السودان ليس مشروعاً أجنبياً رؤية سوداني ناجٍ من الأسر والتعذيب حول اجتماع ويلتون بارك، والتدخل الخارجي، وفشل السياسات الدولية، ومعركة الدفاع عن السيادة الوطنية

بقلم: يسلم الطيب

لا أكتب عن السودان بصفتي مراقباً بعيداً يتابع ما يجري عبر البيانات الدبلوماسية أو أوراق مراكز الأبحاث أو نشرات الأخبار. أكتب بصفتي مواطناً سودانياً، وناجياً من الأسر والتعذيب، وشاهداً على جوانب من تدخل دولة الإمارات العربية المتحدة في السودان.

لهذا، فإن موقفي ليس موقفاً نظرياً أو سياسياً مجرداً. إنه نابع من التجربة؛ مما رأيته، وما عشته، وما تحملته، ومن متابعتي لبلادي وشعبي وهما يدفعان ثمناً باهظاً، بينما يلتزم جزء كبير من العالم الصمت، أو يصر على أن يشرح للسودانيين ما يحدث في السودان وكأنهم عاجزون عن فهم مأساتهم بأنفسهم.

أنا أؤمن بسيادة السودان واستقلاله ووحدة أراضيه وحقه في الحفاظ على مؤسساته الوطنية. لكن الدفاع عن السودان لا يعني الادعاء بأن الحكومة السودانية أدت واجبها كما ينبغي. لم تفعل ذلك.

الحكومة ضعيفة، ومفككة، وكثيراً ما تبدو وكأنها تعمل بلا خطة وطنية واضحة، ولا رؤية سياسية متماسكة، ولا استراتيجية مقنعة تقود البلاد للخروج من الحرب.

وقد أسهم هذا الضعف في زيادة معاناة الشعب السوداني.

لكن فشل الحكومة لا يمنح بريطانيا أو الإمارات أو أي دولة أجنبية أخرى الحق في اختيار ممثلين بدلاء للسودان، أو تصميم مستقبلنا خلف الأبواب المغلقة، أو التعامل مع سيادتنا وكأنها عائق أمام الترتيبات السياسية التي يفضلونها.

السودان يحتاج إلى المساعدة. ويحتاج إلى دعم دولي هائل للخروج من هذه الكارثة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين مساعدة بلد جريح على الوقوف من جديد، وبين استغلال ضعفه لتحديد من ينبغي أن يحكمه.

وهذا هو جوهر الجدل حول اجتماع ويلتون بارك.

القضية الأساسية هي السيادة

تم التعرف رسمياً على اجتماع ويلتون بارك تحت عنوان «الحوار الفني المدني حول السودان»، وبرقم مرجعي WP3801، وقد عُقد في يوليو 2026. وتشير الأدلة بقوة إلى أنه انعقد بين 22 و24 يوليو في ويستون هاوس بمقاطعة غرب ساسكس في بريطانيا.

ناقش الاجتماع النظم السياسية والترتيبات المحتملة لحكم السودان في المستقبل. ووفقاً للمعلومات المتاحة، شملت الموضوعات المطروحة:

الفيدرالية واللامركزية؛

توزيع السلطات؛

الفيدرالية المالية؛

تقاسم الموارد والعائدات؛

تمثيل الأقاليم والمجتمعات والمجموعات المختلفة.

هذه ليست أسئلة أكاديمية بريئة أو محايدة.

إنها أسئلة تتعلق بمن يحكم السودان، وكيف تُبنى الدولة، ومن يسيطر على الموارد الوطنية، وكيف توزع السلطة، ومن يُسمح له بالدخول إلى مؤسسات الحكم في المستقبل.

إنها أسئلة سيادية بامتياز.

ومع ذلك، لم تكن الحكومة السودانية المعترف بها ممثلة، بحسب ما تشير إليه المعلومات المتاحة. ولا توجد أدلة علنية تؤكد مشاركة ممثلين عن القوات المسلحة السودانية، أو وزارة الخارجية، أو السفارة السودانية، أو مجلس السيادة، أو غيرها من مؤسسات الدولة القائمة.

ولا نعلم حتى الآن ما إذا كانت هذه المؤسسات قد دُعيت ورفضت، أم تم تجاوزها عمداً، لأن منظمي الاجتماع لم ينشروا سجلات الدعوات.

وويلتون بارك ليست مؤسسة خاصة مستقلة عن الدولة البريطانية. إنها وكالة تنفيذية تابعة لوزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية.

