خالد محمد أحمد
ظهرت في شوارع القاهرة لافتةٌ تُرحِّب بالرئيس الصيني كُتِب عليها بالعربية: “أرض الكنانة تُرحِّب بضيف مصر فخامة الرئيس شي جينبينغ رئيس جمهورية الصين الشعبية”، بينما اختُصرت الرسالة بالإنجليزية إلى (WELCOME TO EGYPT).
من الواضح أن المقابل الإنجليزي اكتفى بإيصال معنى الترحيب بلغةٍ مباشرة أسقطت الحمولة الثقافية والتاريخية لعبارة “أرض الكنانة”؛ وهي حمولةٌ كان أثرها الدلالي سيكون أكبر لو كان الرئيس الزائر عربيًا يفهَم ما تحمله العبارة من رمزيَّةٍ خاصة وإيحاءاتٍ تتجاوز مجرَّد الإشارة إلى اسم مصر. ويبدو أن اختيار هذه العبارة في النصِّ العربي لم يكن مُوجَّهًا إلى الرئيس الزائر بقدر ما كان يخاطب جمهورًا مصريًا وعربيًا عمومًا يدرك ما تنطوي عليه من دلالاتٍ.
هذا الاختلاف في وظيفة الرسالة بحسب المخاطَب أعادني إلى عبارة “الحوار السوداني-السوداني” المتداولة بكثافةٍ هذه الأيام.
تحمل العبارة، في تقديري، رسالتين بحسب المخاطَب؛ فهي تخاطب الخارج لإعادة تعريف موقع الحكومة ضمن عملية السلام؛ فبدلًا من أن تكون الحكومة مجرَّد طرفٍ مدعوٍّ إلى مبادراتٍ تضعها عواصمُ ومنظماتٌ أجنبية، يُراد لها أن تُثبت أن لديها مبادرةً أو إطارًا سياسيًا خاصًا بها على غرار مبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي، فتنتقل بذلك من خانة المتلقِّي للمبادرات إلى دائرة الفعل بعد أن ظلَّت مبادرات السلام والمؤتمرات تُعقَد في عواصم الخارج، وتُرسَم مساراتها بعيدًا عن مركز القرار السوداني.
كما أنها تقول للخارج أيضًا إن الجيش منفتحٌ على الحوار، وطرفٌ في صناعة الحلِّ، لا طرفًا يراهن على الحسم العسكري وحده، وإن الحكومة لا ترفض التسوية ولا تعرقل الجهود الدولية.
أما في الداخل، فمن الأبعاد المهمة لهذه الدعوة أنها تُعيد أيضًا تشكيل المشهد المدني؛ إذْ ظلَّت قوى “قحت” تُقدِّم نفسها على أنها التعبير الأبرز عن الصوت المدني والدعوة إلى السلام، وكأنَّ تمثيل المدنيين أو المطالبة بالحلِّ السلمي يمرّان بالضرورة من خلالها. ولذلك، فإن فتح الحكومة باب الحوار أمام قوىً مدنية وسياسية أخرى يمكن أن يساهم في تفتيت هذه الكتلة، وكسر احتكارها الحديث باسم المدنيين والسلام.
ويضع هذا الانفتاح “قحت” أمام اختبارٍ سياسي واضح؛ فهي تدعو إلى الحوار والسلام، وعندما يُفتَح أمامها باب الحوار داخل السودان يصبح رفضها له محرجًا سياسيًا، وخاصةً أن الحكومة قد ذهبت إلى حدِّ توفير ضماناتٍ، من بينها شطب البلاغات في مواجهة بعض قادة “قحت”، لكنهم لم يحضروا، وهو ما يجعل رفض الحوار بحاجةٍ إلى تفسيرٍ مقنعٍ؛ فالسلام في نهاية المطاف لا يُقاس بمَن يرفع شعاره فحسب، بل بمن يقبل أيضًا بخوض مساره عندما تتوافر له إمكانية الوصول وضمانات الحوار. وإذا اختارت القوى التي ظلَّت تقدِّم نفسها على أنها الطرف المدني الأبرز أن ترفض هذا الحوار، وهذا هو الحاصل والمتوقَّع، فإنها تخاطر بفقدان جزءٍ من احتكارها السابق خطابَ السلام، بينما تكتسب فيه الحكومة مساحةً أوسع لتقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي يفتح الباب للحوار، لا الطرف الذي يغلقه.
ومن شأن هذا الحوار أيضًا أن يفتح المجال أمام نشوء فضاءٍ مدني أكثر تنوُّعًا وأقرب إلى الواقع الداخلي، ولا يبدو منفصلًا عن المواطن أو غريبًا عنه، ولا يحمل بالضرورة المواقف نفسها التي جعلت قطاعاتٍ كبيرة من الداخل تنظر إلى “قحت” على أنها أقرب إلى الخارج منها إلى الشارع السوداني.
وحتى لقاء الإعلاميين، رغم ما شابه من ملاحظاتٍ، يمكن قراءته في الاتجاه نفسه؛ فهو جزءٌ من محاولة فتح قنوات اتصالٍ مع شرائحَ سودانيةٍ مختلفة، وتوسيع دائرة الخطاب، وهو ما يضيف سياسيًا إلى صورة الحكومة والبرهان باعتبارهما أكثر انفتاحًا على التواصل مع مكونات المجتمع، بدلًا من أن يبقى المجال المدني والإعلامي حِكرًا على تيارٍ واحد.
ويبقى سؤالٌ آخر عن جدوى إبقاء الجهات التي تُطلِق مثل هذه الدعوات أو تديرها خلف الستار، سواء كانت إعلام رئاسة الجمهورية أو مجلس السيادة أو لجنة الحوار؛ فهذا ليس عملًا يقتضي السريَّة، بل إن الشفافية في تحديد الجهة المنظِّمة أفضل، لأنها تتيح توضيح معايير المشاركة وأسباب محدوديَّتها، ومنها محدوديَّة الطاقة اللوجستية التي قد لا تسمح بدعوة الجميع في وقتٍ واحد، مع توضيح أن هناك لقاءاتٍ قادمة ستُتيح فرصة المشاركة لمَن لم تشملهم الدعوة هذه المرَّة، وتقطع الطريق أمام كثيرٍ من التساؤلات التي يمكن أن تُثار بشأن مَن دُعي ومَن لم يُدعَ، ولماذا.
ويمكن في هذا السياق استحضار شعار “الحوار الدارفوري-الدارفوري” القديم؛ إذْ كانت فكرتُه تقوم على إعادة القضية إلى بيتها الدارفوري بحيث يتحاور بعض أبناء دارفور أولًا بشأن قضيتهم، مُستندين إلى معرفتهم بسياقها وخصوصيتها وآليات معالجتها المحلية، بدلًا من أن تبقى إدارة قضيتهم مقتصرةً على المركز أو أن تُفرَض عليها حلولٌ من خارج الإقليم. وكان تضييق دائرة الحوار حينها غايةً لتسهيل الوصول إلى حلٍّ للقضية، فإذا نجح الدارفوريون في إنتاج حلٍّ مقبول، أمكن أن يتَّسع أثره ليصبح جزءًا من معالجة علاقة دارفور بالمركز وبالدولة السودانية ككُل.
وبالمنطق نفسه ولكن على نطاقٍ وطني، يمكن قراءة “الحوار السوداني-السوداني” على أنه محاولةٌ لإعادة الحوار إلى بيته السوداني؛ أي إلى السودانيين في الداخل بحيث لا يحتكر الخارج شكلَ الحلِّ ومساره، وخاصةً بعد فشل المبادرات الخارجية المتعدِّدة.
غير أن التحدي الحقيقي أمام “الحوار السوداني-السوداني”، الذي يُسعَى من خلاله إلى سحب البساط من تحت أقدام “قحت” التي ظلَّت تحتكر خطاب السلام والتمثيل المدني، هو أن يستطيع إنتاج شرعيةٍ أوسع من شرعية الأطراف التي تبدأه، وألّا يتحول إلى مجرَّد أداةٍ لتحسين صورة الحكومة والجيش دوليًا؛ فقد تنجح الحكومة نسبيًا في تحسين صورتها خارجيًا وبالتالي تخفيف الضغوط الخارجية والحدِّ من أثر العقوبات الدولية المرتقبة؛ غير أن تحقيق أكبر قدرٍ من النجاح سياسيًا يجب أن يتعدَّى ذلك إلى توسيع دائرة المشاركة بحيث لا تقتصر على المؤيِّدين والمتقاربين معها لكيلا تترك مجالًا لقوى “قحت”، المرتبطة عضويًا بالأجندات الخارجية وتدور في فلكها، لتقولَ إن الحوار محدود التمثيل، وإنه مجرَّد محاولةٍ من الحكومة للاستماع إلى صدى صوتها.
فإذا اتسعت دائرة المشاركة، وأصبح الحوار فعلًا مساحةً سودانيةً لإنتاج الحلِّ، اكتسب “الحوار السوداني-السوداني” معناه الحقيقي باعتباره مسارًا سياسيًا يُعيد مركز الثقل إلى الداخل. أما إذا ظلَّت المشاركة محدودةً، فقد يقتصر الأمرُ على مجرَّد نقلٍ لمركز التفاوض من العواصم الخارجية إلى الخرطوم من دون أن تتغيَّر المعادلة وموازين التأثير التي أفضت إلى فشل المبادرات السابقة.