الكيل بمكيالين.. واشنطن بين “إرهاب” الحوثيين و”براءة” الدعم السريع

د. إسماعيل ساتي

نُشر تصريح منسوب إلى السفارة الأمريكية في اليمن، بشأن احتجاز موظفيها، يفيد بأن للحكومة اليمنية الحق في إنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب.
هنا تتجلى بصورة فاضحة ازدواجية المعايير التي تحكم كثيراً من مواقف السياسة الأمريكية تجاه أزمات المنطقة. فبينما ترفع واشنطن صوتها عالياً عندما يتعلق الأمر بجماعة الحوثي في اليمن، وتصفها بالإرهاب، وتتخذ ضدها إجراءات سياسية وعسكرية واقتصادية، تبدو اللغة الأمريكية تجاه مليشيا الدعم السريع في السودان أكثر التباساً، وأحياناً أكثر تساهلاً، رغم سجل طويل من الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها هذه المليشيا بحق المدنيين السودانيين.

وهنا لا يتعلق الأمر بالسؤال عن مشروعية موقف واشنطن من الحوثيين في حد ذاته، والذي نؤيده، ولا بالدفاع عن أي جماعة تمارس العنف ضد المدنيين أو تهدد أمن الدول والممرات البحرية. السؤال الأكثر إلحاحا هو: لماذا يصبح العنف والإرهاب سبباً كافياً للحرب والتصنيف والعقوبات عندما يكون الفاعل حوثياً، بينما يتحول العنف نفسه إلى ”طرف في نزاع“ عندما يكون الفاعل هو الدعم السريع؟

فإذا كان معيار واشنطن هو حماية المدنيين، فلماذا لا يكون المعيار واحدا؟ وإذا كان المعيار هو محاربة الإرهاب، فلماذا تختلف اللغة والإجراءات باختلاف الجهة التي تمارس العنف؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تقول إنها تعمل من أجل السلام في السودان، فكيف يمكن أن يكون السلام عادلاً إذا لم يبدأ بتحديد المسؤولية عن الجرائم، ومساءلة من ارتكبها، بدلا من وضع المعتدي والمدافع عن الدولة في كفة واحدة؟

من اليمن إلى السودان: أين يختفي المعيار؟

في اليمن، تعاملت الولايات المتحدة مع الحوثيين باعتبارهم تهديداً أمنياً وسياسياً يتجاوز حدود اليمن. فالهجمات على الملاحة في البحر الأحمر، والتهديدات المرتبطة بأمن إسرائيل والمصالح الأمريكية، جعلت واشنطن تنظر إلى الجماعة باعتبارها جزءاً من شبكة تهديد إقليمية لا يمكن التساهل معها. ولذلك لم تتردد في استخدام لغة شديدة الحدة، واتخاذ إجراءات مباشرة ضدها.

ولا أحد يستطيع أن يجادل في أن تهديد الملاحة الدولية أو استهداف المدنيين أمر خطير، وأن للدول الحق في حماية مواطنيها ومصالحها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المبدأ من قاعدة عامة إلى أداة انتقائية تطبق على طرف، ويتم تعطيلها أو تخفيفها عندما يتعلق الأمر بطرف آخر.

ففي السودان، لا يتعلق الأمر بحوادث محدودة أو بخلاف سياسي يمكن احتواؤه عبر التفاوض. نحن أمام حرب أوقدها الدعم السريع لتخلق واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، ولتدفع ملايين السودانيين إلى النزوح، ولتدمر المدن والبنية التحتية، ولتفتح الباب أمام انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

والدعم السريع ليس مجرد جماعة سياسية تختلف مع الحكومة أو مؤسسة عسكرية يمكن مساواتها بالجيش السوداني باعتبارهما طرفين متكافئين في نزاع سياسي كما يزعم البعض. إنه تشكيل مسلح نشأ أصلا خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة، وتحول إلى قوة عسكرية ضخمة تمتلك السلاح والموارد والشبكات الاقتصادية والعلاقات الإقليمية، ثم دخل في مواجهة مفتوحة مع الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان استخدام القوة ضد المدنيين وتهديد الأمن والاستقرار معياراً للإرهاب أو للعقوبات في مكان، فلماذا يصبح في السودان مجرد ”خلاف بين طرفين“ يحتاج إلى تسوية سياسية؟

