٍ أصبحت فيه الوثيقة المسرَّبة من أقصر الطرق إلى النجومية الصحفية، قد يبدو الصحفي الذي يكشف ملفَّات الفساد وينشر المستندات السريَّة وكأنَّه بلغ قمَّة النجاح المهني؛ إذْ يحظى بالمتابعة، وتلتفُّ حوله الأضواء، وتصبح أخباره محلَّ نقاشٍ عام، وربما يتحوَّل إلى اسمٍ حاضرٍ في السجال السياسي والمجتمعي.

ولكن هل تكفي القدرة على الوصول إلى الوثائق وتحقيق الحضور الإعلامي لخلق صحفي مميَّز؟

يحتاج هذا التصوُّر، في تقديري، إلى مراجعةٍ في بيئتنا الصحفية مع التأكيد أن الصحافة الاستقصائية بلا شكٍّ من أهمِّ فروع المهنة، وأن كشفَ الفساد والتجاوزات خدمةٌ جليلةٌ للمجتمع قد تُسهم في مساعدة الجهات الرقابية والقضائية على أداء واجبها.

غير أن الخلل يبدأ عندما تتحوََّل الصحافة الاستقصائية من أداةٍ من الأدوات العديدة التي يستخدمها الصحفي إلى هُويَّةٍ تطبع مسيرته كلَّها.

وعندما يصبح انتظار التسريبات بديلًا عن البحث، ونشرُ الوثائق بديلًا عن الإبداع والتحليل، ينتهي الحال بالصحفي إلى أن يكون مُقتاتًا على المستندات، ومجرَّدَ صندوقِ بريدٍ يستقبل ما يُرسَل إليه؛ فالصحفي الذي ينتظر الوثيقة قد يفقد تدريجيًّا القدرة على صناعة القصص؛ لأن العمل الصحفي لا يبدأ دائمًا بما يصل إلى بريده، بل بما يراه هو من أسئلةٍ وثغراتٍ وتحوُّلاتٍ تستحق البحث والكشف.

ومن الخطورة بمكان أن يخسر الصحفي استقلاليته؛ إذْ قد تدفعه حاجته إلى المستندات ليصبح أداةً في معارك الآخرين، ويقع أسيرًا لمصادره فلا يملك زمام المبادرة، بل ينتظر من يُحدِّد له ماذا يكتب، ومتى يكتب، وضدَّ من يكتب. وقد يظنُّ أنه يمارس أعلى درجات الاستقلال، بينما هو في الحقيقة لا يتحرَّك إلا داخل الحدود التي رسمها له أصحاب المعلومات، الذين قد تكون لهم خصوماتهم ومصالحهم وأهدافهم التي لا تمتُّ إلى المصلحة العامة بصلةٍ.

ثم إن الصحفي الذي يجعل التسريبات محور عمله عليه أن يُحسِن اختيار معاركه، فليست كلُّ مخالفةٍ صغيرةٍ جديرةً بأن تستنزف وقته وجهده؛ فقيمة الصحافة الاستقصائية لا تُقاس بعدد الوثائق المنشورة فحسب، بل بقدرتها على كشف مواطن الخلل البنيوية التي تمسُّ حياة الناس، وتُؤثِّر في مؤسسات الدولة ومستقبل البلاد.

ولذلك، فبدلًا من الانشغال بمظاهر الفساد الصغيرة بمعزلٍ عن جذورها، ينبغي أن يتَّجه الصحفي إلى القضايا الكبرى، وأن يرصد شبكات المصالح والنفوذ الاقتصادي، ويفكِّك آليات إهدار الموارد العامة، ويبحث في الملفَّات التي تتدفَّق فيها الأموال الضخمة أو التي تترك آثارًا عميقةً في الاقتصاد والمجتمع، ويكشف المنظومات التي تُنتج مثل هذه التجاوزات وتسمح باستمرارها.

لكن ماذا يحدث عندما تشحُّ التسريبات؟ وما الذي يفعله الصحفي الذي بنى حضوره كلَّه على انتظار الملفَّات؟

الواقع أن بعض الصحفيين الذين يحصرون أنفسهم في هذا اللون من العمل يتراجع إنتاجهم في المجالات الأخرى؛ فلا تكاد تجد لهم حضورًا في التحليل السياسي، أو تناول القضايا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو قراءة التطوُّرات الإقليمية والدولية؛ لأنهم انشغلوا بالحصاد السريع على حساب الزراعة الطويلة المتمثِّلة في تنمية ملَكاتهم في القراءة والتحليل والاستنتاج.

