رأي

الرجوع إلى الشعب فضيلة

رمضان أحمد

تناول الإعلام السوداني، في الأيام الماضية، الإعلان عن أسماء عضوية لجنة الحوار بمواقف متباينة؛ فمنهم من رحَّب بالفكرة ورآها خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، ومنهم من شكَّك في النوايا وعدَّ التشكيلة مجرد إعادة إنتاج للوجوه نفسها تحت مسميات جديدة بلا جدوى، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك، فرأى أن الفكرة برمتها غير مجدية، وأن الحوار المؤسسي في ظل استمرار الحرب وتفكك الدولة يبقى أقرب إلى السراب منه إلى الحل.

لكن بعيداً عن هذه المواقف الثلاثة، التي تدور كلها في فلك النخبة والسياسيين، يبقى السؤال الجوهري الذي لم يُطرح بإلحاح كافٍ: أين الشعب السوداني من كل هذا؟

ليس المطلوب هنا أن يشارك الشعب في الحوار فقط، بل أن يكون هو محوره الأساسي. فالحوار الذي تُدار أوراقه خلف الأبواب المغلقة، وتُختار وجوهه في غرف مغلقة، ثم يُعرض على الناس كأمر واقع، ليس حواراً بالمعنى الديمقراطي، بل هو إعلان لنتائج مفاوضات داخلية بين أطراف القرار التقليدية.

أليس من حق المواطن السوداني، ذلك الإنسان البسيط الذي يعيش الحرب في جسده وبيته وعائلته، أن يُدلي برأيه فيمن سيمثلونه في أي مرحلة انتقالية؟ نحن في عصر الفضاءات المفتوحة، حيث يمكن لأي مواطن أن يعبِّر عن رأيه عبر هاتفه المحمول بتكلفة زهيدة، ومن دون أي جهد يُذكر. فلماذا يصر البعض على إبقاء الشعب خارج دائرة الاختيار، وكأنه مجرد متفرج على مستقبله؟

يبدو أن العقلية الحاكمة في الخرطوم ما زالت أسيرة منطق “القرارات الفوقية” التي تُتخذ في الغرف المغلقة ثم تُفرض على الناس. وكأنها لم تدرك بعد أن هذا الزمن قد ولى إلى غير رجعة. الثورات، والحروب، وتفكك المركز، كلها أحداث أثبتت أن الشعب لم يعد كتلة صامتة تُقاد، بل أصبح حاضراً في كل شارع وكل تفصيلة وكل قرار مصيري.

فقد أثبت السودانيون، خلال أكثر من عامين من الحرب، أنهم ليسوا مجرد أرقام في استطلاعات الرأي، بل فاعلون حقيقيون، يبادرون، يتضامنون، يؤسسون، ويصنعون الحياة في أصعب الظروف. فكيف يُستثنى هؤلاء من اختيار من يمثلهم في لجان الحوار والتغيير؟

المسألة، في جوهرها، ليست معقدة أو مستحيلة. فهي لا تتطلب سوى تصميم استمارة إلكترونية بسيطة، يُطلب من الناس من خلالها ترشيح أسماء تصلح للعضوية في لجنة الحوار، مع تحديد عدد الأعضاء مسبقاً، على أن يتم اختيارهم وفقاً للأصوات التي يحصلون عليها. هذه العملية البسيطة كفيلة بأن:
• ترفع الحرج عن الجهة الحاكمة، فالناس هم من اختاروا.
• تُضفي شرعية شعبية حقيقية على اللجنة، فلا يُقال إنها مفروضة من فوق.
• تُكسِب القرار النهائي قبولاً أوسع، لأن الشعب يتحمل مسؤولية اختياره.

والأمر لا يقف عند لجنة الحوار فقط؛ فبنفس الآلية يمكن تطبيق هذه الطريقة في اختيار رئيس الوزراء، والوزراء، وكبار المسؤولين في المستقبل. فكلما اتسعت دائرة المشاركة الشعبية، تضاءلت فرص الفساد والمحسوبية، وتضاعفت فرص النزاهة والشفافية.