هذا لا يثبت تلقائياً أن وزارة الخارجية البريطانية أمْلت كل كلمة قيلت داخل الاجتماع، لكنه يعني أن اللقاء لم يكن تجمعاً سودانياً خاصاً أو حواراً مستقلاً تماماً عن السياسة البريطانية. لقد انعقد داخل مؤسسة مرتبطة بصورة مباشرة بجهاز السياسة الخارجية البريطانية.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله:

> لماذا تناقش مؤسسة تابعة للحكومة البريطانية مستقبل الدولة السودانية، من دون مشاركة معلنة لمؤسسات السودان المعترف بها، ومن دون تمثيل شفاف للشعب الذي يعيش الحرب ويدفع ثمنها؟

التكتم جزء أساسي من المشكلة

لم ينشر المنظمون القائمة الكاملة للمشاركين.

ولم يوضحوا:

من رشح المشاركين؛

ومن وافق على أسمائهم؛

وما المعايير السياسية أو الجغرافية أو الاجتماعية التي اتُبعت؛

ومن موّل الاجتماع؛

ومن دفع تكاليف السفر والإقامة؛

وكيف ستستخدم النتائج التي خرج بها اللقاء.

لم تذكر الصفحة الرسمية للاجتماع شريكاً أو ممولاً محدداً. ولم تنشر برنامجاً تفصيلياً، ولا قائمة للمشاركين، ولا بياناً ختامياً، ولا تقريراً نهائياً، ولا خطة عمل.

قد يقول المنظمون إن «بروتوكول ويلتون بارك» يمنع نسبة الأقوال إلى أصحابها، ويسمح للمشاركين بالتحدث بصراحة داخل جلسات مغلقة.

وقد تكون السرية في بعض الأحيان ضرورية لحماية النقاش الصريح.

لكن حماية تصريحات المشاركين شيء، وإخفاء بنية الاجتماع وآلية تنظيمه شيء آخر تماماً.

البروتوكول لا يجيب عن سبب عدم معرفة السودانيين:

من اختار المشاركين؛

ومن تم استبعاده؛

ومن موّل الحدث؛

وهل تم دفع نفقات للمشاركين؛

وهل تمت استشارة السلطات السودانية؛

ومن تسلم نتائج الاجتماع بعد انتهائه.

عندما تناقش مؤسسة أجنبية مستقبل دولة أخرى، ثم تحجب هذه المعلومات، فإن الشكوك الشعبية ليست جهلاً ولا جنوناً ولا دعاية سياسية.

إنها نتيجة طبيعية للغموض والتكتم.

عبارة «بصفتهم الشخصية» لا تمحو هوياتهم السياسية

دافع الواثق كمير عن الاجتماع بالقول إن المشاركين حضروا بصفتهم الشخصية، وإنهم لم يمثلوا رسمياً أحزاباً سياسية أو حركات مسلحة أو حكومات.

قد تكون هذه العبارة دقيقة من الناحية الإجرائية أو الدبلوماسية، لكنها لا تشرح لماذا وقع الاختيار على هؤلاء الأشخاص تحديداً.

لا أحد يدخل ويلتون بارك بلا تاريخ.

يحمل كل مشارك معه:

مواقفه السياسية؛

وعلاقاته؛

وشبكاته التنظيمية؛

وانتماءاته السابقة أو الحالية؛

وتصريحاته العلنية؛

ورؤيته للحرب وللدولة السودانية.

لم يختر المنظمون البريطانيون مواطنين سودانيين عشوائياً.

لقد اختاروا أشخاصاً بعينهم لأنهم رأوا فيهم معرفة أو تأثيراً أو علاقات أو قيمة سياسية تفيد الحوار الذي يريدونه.

والدعوة في حد ذاتها تمنح الاعتراف.

إنها تقول للمشارك إن رأيه يستحق مكاناً داخل دوائر التفكير الدولي. وفي المقابل، فإن غياب الآخرين يبعث رسالة مفادها أن أصواتهم أقل أهمية، أو أقل قبولاً، أو لا تنسجم مع الإطار الذي يريد المنظمون بناءه.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:

> هل حمل هؤلاء المشاركون تفويضاً رسمياً من تنظيماتهم؟

السؤال الحقيقي هو:

> لماذا اختير هؤلاء تحديداً؟ وما الصورة السياسية التي صُنعت عن السودان داخل القاعة، بينما بقيت أصوات أخرى خارجها؟

الاختلال السياسي في التمثيل

لا تزال القائمة الكاملة للمشاركين غير مؤكدة، لأن المنظمين لم ينشروها.