ومع مرور الوقت، تضمُر هذه المهارات، ويصبح من الصعب عليهم استعادتها بالكفاءة نفسها؛ فمَلَكة التحليل لا تُولَد بين عشيةٍ وضحاها، بل تُنمَّى بالقراءة اليومية، ومتابعة الأحداث، وفهم التاريخ، واستيعاب الاقتصاد، والإحاطة بعلم الاجتماع، وتراكم المعرفة يومًا بعد يوم. ومن يتقاعس عن صقل هذه المَلَكة يفقدها تدريجيًّا حتى وإنْ ظلَّ اسمه حاضرًا في وسائل الإعلام.

ولهذا، فإن جوهر المشكلة ليس في الوثيقة، ولا في الصحافة الاستقصائية، وإنما في اختزال الصحافة كلِّها في الوثيقة، وتحويل الاستقصاء من وسيلةٍ لاكتشاف الحقيقة إلى غايةٍ قائمةٍ بذاتها.

ومن نافلة القول إن الصحافة الاستقصائية نفسها لا تبدأ بالوثيقة وتنتهي عند نشرها؛ إذْ إن الوثيقة ليست سوى نقطة البداية، ونشرُها لا يؤدِّي إلا نصفَ المهمَّة. أمَّا أداء الرسالة الصحفية كاملةً، فلا يتحقَّق إلا بوضعها في سياقها الصحيح، وشرح خلفياتها، وكشف أسبابها، وبيان آثارها، ومقارنتها بتجارب أخرى، واستشراف مآلاتها والحلول الممكنة لمعالجتها.

ولذلك، فإن الوثيقة قد تمنح الصحفي سبقًا صحفيًا، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة صحفيٍّ متميِّز، لأن قيمة الصحفي لا تكمن فيما يحصل عليه من معلوماتٍ فحسب، بل في قدرته على فهمها وتحليلها وربطها بسياقها، وتحويلها إلى معرفةٍ تُضيف إلى وعي الناس؛ فالصحفي الناجح يحتاج إلى عين الباحث الاستقصائي التي تكشف الخلل، وإلى عقل المحلِّل الذي يفسِّره ويضعه في إطاره الصحيح.

ولهذا السبب، نجد أن بعض الصحفيين يُحقِّقون شهرةً واسعةً في سنواتٍ قليلة، ثم لا يلبث حضورهم أن يتراجع سريعًا، لأنهم ارتبطوا بملفٍّ واحد، أو حصروا أنفسهم في قالبٍ واحد من الكتابة، أو اعتمدوا على مصدرٍ واحد للمعلومات. وما إن تتغيَّر الظروف حتى تنكشف محدوديَّة أدواتهم وإمكاناتهم.

أمَّا الصحفي الذي يستثمر في نفسه، ويبني مسيرته على المعرفة، ويُجيد كتابة الخبر كما يُجيد المقال والتحليل، فإنه لا يرهن حضوره بوفرة الوثائق ولا باستمرار تدفُّق التسريبات، بل يراكم لنفسه رصيدًا مهنيًّا لا يرتبط بحدثٍ عابر ولا بقضيةٍ مؤقتة، لأن مادته الحقيقية هي عقله وثقافته وخبرته، التي تُمكِّنه من الانتقال بين الملفَّات المختلفة بسلاسةٍ، وفهم تعقيداتها، وتقديم قراءةٍ تُضيف إلى وعي القارئ في كلِّ مرَّة. وهذا النوع من الصحفيين قد لا يكون الأكثر ضجيجًا، لكنه غالبًا ما يكون الأكثر بقاءً وتأثيرًا.

خلاصة القول إن امتلاك المصادر والحصول على الوثائق قد يفتحان الطريق إلى الحقيقة، لكنهما لا يصنعان وحدهما صحفيًّا ناجحًا؛ فهذه الأدوات على أهميتها تظلُّ جزءًا من منظومةٍ أوسع لا تكتمل من دون القدرة على الفهم والتحليل وبناء المعرفة. لذلك، فإن على مَن يركِّزون على هذا النمط من الصحافة ألَّا يحبسوا أنفسهم فيه، وألَّا يجعلوه هُويَّتهم المهنية الوحيدة، أو يربطوا حضورهم الصحفي بانتظار الملفَّات والتسريبات، بل أن يوسِّعوا معارفهم ومداركهم، ويُنوِّعوا أدواتهم؛ فالوثائق قد يمتلكها غيرهم، وقد تصل إلى أكثر من صحفي، أمَّا القدرة على تحليلها ووضعها في سياقها واستخلاص دلالاتها، فهي التي تمنح الصحفي قيمته المهنية الحقيقية؛ وهي الرصيد الذي يبقى عندما تتغيَّر الملفَّات، وتنقطع التسريبات، ويخفت الضجيج.

16 يوليو 2026

Exit mobile version