

عزف منفرد
بين الحين والآخر، نتفاجأ بإلغاء حفل لفنانة سودانية كان مخططاً له مسبقاً، أو الإعلان عن عدم قيامه بسبب ضعف الإقبال أو عدم وصول مبيعات التذاكر إلى العدد المتوقع. وفي الغربة تحديداً، يثير فشل الحفل أو نجاحه سؤالاً متكرراً حول الجمهور ،لماذا لم يحضر؟ ولماذا لم تنجح الأغنية في استقطاب عدد أكبر من المستمعين؟
في معظم الحالات، يتجه الفنان السوداني في الخارج إلى الجالية السودانية باعتبارها جمهوره الطبيعي والمضمون. لذلك يختار الفنان المدن التي تضم أعداداً كبيرة من السودانيين لإقامة الحفلات، ويصبح الهدف الأساسي هو الوصول إلى جمهور يعرف الفنان وأغنياته مسبقاً، بينما تظل محاولة الوصول إلى جمهور البلد المضيف محدودة.
وهنا تكمن المفارقة.كثيراً ما تُفسر محدودية انتشار الأغنية السودانية خارجياً بأنها نتيجة محليتها الشديدة، أو ارتباطها بالسلم الخماسي، وكأن هذه الخصائص الموسيقية تضع حدوداً لا يمكن تجاوزها. لكن تجربة الموسيقى العالمية لا تؤكد ذلك بالضرورة. فبوب مارلي، على سبيل المثال، استطاع أن يصنع جمهوراً واسعاً خارج حدود اللغة والجغرافيا، رغم أن كثيراً من مستمعيه لم يكونوا يفهمون كل ما يقوله في أغنياته. وعندما رحل، أقام شبان في الخرطوم ومدني وغيرها من المدن السودانية سرادق عزاء له. لقد وصل إليهم بالفن قبل أن يصل باللغة. وبصورة أوضح: لو غنت شيرين عبدالوهاب في استاد الهلال بأم درمان، فمن الطبيعي أن نتوقع جمهوراً سودانياً كبيراً، رغم أنها ليست فنانة سودانية ولا تغني باللهجة السودانية. لماذا؟ لأن جمهورها لم يتشكل من خلال الانتماء الجغرافي، وإنما عبر الأغنية نفسها، وانتشارها، وقدرتها على الوصول إلى المستمع. وهذا هو تحديداً ما ينقص مشروع انتشار الأغنية السودانية خارج الحدود ، أن تبحث عن جمهور للأغنية، لا أن تبحث الأغنية دائماً عن جمهورها السوداني.
فإذا كان الفنان لا يغني خارجياً إلا أمام السودانيين، فإنه في الحقيقة ينقل جمهوره معه، ولا يوسع جمهوره. أما الانتشار الحقيقي فيبدأ عندما يستطيع الفنان أن يقف على مسرح في بلد أجنبي ، ويجد بين الحاضرين أشخاصاً لا تجمعهم به جنسية ولا جغرافيا، وإنما تجمعهم به الأغنية.
لقد ارتحل الفنانون السودانيون إلى جهات العالم الأربع، لكن كثيراً من هذه الرحلات انتهى بانتهاء الحفل، من دون أن يترك وراءه جمهوراً جديداً أو أثراً مستداماً. لذلك، فإن مسؤولية عبور الأغنية السودانية للحدود لا تقع على الجمهور وحده، ولا يمكن تعليقها دائماً على اللغة أو السلم الخماسي أو خصوصية التجربة. إنها مسؤولية الفنان أيضاً: ماذا فعل ليعرّف الآخرين بأغنيته؟ وكيف قدمها؟ وأين حاول أن يصل بها؟ربما آن للأغنية السودانية أن تتوقف عن السفر إلى الخارج بحثاً عن السودانيين فقط، وأن تبدأ رحلة مختلفة؛ رحلة البحث عن مستمعين جدد لا يعرفونها بعد. فالعالم لا يحتاج بالضرورة إلى أن يفهم لغتك أولاً حتى يحب أغنيتك؛ أحياناً تكفي الأغنية نفسها كي تعلّمه كيف يصغي.