نشرت وسيلتان إعلاميتان سودانيتان باللغة العربية أسماء عدد من المشاركين، من بينهم الواثق كمير، ونصر الدين عبد الباري، وبكري الجاك، ونبيل أديب، ومدني إبراهيم، وسليمان بلدو، وآخرون.

ولا يمكن تأكيد حضور جميع هذه الأسماء بصورة قاطعة، بسبب عدم وجود برنامج رسمي أو دعوات منشورة أو بيان من المنظمين.

لكن حضور نصر الدين عبد الباري تدعمه مؤشرات قوية. فقد صرح صحفي في «ميدل إيست آي» بأنه استطاع تأكيد وجود عبد الباري في الاجتماع. كما تشير المصادر العلنية بقوة إلى ارتباطه بمشروع «تأسيس»، رغم عدم تأكيد صفته الرسمية أو ما إذا كان قد حمل تفويضاً تنظيمياً.

وهذا أمر بالغ الأهمية.

قد يكون الواثق كمير صحيحاً من الناحية الشكلية عندما يقول إن وفداً رسمياً باسم قوات الدعم السريع لم يحضر.

لكن ذلك لا يجيب عن القلق الناتج عن حضور شخصية مرتبطة في الوعي العام بمشروع سياسي متصل بالدعم السريع، في وقت غابت فيه الحكومة السودانية ومؤسساتها الوطنية.

وينطبق الأمر نفسه على الأسماء التي وردت تقارير عن ارتباطها بصمود، أو تقدم، أو قوى الحرية والتغيير، أو شبكات سياسية ومدنية تحظى بدعم واهتمام دولي واسع.

أنا لا أقول إن كل من ورد اسمه يمثل رسمياً معسكراً سياسياً واحداً. ولا أزعم أن كل شخص منهم حضر الاجتماع بصورة مؤكدة.

بل إن التكتم هو الذي يمنعنا من الوصول إلى نتيجة كاملة.

لكن من وجهة نظر قطاعات واسعة من السودانيين، فإن التكوين الظاهر والمُبلغ عنه للاجتماع يميل إلى شخصيات تنتمي إلى شبكات سياسية فقدت ثقة الشارع، ويرى كثيرون أنها خففت من حقيقة العدوان، أو وفرت غطاءً سياسياً للدعم السريع، أو حاولت استخدام الحرب طريقاً للعودة إلى السلطة.

كثير من السودانيين لا يرون هؤلاء ممثلين للشعب، بل أشخاصاً يمثلون أنفسهم ويمثلون المؤسسات الأجنبية التي تواصل تقديمهم للعالم بوصفهم «المدنيين المناسبين».

ولا يجوز تجاهل هذا الشعور الشعبي أو وصفه بالجهل أو التحريض.

هذه الحرب ليست مجرد «صراع بين جنرالين»

غالباً ما تصف وسائل الإعلام الدولية الحرب في السودان بأنها «حرب بين جنرالين».

هذه العبارة مريحة وسهلة، لكنها تخفي الكثير من الحقيقة.

القوات المسلحة السودانية هي المؤسسة العسكرية الوطنية للدولة السودانية. ويجب أن تخضع للقانون والمحاسبة، وألا تُخفى أخطاؤها أو الانتهاكات التي قد يرتكبها أفراد منها.

كما أن السودان يحتاج إلى إصلاح جاد لمؤسساته العسكرية والسياسية والأمنية.

لكن المؤسسة الوطنية التي تحتاج إلى الإصلاح ليست مساوية لتنظيم شبه عسكري حاول السيطرة على الدولة بالقوة.

بالنسبة إلى كثير من السودانيين، هذه الحرب عدوان على بلادهم ومجتمعاتهم ومؤسساتهم.

لقد شملت:

احتلال ونهب منازل المدنيين؛

الهجوم على المدن والقرى؛

العنف القائم على الهوية والانتماء الإثني؛

الاغتصاب والعنف الجنسي؛

التهجير القسري؛

الاعتقال والتعذيب؛

وتدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية.

كما أن الحرب استمرت واتسعت بفعل تدخلات خارجية.

لقد وثقت تحقيقات وعقوبات دولية شبكات مالية وتجارية مقرها الإمارات ارتبطت بدعم قوات الدعم السريع، وتقارير عن نقل أسلحة، وشبكات تجنيد أجنبية استقدمت جنوداً كولومبيين سابقين للقتال داخل السودان.

تنفي الإمارات دعمها لقوات الدعم السريع.

لكن النفي الرسمي لا يمحو الأدلة المتراكمة، ولا يلغي شهادات السودانيين الذين عاشوا آثار هذا التدخل.

وأنا واحد من هؤلاء الشهود.