العدو حين يكون عدواً.. والأداة حين تصبح أداة:

ربما تكمن الإجابة في أن السياسة الأمريكية لا تتحرك دائما وفقا للمبادئ التي تعلنها، وإنما وفقاً لمزيج من المصالح الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية وحسابات النفوذ.
في اليمن، أصبح الحوثيون خصماً واضحا للمصالح الأمريكية والغربية في المنطقة. فهم يمثلون جزءاً من محور إقليمي تعتبره واشنطن منافساً وخطراً على حليفها الأوحد إسرائيل، كما أن هجماتهم على الملاحة الدولية تمس مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة.
أما السودان، فالصورة أكثر تعقيداً. السودان بلد غني بالموارد، ويتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، ويقع عند نقطة التقاء القرن الأفريقي بالبحر الأحمر والعالم العربي. ولذلك فإن الصراع عليه ليس مجرد صراع داخلي بين قوتين عسكريتين، بل تتداخل فيه مصالح إقليمية ودولية متعددة. وهنا تبرز خطورة التعامل مع الحرب السودانية باعتبارها مجرد مواجهة بين ”طرفين متحاربين“، من دون النظر إلى طبيعة كل طرف ومشروعه ومصادر قوته وعلاقاته الخارجية.
فالجيش السوداني يمثل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، بينما الدعم السريع قوة مسلحة نشأت خارج الإطار التقليدي للدولة ثم دخلت في مواجهة عسكرية معها. والمساواة السياسية بين الطرفين، إذا لم تراع هذا الفرق الجوهري، تعني عملياً تجاهل طبيعة الصراع نفسه. والأخطر من ذلك أن التسوية التي تتعامل مع الدعم السريع باعتباره مجرد شريك سياسي مساو للدولة ومؤسساتها قد تؤدي، بدلا من إنهاء الحرب، إلى مكافأة من حمل السلاح ضد الدولة، وإرسال رسالة خطيرة مفادها أن الطريق إلى السلطة في السودان لا يمر بالانتخابات والمؤسسات، وإنما عبر بناء قوة مسلحة ثم فرض وجودها على طاولة التفاوض.

حين يتحول “المدني” إلى غطاء سياسي:

ولا تكتمل صورة هذه السياسة من دون التوقف عند الدور الذي لعبته بعض القوى المدنية السودانية التي تحولت، في نظر قطاعات واسعة من السودانيين، إلى غطاء سياسي للحرب أكثر من كونها قوة مستقلة تعمل على إنهائها.
فقد ظهرت خلال السنوات الماضية تسميات وتحالفات متعددة، من ”قحت“ إلى ”تقدم“ ثم ”صمود“، وربما ”تأسيس“، وجميعها رفعت شعارات الديمقراطية والمدنية وإنهاء الحرب. لكن المشكلة ليست في شعار المدنية والديمقراطية؛ فلا أحد يمكنه أن يعترض على قيام دولة مدنية ديمقراطية. المشكلة في التحالفات السياسية التي عقدتها بعض هذه القوى، وفي المواقف التي اتخذتها، وفي استعدادها للتعامل مع الدعم السريع باعتباره شريكاً سياسياً طبيعياً، رغم طبيعة القوة التي يمثلها والسجل المجرم المنسوب إليها من الانتهاكات.
وهنا يجب التفريق بين المدني الحقيقي الذي يرفض الحرب من أي طرف، وبين من يستخدم شعار المدنية لتبرير موقف سياسي منحاز إلى طرف مسلح همه الأول هو إعادة تأسيس الدولة السودانية ضد قيم ورغبة شعبها.
فليس كل من رفع شعار الديمقراطية يمثل الديمقراطية، وليس كل من تحدث باسم الشعب السوداني يمثل الشعب السوداني. الشرعية السياسية لا تُكتسب بمجرد عقد مؤتمر صحفي في الخارج أو إصدار بيان سياسي أو الحصول على اعتراف من عاصمة أجنبية.

والشعب السوداني نفسه هو صاحب الحق في تحديد من يمثله.

ومن الخطورة بمكان أن تتحول هذه القوى إلى قناة تمنح الشرعية السياسية لمن يحمل السلاح، بينما يجري تصوير مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، باعتبارها العقبة الرئيسية أمام السلام.

إن السلام الذي يقوم على إعادة توزيع الأدوار السياسية بين المسلحين ومن يساندهم سياسيا لا يعالج جذور الأزمة، وإنما يعيد إنتاجها في صورة جديدة.

مسعد بولص.. عندما تصبح الوساطة جزءا من المشكلة:

وهنا نصل إلى الدور المحوري للمبعوث الأمريكي مسعد بولص، الذي أصبح حلقة الوصل في تنفيذ هذه السياسات الانتقائية في الملف السوداني. فمواقفه وتصريحاته لا تبدو مجرد مواقف دبلوماسية عابرة، بل تكشف عن قراءة للصراع تثير كثيراً من علامات الاستفهام، خصوصاً عندما يصر على تحميل الجيش السوداني مسؤولية إطالة أمد الحرب، أو يوجه إليه اتهامات لم يثبتها بدليل واحد، في الوقت الذي يجري فيه التعامل مع الدعم السريع باعتباره طرفاً سياسياً يمكن إدماجه في تسوية مستقبلية، رغم الاتهامات الخطيرة الموجهة إليه، والمدعومة بأدلة ووقائع لا تقبل الشك.

والأكثر إثارة للقلق أن هذا النهج لا يكتفي بالتعامل مع الدعم السريع كطرف عسكري في النزاع، وإنما يمتد إلى البحث عن قنوات سياسية تمنحه شرعية غير مباشرة، عبر كيانات مدنية ارتبطت بمواقفه السياسية أو وفرت له غطاءً سياسياً. وهنا يبدو دور بولص أقرب إلى إعادة صياغة المشهد السوداني بما يتوافق مع تصور سياسي محدد، بدلاً من أن يكون وسيطاً يعمل على معالجة جذور الصراع وفق معيار واحد.

فعندما يُحمّل الجيش، بوصفه مؤسسة الدولة، مسؤولية إطالة الحرب، بينما تُمنح القوة التي شنت الحرب ووسعت نطاقها وظلت تواجه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، فرصة الظهور باعتبارها مكوناً سياسياً يمكن استيعابه في مستقبل السودان، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بوساطة تبحث عن السلام، وإنما بطبيعة السلام الذي يجري السعي إلى فرضه.

كيف يمكن أن يكون الجيش هو المشكلة الأساسية، بينما يجري التعامل مع الدعم السريع، رغم ما يحيط به من اتهامات ووقائع موثقة، باعتباره شريكاً سياسياً يمكن أن يكون له موقع في مستقبل الدولة؟

إن هذا النوع من المقاربة لا يؤدي إلى السلام بقدر ما يؤدي إلى إعادة تعريف الصراع نفسه. فبدلاً من أن تكون الأسئلة الأساسية هي: من بدأ الحرب؟ ومن يتحمل مسؤولية الانتهاكات؟ ومن يملك الحق في حمل السلاح داخل الدولة؟ وكيف يمكن إعادة بناء الدولة ومؤسساتها؟ يصبح السؤال: كيف نقسم السلطة بين طرفين؟

وهذا تغيير خطير في طبيعة القضية، لأنه يحول الصراع من قضية دولة تواجه تمرداً مسلحاً إلى مجرد تنافس بين قوتين على السلطة، ويجعل امتلاك القوة العسكرية وسيلة مشروعة لانتزاع موقع على طاولة الحكم.