من الجدير بالذكر أن الإعلام المفتوح، ووسائل التواصل الاجتماعي، قد مكنت السودانيين خلال سنوات الحرب من التعرف على بعضهم البعض بصرف النظر عن الحواجز الجغرافية والقبلية والجهوية. لم يعد المواطن في بورتسودان يعرف من في الخرطوم فقط، بل صار يتابع يوميات النازحين في كسلا، وصمود المتطوعين في الجزيرة، ومواقف الأطباء في نيالا.
ولعل أكثر ما كشفته هذه المرحلة هو معادن الرجال والنساء الحقيقية. هناك أناس لم يغادروا البلاد رغم توفر فرص الهروب، وفضلوا المخاطرة بحياتهم لإنقاذ الآخرين، ومواساتهم، ومساعدتهم، ومد يد العون لهم في أحلك الظروف. وأعني هنا أصحاب “التكايا” الذين لم تخبُ نيرانهم، والمبادرات التطوعية التي تصدت لتداعيات الحرب حين تخلى عنها الجميع. هؤلاء ليسوا مجرد أشخاص طيبين، بل هم نموذج للقيادة الأخلاقية التي نفتقر إليها في مؤسساتنا الرسمية.

وهناك أيضاً أناس اتخذوا مواقف مشرفة أثناء الحرب، ولم يترددوا في الوقوف مع الحق، حتى لو كلفهم ذلك غالياً. هذه المواقف ليست مقصورة على منطقة دون أخرى، بل هي موجودة في كل أنحاء السودان، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. والناس يعرفونهم معرفة اليقين، ويشهدون لهم بالخير والشجاعة والإخلاص. فهؤلاء هم الأجدر بتصدر المشهد الانتقالي.

إذا كنا فعلاً جادين في بناء سودان جديد، فلا بد أن يكون أصحاب المواقف المشرفة هم المرشحون الطبيعيون لأي مهمة وطنية في المرحلة القادمة. لأن من ضحى بوقته وماله وسلامته من أجل الآخرين في زمن الحرب، هو الأجدر بأن يُؤتمن على مستقبل البلاد في زمن السلم. أما من اكتفوا بالتصريحات الإعلامية والبيانات المسجلة من خلف الشاشات، فليسوا أهلاً لقيادة وطن يحتاج إلى نموذج عملي لا نظري.

انطلاقاً من كل ما سبق، أتقدم بمقترح عملي:
أطلب من الحكومة السودانية تصميم موقع إلكتروني رسمي، يُعلن عنه عبر المنصات الرسمية، بحيث يتفاعل السودانيون من خلاله لترشيح الشخصيات التي تتولى الشأن العام، من لجان الحوار إلى الوزارات والولايات.

وهذه الطريقة، وإن بدت طموحة، فهي تضمن:
1. الشفافية في إدارة الشأن العام، فكل الأسماء والأصوات معلنة.
2. المشاركة المجتمعية الحقيقية، بدلاً من الاختيارات المركزية.
3. رفع الحرج عن متخذ القرار، فالشعب هو المرجع وهو المسؤول عن خياراته.
4. كسر الاحتكار السياسي، وإتاحة الفرصة للوجوه الجديدة المستقلة ذات الكفاءة والنزاهة.

إن الرجوع إلى الشعب، في كل تفصيلة من تفاصيل العمل العام، ليس ضعفاً ولا تنازلاً عن السلطة، بل هو فضيلة ترفع من شرعية النظام، وتُعمق جذور الديمقراطية، وتُؤسس لعلاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم، تقوم على الثقة والمشاركة، لا على الهيمنة والخوف.

في النهاية، لا يمكن لأي حوار، ولا لأي إصلاح، ولا لأي دستور أن ينجح في غياب الشعب. فالشعب ليس مجرد أداة للتصفيق في المناسبات الوطنية، بل هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره، واختيار ممثليه، ومحاسبتهم.
فإذا كانت الحرب قد علَّمتنا شيئاً، فهو أن الخلاص لا يأتي من فوق، بل من الداخل، من صميم الناس الذين صنعوا الحياة في وجه الموت، وأقاموا العدل في غياب الدولة، وأثبتوا أن السودان ليس دولة فقط، بل هو شعب لا يُقهَر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى