تقرير – الأحداث
في الخرطوم وفي أجواء حارة جداً تلامس الـ (50) درجة بدا البعض يفكر فعلياً في المغادرة والعيش في الولايات ليس فقط لان الخدمات في الخرطوم اصبحت صعبة وغير متوفرة في الغالب بل لان الحياة نفسها اصبحت صعبة بسبب ارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة وصعوبتها اذ فيما يشبه الهجرة العكسية يتجه كثيرون الان الى مدن أخرى بالسودان للحياة هناك بعيداً عن العاصمة التي عاشت أسوأ كوابيسها خلال الاعوام الماضية اذ خسرت الخرطوم تقريباً معظم بنياتها الأساسية وتعرضت الى حالة نهب وسرقة جماعية شملت كل المدينة فيما عدا محلية كرري التي لم تدخلها مليشيا الجنجويد التي اعتدت على منازل السودانيين ومتاجرهم ومصانعهم ودمرت البنيات الاساسية بصورة ممنهجة .. عاد كثيرون تجار واصحاب مهن حرفية صغيرة واصحاب محال صيانة هم بالاساس من ولايات اخرى قدموا قبل سنوات طويلة الى ولاية الخرطوم واستقروا بها وتأقلموا مع حياتها قبل ان تشتعل الحرب ويضطر معظمهم الى العودة والاستقرار في المناطق التي بدأت منها الرحلة .. عاد بعضهم الان الى الخرطوم لكنه فوجئ بان المدينة اصبحت أكثر قسوة فالايجارات اصبحت تبدأ من المليار وتصعد الى ان تصل ثلاثة واربعة مليارات وهناك مناطق يطلب اصحاب العقارات فيها مبالغ بالعملات الاجنبية لانهم قرروا الاقامة في الخارج لذا يرغبون في ايجار بعملة اجنبية وهناك المدارس التي اصبحت تطلب مليارات للدراسة ففي المدارس الخاصة تطلب المدارس مليار ونصف للطالب بدون ترحيل حيث يصل سعر الترحيل عبر الحافلات او الركشات الى مبلغ لايقل عن (150) الف جنيه شهريا بسبب ارتفاع اسعار المحروقات وانعدامها احياناً وفي المدارس الحكومية تطلب هذه المدارس الان في العادة رسوم تسجيل تتراويح بين مائتي الف جنيه و خمسمائة الف جنيه بالاضافة الى الطلب المستمر للمال من اجل الدروس الخصوصية والمناشط والخدمات وغيرها وتصل رسوم وخدمات بعض المدارس الى مبلغ لايقل عن مبلغ الدراسة في التعليم الخاص ما جعل اغلب المقيمين في الخرطوم من الولايات يفكرون في اعادة ابنائهم في المرحلة الاولى من اجل العيش بمدن هذه الولايات وقراها ومن ثم انتقال الاسرة باكملها الى هناك يقول سراج الدين ميرغني وهو من احدى قري الجزيرة انه قررارسال ابناءه الى هناك لان المدارس لاتكلف مثل هذه الاموال كما ان عودتهم ستمزق تماماً فاتورة الايجار الذي ارتفع بصورة كبيرة في الخرطوم واضاف ( كنت اعمل بسوق ام درمان ولدي محل لبيع ادوات الخياطة والماكينات نهب في الحرب وعدت الان لاجد ان ايجار المحل ارتفع الى اربعة اضعاف ماكان عليه وامنا شخص فقد راس ماله يحاول العودة عبر استثمار علاقاته بالاخرين الذين إجتهدوا معي ودعموني لكن الامور كانت صعبة اذ ان الارباح التي يمكن تحقيقها في اعلى سقوفاتها لن تغطي ايجار المحل لذا انسحبت منه وافتتحت محلاً في الثورات عسي ولعل ) وتابع ( العمل بصراحة متعثر لذا ولانني لا استطيع تغطية نفقاتي ونفقات الاسرة لو استأجرت نصف منزل بـ (800) الف جنيه اعدتهم الى الجزيرة في انتظار ان تتحسن الاحوال او ابحث عن حلول اخرى ) ويشير عباس السماني المقبول الى نقطة مهمة في العودة العكسية يقول ( تردي الخدمات موجود هنا وفي الولايات وكذلك ارتفاع الاسعار لكنني اعتقد ان عودة الناس للولايات اثناء الحرب واعادة تموضعهم وتعرف اسرهم وابنائهم على الحياة هناك مكنهم من اتخاذ قرار العودة دون صعوبات لان هذه الاسر عادت الى هناك وتعرفت على الحياة ويمكنها الان ان تعيش هناك دون صعوبات واضاف ( صعوبة الحياة في الخرطوم حقيقية بالمناسبة وهناك اختلاف واضح بين الحياة في الخرطوم قبل الحرب وبعدها مع ارتفاع المخاطر اذ كيف لموظف ان يستأجر منزلاً بمليار جنيه ويدفع حوالي اربعة الى خمسة مليار جنيه لتعليم ابناءه ويدفع تكلفة معيشة يوميا حوالي (50) الف جنيه من اين سياتي بكل هذه الاموال دعك من الكهرباء والصحة وغيرها هذه امور عادية في الخرطوم اليوم ولا تستطيع العيش دون ان تضع يدك في جيبك طوال اليوم اما لسداد فواتيرك او حمايته من اللصوص ) وتابع ( عودة الناس والمحال التجارية والاسواق والمصانع ستساعد الولايات وتوفر لها مداخيل مالية وفرص عمل وتفك الازدحام الذي سيطر على الخرطوم لسنوات.