أنا شاهد على جوانب من تدخل الإمارات

إن فهمي لدور الإمارات لا يعتمد فقط على تقارير الصحافة، أو بيانات العقوبات، أو التحقيقات الدولية.

أنا شاهد على جوانب من تدخلها في السودان.

ما رأيته بنفسي، وما عشته، وما وصلني بصورة مباشرة، أقنعني بأن الإمارات لم تتصرف كدولة محايدة لا تريد سوى السلام والإغاثة الإنسانية.

وسأظل دائماً حريصاً على التفريق بين:

ما شاهدته بصورة مباشرة؛

وما أُبلغت به من مصادر مباشرة؛

وما تدعمه الوثائق والتحقيقات العلنية؛

وما يمثل تحليلي واستنتاجي السياسي.

على الشاهد مسؤولية ألا يبالغ، وألا يدعي معرفة ما لم يره.

لكن الحذر لا يعني الصمت.

لقد عززت تجربتي قناعتي بأن السياسات الإماراتية دعمت قوى ومشاريع سياسية وعسكرية عملت ضد سيادة السودان ومؤسساته الوطنية.

ولا أوجه اتهامي إلى الشعب الإماراتي. انتقادي موجه إلى سياسات الدولة، وإلى الشبكات التي أسهمت في دعم الحرب ومحاولة التأثير في المستقبل السياسي للسودان.

بصفتي ناجياً من الأسر والتعذيب، أعرف ماذا يحدث عندما يسيطر الأقوياء على الغرفة، بينما يُحرم الضحية من حقه في شرح ما جرى.

وأعرف كيف يمكن استخدام الكلمات المهذبة لإخفاء الحقائق القبيحة.

يصبح العدوان «نزاعاً».

ويصبح التدخل الأجنبي «وساطة».

ويصبح الانتقاء السياسي «حواراً مدنياً».

ويصبح إسكات الضحية «نقاشاً مسؤولاً».

ولهذا لا أستطيع أن أصمت.

الضحايا دُفعوا خارج الحوار السياسي

أكبر إخفاق في نموذج ويلتون بارك ليس فقط غياب السلطات السودانية المعترف بها.

إنه غياب التجربة السودانية الحقيقية.

أين الذين نجوا من الهجمات على مدنهم وقراهم؟

أين العائلات التي احتُلت منازلها ونُهبت ممتلكاتها؟

أين المهجرون من دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم وغيرها من مناطق السودان؟

أين الناجون من الاعتقال والتعذيب والاغتصاب والقتل على أساس الهوية؟

أين المتطوعون المحليون الذين أبقوا المستشفيات والمطابخ والمجتمعات على قيد الحياة؟

أين الذين بقوا داخل السودان، بينما تنقل سياسيون مرتبطون بالمجتمع الدولي بين العواصم والفنادق والمؤتمرات؟

قد يقول المنظمون إن بعض المشاركين ينتمون إلى مؤسسات مدنية أو حقوقية.

لكن من دون قائمة شفافة ومعايير اختيار معلنة، لا يستطيعون إثبات أن الذين دفعوا الثمن الأكبر للحرب كانوا ممثلين فعلاً.

لقد أصبح الضحايا مادة خلفية في النقاشات الدولية.

تُستخدم معاناتهم لتبرير المؤتمرات والمبادرات والتمويل، لكن أصواتهم نادراً ما تحدد جدول الأعمال.

يُتحدث عنهم.

تُلتقط صورهم.

تُحصى أعدادهم.

لكنهم لا يملكون السلطة على العملية السياسية التي يُفترض أنها تُصمم من أجلهم.

هذا ليس تمثيلاً حقيقياً.

الحكومة السودانية أيضاً خذلت شعبها

الدفاع عن السيادة لا يجب أن يصبح ذريعة للدفاع عن الفشل.

الحكومة السودانية ضعيفة، وسيئة التنسيق، وعجزت عن تقديم رؤية واضحة للبلاد.

كثيراً ما تصرفت بلا خطة وطنية مفهومة بشأن:

إنهاء الحرب؛

استعادة الخدمات؛

دعم النازحين؛

التواصل مع المواطنين؛

إعادة بناء مؤسسات الدولة؛

إطلاق عملية سياسية شاملة؛

الاستفادة من السودانيين في المهجر؛

مواجهة الدعاية والتضليل الخارجي؛

الاستعداد لحكومة ما بعد الحرب.

هذا الغياب للقيادة زاد من معاناة الناس.

فشلت الحكومة في التواصل الواضح مع شعبها ومع المجتمع الدولي، وتركت فراغاً ملأته قوى أجنبية وشبكات سياسية منظمة.

