أيها الساسة افسحوا

بسم الله الرحمن الرحيم
استفهامات
أحمد المصطفى إبراهيم
Istifhamat1@gmail.com

في جلسة مع أحد الأصدقاء السعوديين قال لي: «الآن أُصفّي أعمالي التجارية». قلت مندهشاً: خير إن شاء الله، لماذا؟ قال: «الحمد لله، بلغت الستين، ويجب أن نفسح المجال للأجيال التي بعدنا ونتفرغ للعبادة والراحة».
استوقفتني عبارة «إفساح المجال للأجيال القادمة»، وتذكرت سياسيي السودان – هداهم الله – ومنهم، بل كثير منهم، تجاوز الثمانين وما زال يلهث ليجد مقعداً في أي حكومة قادمة (طبعاً يمكن ذكر عشرات الأسماء وعلى رأسها مبارك الفاضل). والسؤال الذي يُحيّر: ماذا قدم هؤلاء السياسيون في الماضي، وماذا يريدون أن يقدموا؟
الواضح أنهم لا يتصارعون ولا يتنافسون في تقديم برامج ولا خطط، وليس لهم ما بدأوه ليقولوا: نريد أن نكمل ما بدأنا من مشاريع قطعها علينا الانقلاب الفلاني.
كل همهم الامتيازات والمخصصات والعيش الناعم من خزينة الدولة، مقابل ماذا؟ هذا ما لا يحرك ضمائرهم. ولا تسأل عن الورع والحلال والحرام، فهذا مفقود إلى حد كبير – إلا من رحم ربي – وحتى هذا الذي رحمه ربي سيجد من يقول له: «القانون يمنحك هذا». والقانون وضعه مجلس تشريعي، أو مجلس رئاسي تهاوناً، أو ضعفاً، أو شراءً للذمم.
الأجيال القادمة أكثر علماً ومعرفة، والأمل فيها كبير، تنتظر فقط من جيل «العواجيز» هؤلاء أن يفسحوا لها الطريق. وحتى في هذه الحكومة، هناك أمثلة ناصعة لشباب لديهم ما يعطونه ويفيدون به البلاد (اعفوني من ذكر الأسماء حتى لا يحسدهم عطالة السياسة). ولا علم لي ببواطن الأمور، ولكن يمكنني أن أجزم بأن الاستمتاع بالمال العام ليس في قواميسهم؛ لأن لديهم مؤهلات هي سلاحهم، ويمكنهم أن يعيشوا مستوري الحال من تخصصاتهم. وكثير من عجائز السياسيين ليس لديهم مهن ولا مؤهلات، ولا يعرفون الرفاهية إلا على حساب الشعب (عفواً، لديهم مؤهلات إجادة اللت والعجن والحلاقيم واللعلعة).
نحتاج لتقوم لهذه البلاد قائمة إلى عدة أشياء، منها:
• أولاً: قدوة حسنة في قمة الهرم السياسي، يكون زاهداً جداً، يرفض كل خيارات الرفاهية التي (يدردقها) له من هم تحته ليعيثوا فساداً. يزهد في أثاث المكاتب، والسيارات عددها وأنواعها، ويزهد في مخصصات السفر.
• ثانياً: إعادة النظر في كل قوانين المخصصات، وخصوصاً قانون مخصصات الدستوريين.
• ثالثاً: السيارات الحكومية؛ أن تُجرى دراسة لما يُنفق من خزينة الدولة على السيارات الحكومية من شراء وصيانة ووقود، ومقارنته بما يُنفق على التعليم والصحة والخدمات الأخرى (نقرأ من حين لآخر أن رئيس دولة كذا يقود سيارته الخاصة وموديلها يعود لعشر سنوات إلى الوراء، ونقرأ أن ميركل سكنت شقتها الخاصة طوال حكمها لألمانيا). ما الذي يجعل دولة مثقلة بالجراح تنفق على الوزير الواحد ما لا تنفقه على ألف معلم؟!
خلاصة الأمر: أن نجعل الوظائف السياسية طاردة، ولا يقدم عليها إلا المخلصون الذين يقدّمون الوطن على شهواتهم الخاصة.

Exit mobile version