فالوساطة الحقيقية لا تعني مساواة المعتدي بالمدافع، ولا تعني غض الطرف عن الجرائم بحثاً عن صفقة سياسية. كما لا تعني منح الشرعية السياسية لمن يفرض وجوده بقوة السلاح. الوساطة الحقيقية تبدأ بتشخيص صحيح للأزمة، ثم الضغط على جميع الأطراف وفق معيار واحد، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم، مع ضمان أن تكون نتيجة التفاوض دولة واحدة، وجيش واحد، وسلطة مدنية تستمد شرعيتها من الشعب، لا من السلاح أو الاعتراف الخارجي.

السلام لا يصنعه الكيل بمكيالين:

إن الولايات المتحدة مطالبة، إذا كانت جادة في مساعدة السودان على الخروج من الحرب، بأن تطبق على السودان المعيار نفسه الذي تطبقه في أماكن أخرى.
لا يمكن أن يكون استهداف المدنيين جريمة عندما يرتكبه الحوثيون، ثم يصبح مجرد ”انتهاك“ أو ”جزءاً من تعقيدات الحرب“ عندما ترتكبه مليشيا الدعم السريع.
ولا يمكن أن يكون حمل السلاح خارج إطار الدولة تهديدا للأمن عندما يتعلق الأمر بجماعة في اليمن، بينما يصبح ”طرفا سياسيا“ عندما يتعلق الأمر بقوة مسلحة في السودان.

ولا يمكن أن يكون الدفاع عن مؤسسات الدولة مبدأ مشروعاً في بلد، ثم يتحول في بلد آخر إلى عقبة أمام السلام.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله واشنطن في السودان هو أن تبحث عن سلام سريع بأي ثمن، فتتجاهل جذور الأزمة، وتتعامل مع القوة المسلحة باعتبارها طريقاً مشروعاً إلى السلطة، وتستخدم بعض الواجهات المدنية لتوفير الغطاء السياسي لذلك.
فالسلام الحقيقي ليس مجرد توقيع اتفاق بين قيادات سياسية وعسكرية. السلام الحقيقي هو أن يشعر المواطن السوداني أن الدولة عادت دولة له، وأن القانون أقوى من البندقية، وأن السلاح لا يمنح صاحبه حقاً إضافياً في تقرير مستقبل البلاد.

كلمة أخيرة إلى واشنطن:

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن السياسة القائمة على المعايير المزدوجة لا تصنع سلاماً دائماً، بل تصنع أزمات مؤجلة.
وإذا كانت واشنطن تريد فعلاً أن تكون وسيطاً نزيهاً في السودان، فعليها أن تبدأ من قاعدة بسيطة: لا إرهاب مقبولاً وإرهاب مرفوضاً، ولا مليشيا إرهابية هنا ومليشيا ”سياسية“ هناك، ولا مدنيون يمثلون الشعب السوداني لمجرد أن واشنطن قررت التعامل معهم كممثلين له.
الشعب السوداني أدرى بمن يمثله، وهو الذي دفع ثمن هذه الحرب من دمائه وبيوته ومدنه ومستقبله.
أما محاولة إعادة صياغة الواقع السوداني من خارج السودان، أو فرض معادلات سياسية لا تستند إلى إرادة السودانيين، فلن تنتج سلاماً مستقراً، وإنما ستؤجل الانفجار القادم.

لقد آن لواشنطن أن تدرك أن شعوب المنطقة لم تعد تنظر إلى السياسة الأمريكية من خلال بياناتها الرسمية، وإنما من خلال الفارق بين ما تقوله وما تفعله.
وحين يرى السودانيون أن جماعة تُصنَّف إرهابية في مكان يمكن أن تجد لها واشنطن توصيفاً مختلفاً في مكان آخر، فإن الرسالة التي تصلهم ليست رسالة سلام، وإنما رسالة واضحة: المعيار ليس الجريمة، وإنما موقع مرتكبها من ميزان المصالح الأمريكية.
وهذا هو جوهر الكيل بمكيالين.. وهو، في النهاية، لا يسيء إلى السودان وحده، ولا إلى ضحايا الحرب وحدهم، وإنما يسيء إلى صورة السياسة الأمريكية نفسها تجاه شعوب العالم، ويقوض الثقة في أي دور أمريكي يدعي السعي إلى سلام عادل ومستدام.

Exit mobile version