ولم تقدم بديلاً سياسياً مقنعاً قادراً على جمع السودانيين حول مشروع وطني مشترك.

غالباً ما تتحرك كرد فعل بدلاً من أن تقود.

وغالباً ما تتحدث عبر مسؤولين متفرقين، لا من خلال استراتيجية وطنية متماسكة.

ويُطلب من السودانيين أن يصبروا ويتحملوا، من دون أن يعرفوا ما الخطة، أو أي دولة ستنشأ بعد انتهاء الحرب.

هذا الضعف لا يبرر التدخل الأجنبي، لكنه يفسر كيف تجد القوى الخارجية مساحة للتحرك.

الحكومة ذات السيادة يجب أن تكسب ثقة شعبها بالكفاءة والشفافية والرؤية.

السيادة لا تُحمى بالشعارات وحدها.

السودان يحتاج إلى قيادة تستطيع توحيد البلاد، ومواجهة العدوان، وحماية المدنيين، وتقديم مستقبل سياسي قابل للتصديق.

السودان يحتاج إلى المساعدة، لكنه لا يحتاج إلى وصاية

أنا لا أدعو السودان إلى رفض الدعم الدولي.

السودان لا يستطيع التعافي من هذه الكارثة بمفرده.

إنه يحتاج إلى:

مساعدات إنسانية حقيقية؛

أدوية ومعدات طبية؛

دعم لإعادة الإعمار؛

خبرات فنية؛

تحرك دبلوماسي جاد؛

واستثمارات طويلة الأجل لإعادة بناء الاقتصاد.

السودان يحتاج إلى أصدقاء.

لكنه لا يحتاج إلى أوصياء.

هناك فرق عميق بين دعم الشعب السوداني، وبين اختيار حكومة له.

هناك فرق بين مساعدة حوار وطني، وبين التحكم في قائمة المدعوين.

هناك فرق بين مساعدة السودان على إعادة بناء مؤسساته، وبين تحديد أي المؤسسات ينبغي أن تبقى وأيها يجب أن تُلغى.

هناك فرق بين دعم الحكم المدني، وبين تقديم مجموعة صغيرة من السياسيين المدنيين المقبولين لدى الخارج بوصفهم البديل الوحيد.

المساعدة يجب أن تعزز ملكية السودانيين لقرارهم، لا أن تحل محلها.

أين الدعم الإنساني الحقيقي؟

يتحدث المجتمع الدولي بلا توقف عن الكارثة الإنسانية في السودان، لكن الناس على الأرض لا يرون مساعدات تتناسب مع حجم المأساة.

الإغاثة غير كافية، ومتأخرة، ومسيّسة، وفي أحيان كثيرة لا تصل إلى من يحتاجها.

المستشفيات تفتقر إلى الأدوية والأجهزة.

العائلات تعاني للحصول على الغذاء والماء النظيف والمأوى.

النازحون يعيشون على تضامن المجتمعات المحلية، بينما تواصل المنظمات الدولية إطلاق نداءات تمويل لا تجد الاستجابة الكافية.

الجمعيات السودانية، والمتطوعون، ومنظمات الشتات يتحملون أعباء كان ينبغي أن يشاركهم العالم فيها.

إذا كانت الحكومات الأجنبية تريد فعلاً مساعدة السودان، فلتبدأ بالشعب.

أرسلوا الدواء.

ادعموا المستشفيات.

أطعموا الأسر النازحة.

أعيدوا تشغيل شبكات المياه.

ساعدوا المدارس على فتح أبوابها.

ادعموا المنظمات المحلية التي تمتلك الثقة والوصول الحقيقي.

ساعدوا المزارعين على العودة إلى الإنتاج.

وفروا المعدات اللازمة لإعادة بناء المنازل والخدمات العامة.

لا تنفقوا طاقة أكبر على تصميم المستقبل السياسي للسودان من الطاقة التي تنفقونها لإنقاذ السودانيين الذين يفترض أن يعيشوا في ذلك المستقبل.

العقوبات والعزلة المالية تخنقان المدنيين

يعاني السودان أيضاً من العقوبات، والقيود المصرفية، والعزلة المالية، وسياسات تجنب المخاطر التي تطبقها البنوك والشركات الدولية.

حتى عندما توصف الإجراءات بأنها «مستهدفة»، فإن آثارها الأوسع تصل إلى:

الشركات القانونية؛

والمنظمات الخيرية؛

والعائلات؛

والمؤسسات الإنسانية؛

والمواطنين العاديين.

يصبح تحويل الأموال أصعب.

واستيراد المعدات أكثر تعقيداً.

وتتجنب الشركات الدولية التعامل مع السودان.

وترفض البنوك المعاملات المرتبطة به.

ويصبح التأمين والشحن والاستثمار أكثر كلفة وأقل توفراً.

وفي النهاية، يتحمل المواطن السوداني الذي يعيش الحرب هذه النتائج.

إن معاقبة دولة كاملة أو عزلها لا يصنع الديمقراطية. بل يضعف المؤسسات، ويدمر سبل العيش، ويزيد الاعتماد على الخارج.

يمكن أن تكون العقوبات الفردية ضد المسؤولين عن الجرائم مبررة عندما تستند إلى أدلة واضحة وإجراءات عادلة.

لكن القيود التي تخنق الاقتصاد العام أو تعطل الإغاثة وإعادة الإعمار يجب مراجعتها ورفعها.

المواطن الذي لا يستطيع الحصول على الدواء، أو استلام أموال من أسرته، أو تشغيل مشروع قانوني، لا يرى العقوبات «أداة دبلوماسية دقيقة».

إنه يعيشها بوصفها شكلاً إضافياً من العقاب.

إذا كان العالم يريد الاستقرار في السودان، فعليه أن يتوقف عن جعل الحياة الطبيعية مستحيلة على السودانيين.

صمت الإعلام الدولي وشيطنة السودانيين

عانى السودان أيضاً من سنوات طويلة من التجاهل والشيطنة في وسائل الإعلام الدولية.

لفترات طويلة يختفي السودان تماماً من التغطية.

وعندما يُذكر، غالباً ما تُختزل قصته في:

صراع عسكري؛

أو نزاعات قبلية؛

أو مجاعة؛

أو فشل سياسي دائم.

نادراً ما يُقدم السودانيون بوصفهم شعباً يدافع عن سيادته ومجتمعاته ومؤسساته.

وغالباً ما يُخفف الحديث عن الدور الأجنبي، أو يُعامل بوصفه «ادعاءً معقداً» لا يستحق التحقيق الجاد.

وتتحول تجارب الضحايا إلى أرقام.

بينما تحصل الشبكات السياسية المفضلة لدى الحكومات الأجنبية على مساحة واسعة للتحدث باسم «المدنيين»، وتُتهم الأصوات السودانية التي تتحدى الرواية السائدة بأنها قومية متطرفة، أو دعائية، أو داعمة للحكم العسكري.

هذه ليست تغطية محايدة.

الصمت أيضاً له آثار سياسية.

فعندما يفشل الإعلام الرئيسي في التحقيق في شبكات السلاح والتمويل والمرتزقة والتدخل السياسي بالجدية نفسها التي يستخدمها في صراعات أخرى، فإن المستفيدين من الحرب يحصلون على الحماية.

وعندما يُصور السودانيون فقط كضحايا بلا إرادة سياسية، أو كأشخاص غير عقلانيين يؤيدون الحرب، يُنتزع منهم حق تفسير ما يحدث في بلادهم.

لقد تم تجاهل الشعب السوداني، وشيطنته، والتحدث باسمه لسنوات.

ويجب أن ينتهي ذلك.

الحكومة المدنية لا تُصنع في الخارج

السودان يحتاج إلى حكومة مدنية.

لكن الحكومة المدنية يجب أن تخرج من داخل المجتمع السوداني.

لا يمكن تصنيعها في مؤتمرات لندن أو باريس أو جنيف أو نيروبي أو أديس أبابا أو أبوظبي.

السياسي لا يصبح ممثلاً للشعب لمجرد أن الدبلوماسيين الأجانب يعرفون اسمه.

والناشط لا يصبح قائداً وطنياً لمجرد أن المنظمات الدولية تدعوه إلى اجتماعاتها.

والأكاديمي لا يحصل على شرعية ديمقراطية لأنه يقدم المشورة لحكومات أجنبية.

قد يكون لهؤلاء معرفة وخبرة وحق في المشاركة، لكنهم يمثلون أنفسهم ما لم يمنحهم الشعب السوداني تفويضاً.

تكرر الحكومات الأجنبية الحديث عن «القادة المدنيين المناسبين».

وفي الواقع، غالباً ما تعني كلمة «مناسبين»: المقبولين لدى مؤسسات السياسة الخارجية، والمانحين، وشبكات الوساطة الدولية.

هذه ليست ديمقراطية.

ليس دور المجتمع الدولي أن يحدد من تعتقد بريطانيا أو الإمارات أو الولايات المتحدة أنه يجب أن يحكم السودان.

دوره يجب أن يكون خلق الظروف التي يستطيع فيها السودانيون اختيار قيادتهم بأنفسهم وبحرية.

ساعدوا السودانيين على بناء قيادتهم بأنفسهم

النهج الصحيح ليس التخلي عن السودان، وليس فرض طبقة سياسية عليه.

النهج الصحيح هو مساعدة السودانيين على استعادة قدرتهم على التنظيم والنقاش والاختيار.

ادعموا المؤسسات السودانية المستقلة.

ساعدوا المجتمعات على عقد مشاورات محلية.

ادعموا:

النقابات والهيئات المهنية؛

الجامعات؛

منظمات النساء والشباب؛

النازحين واللاجئين؛

وممثلي الأقاليم والمجتمعات المحلية.

وفروا وسائل آمنة تسمح للسودانيين داخل البلاد، وليس فقط المقيمين في العواصم الأجنبية، بالمشاركة في تقرير مستقبلهم.

ساعدوا في إعادة بناء الإدارة المدنية.

ادعموا تسجيل الناخبين وإجراء الانتخابات عندما تسمح الظروف الأمنية.

عززوا سيادة القانون.

ساعدوا السودان على بناء أحزاب سياسية مسؤولة، لها قواعد جماهيرية حقيقية.

قدموا الخبرة الفنية، لكن لا تتحكموا في النتيجة.

السودانيون يحتاجون إلى الأدوات التي تساعدهم على تشكيل قيادتهم وحكومتهم بأنفسهم، لا إلى قائمة من القادة الذين قررت الحكومات الأجنبية مسبقاً أنهم «مناسبون».

ما الذي يجب على بريطانيا والمجتمع الدولي فعله؟

إذا كانت بريطانيا جادة في دعم سيادة السودان، فعليها أن تبدأ بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة باجتماع ويلتون بارك.

عليها أن تكشف:

من طلب تنظيم الاجتماع؛

ومن موّله؛

وكيف تم اختيار المشاركين؛

وهل دُعيت السلطات السودانية؛

وهل تمت دعوة ممثلين حقيقيين للمجتمعات المتضررة؛

ومن استلم نتائج الاجتماع.

وعليها أن تنشر على الأقل الفئات العامة للمشاركين، وأن توضح المسار الذي ستأخذه توصيات الاجتماع.

وخارج موضوع ويلتون بارك، يجب على بريطانيا وشركائها تغيير نهجهم.

يجب عليهم:

تقديم الدعم الإنساني قبل الهندسة السياسية؛

الضغط على جميع الدول الأجنبية لوقف تمويل وتسليح الحرب؛

التحقيق في شبكات المرتزقة ونقل الأسلحة؛

رفع أو تعديل القيود التي تعطل الاقتصاد المدني والعمل الإنساني؛

التعامل مع مؤسسات الدولة السودانية من دون منحها حصانة من المحاسبة؛

دعم عملية وطنية شاملة من دون اختيار قيادتها مسبقاً.

والأهم من ذلك كله:

عليهم أن يستمعوا إلى السودانيين.

كيف تكون العملية السودانية الشرعية؟

العملية الوطنية الحقيقية يجب أن تشمل الحكومة المعترف بها ومؤسسات الدولة القائمة، لكنها لا يجب أن تقتصر عليها.

يجب أن تشمل أيضاً:

المدنيين من مختلف الاتجاهات السياسية؛

الناجين والضحايا؛

النازحين واللاجئين؛

النساء والشباب؛

النقابات والهيئات المهنية؛

المجتمعات المحلية؛

ممثلين من كل أقاليم السودان؛

الذين يؤيدون مؤسسات الدولة والجيش الوطني؛

والذين يعارضون الحكومة وينتقدونها.

لا يجوز استبعاد المدافعين عن الجيش ومؤسسات الدولة فقط لأن موقفهم لا يعجب صناع السياسة في الخارج.

كما يجب أن يكون للمعارضين الحق في المشاركة.

لا تحالف سياسي يحق له احتكار الصوت المدني.

ولا قوة مسلحة يجب أن تكافأ سياسياً على استخدام العنف.

ولا دولة أجنبية ينبغي أن تمول العدوان ثم تشارك في رسم التسوية السياسية.

يجب أن تكون معايير اختيار المشاركين شفافة.

ويجب الكشف عن التمويل.

ويجب أن يكون جدول الأعمال سودانياً.

يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد، لكن الشعب السوداني هو من يجب أن يملك العملية ونتائجها.

لماذا أرى ويلتون بارك جزءاً من مخطط أوسع؟

عندما أصف اجتماع ويلتون بارك بأنه جزء من مخطط ضد السودان، فأنا لا أدعي أن كل الوثائق السرية أو التعليمات الخاصة أو التحويلات المالية قد كُشفت بالفعل.

أنا أتحدث عن النمط الذي يظهر أمامنا.

مؤسسة تابعة لحكومة أجنبية تنظم اجتماعاً مغلقاً لمناقشة مستقبل الحكم في السودان.

الحكومة السودانية المعترف بها غير ممثلة على ما يبدو.

لا توجد مشاركة معلنة لمؤسسات الدولة الحالية أو القوات المسلحة.

هناك مؤشرات قوية على حضور شخصية مرتبطة بمشروع «تأسيس».

أسماء أخرى وردت في التقارير ترتبط بشبكات سياسية ومدنية دولية معروفة.

القائمة الكاملة للمشاركين غير معلنة.

معايير الاختيار غير معلنة.

التمويل الخاص بالاجتماع غير معلن.

واستخدام النتائج بعد الاجتماع غير معلن.

أما الشعب الذي يعاني داخل السودان، فلا يعرف كيف كان ممثلاً.

عندما توضع هذه العناصر معاً، فإن الأمر لا يبدو محايداً من وجهة نظري.

إنه يبدو محاولة تدار من الخارج لتشكيل الخيارات السياسية المتاحة للسودان قبل أن يُسمح للسودانيين أنفسهم بتحديد تلك الخيارات.

من حق البعض رفض كلمة «مؤامرة» أو «مخطط».

لكن عليهم رغم ذلك أن يجيبوا عن الوقائع والأسئلة التي بقيت بلا إجابة.

لا يمكنهم أن يطالبوا السودانيين بالثقة، بينما يرفضون تقديم الشفافية.

موقفي

أنا لا أدافع عن حكومة سودانية مثالية، لأن هذه الحكومة غير موجودة.

ولا أنكر فشل السودان السياسي أو حاجته العاجلة إلى الإصلاح.

ولا أؤمن بأن الحكم العسكري يجب أن يصبح مستقبل السودان الدائم.

ولا أرفض المساعدة الدولية.

لكنني أرفض أن يمتلك الأجانب العملية السياسية السودانية.

أرفض أن يتحول ضعفنا إلى مبرر لسلب سيادتنا.

أرفض تقديم سياسيين اختارهم الخارج بوصفهم ممثلين لشعب لم يخترهم.

أرفض لغة إنسانية لا تصاحبها مساعدات حقيقية.

أرفض العقوبات والقيود المالية التي تزيد معاناة المدنيين من دون أن توقف الحرب.

أرفض الروايات الإعلامية التي تسكت الضحايا وتخفي دور القوى الأجنبية.

وأرفض أي سلام يكافئ العدوان، أو يحول العنف إلى حق سياسي.

ساعدوا السودان، لكن ابدأوا بالشعب السوداني

الرسالة إلى بريطانيا والمجتمع الدولي يجب أن تكون بسيطة وواضحة:

> تقولون إنكم تريدون مساعدة السودان. إذن ساعدوا الشعب السوداني.

قدموا مساعدات إنسانية حقيقية.

ادعموا المستشفيات والمدارس والنازحين والمجتمعات المحلية.

ارفعوا القيود التي تخنق النشاط الاقتصادي والإنساني المشروع.

أوقفوا تدفق السلاح والتمويل الأجنبي والمرتزقة.

ساعدوا السودانيين على إعادة بناء مؤسساتهم.

ساعدوهم على إطلاق حوار وطني شفاف.

ساعدوهم على بناء قيادة مسؤولة.

ساعدوهم على تشكيل حكومتهم بأنفسهم.

لكن لا تختاروا لهم تلك الحكومة.

لا تقدموا الأشخاص الذين ترونهم «مناسبين»، ثم تسموا ذلك ملكية سودانية للعملية السياسية.

لا تستبعدوا مؤسسات السودان الوطنية، ثم تتوقعوا من الشعب أن يعتبر العملية شرعية.

لا تتحدثوا عن سيادتنا، بينما تصممون مستقبلنا خلف الأبواب المغلقة.

السودان يحتاج إلى العالم.

لكنه يحتاج إلى العالم شريكاً، لا سيداً.

مستقبل السودان ملك لشعبه.

يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد في فتح الباب.

لكن الشعب السوداني وحده هو الذي يجب أن يقرر من يدخل، وإلى أين يقود الطريق، ومن يحكم البلاد في نهايته.

Exit mobile version