أخبار رئيسيةالأخبار

“الجنيه الذهبي الادخاري” في السودان… بين رهان الاستقرار النقدي ومخاوف التخزين

دفعت مشاكل سعر الصرف الراهنة الخبراء المصرفيين للبحث عن مقترحات حلول لتهتدي بها السلطات النقدية للخروج من الأزمة.
وتباينت رؤى خبراء تحدثوا لـ “المحقق” حول جدوى اللجوء للجنيه الذهبي الادخاري؛ ما بين معارض يرى أنه مخزن للقيمة فقط، ومؤيد يراه البديل السيادي الأنسب لتحويل الذهب من مادة للتهريب والمضاربة إلى وعاء ادخاري آمن، ينحصر تداوله داخل الجهاز المصرفي.
يقول مساعد محافظ البنك المركزي السابق، عبد الله الحسن، لـ “المحقق”: إن الجنيه الذهبي لن يؤدي لحل أزمة سعر الصرف، لكونه مجرد ملجأ وملاذ آمن لحفظ المدخرات تجنبًا لتدني قيمة الجنيه السوداني.
وأشار الحسن إلى أن معالجة الأزمة تتم عبر اتباع سياسات وإجراءات وضوابط محددة، وليس بابتكار ملاذات آمنة كالجنيه الذهبي الإدخاري.
بينما يصف الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم الجنيه الذهبي الادخاري بأنه يمثل رؤية استراتيجية لإنقاذ الاقتصاد من أزماته البنيوية الممتدة.
ويوضح أن الجنيه ظل يواجه، منذ فقدان عوائد النفط بسبب انفصال الجنوب، ضغوطًا متزايدة نتيجة المضاربة على الدولار، مؤكدًا فشل الحلول التقليدية في معالجة جذور الأزمة النقدية.
ويشير إلى أن هذا الواقع دفع المواطنين والتجار والمعدنين للجوء إلى الدولار كملاذ وحيد لحفظ القيمة، ما عمّق حالة الانهيار النقدي وأفقد الجهاز المصرفي ثقة الجمهور.
ويرى د. عبد المنعم أن مشروع الجنيه الذهبي الادخاري بعد بديل سيادي يقوم على تحويل الذهب من مادة للتهريب والمضاربة لوعاء ادخاري آمن، محصور التداول داخل الجهاز المصرفي.
ولفت لتميزه بكونه وحدة ذهبية مسكوكة من بنك السودان المركزي، مغطاة بذهب فعلي عيار 24، ولا يسمح بتداولها خارج المصارف إلا في حالات استثنائية.
ويشير لاعتماد تسعيرها على سعر الإقفال اليومي في بورصة الذهب العالمية والسعر التأشيري للدولار، مع توفير فئات صغيرة مثل 10_25 غراما لضمان شمولية الادخار لجميع الشرائح.
واوضح ان العوائد المتوقعة منه تتراوح بين 12_17% سنويا، مدعومة بتوقعات ارتفاع سعر الأوقية إلى حدود 4.900 دولار بنهاية عام 2026.
ويؤكد د. عبد المنعم قدرة المشروع على تقليص الطلب على الدولار عبر توفير بديل آمن للمعدنين والتجار، واستعادة السيولة المصرفية المفقودة بجانب دعم التنمية القومية عبر توظيف نسبة من حساباته في تمويل مشروعات زراعية وصناعية كبرى.
وتوفير وعاء ضخم لتحصيل الزكاة من مدخرات التجار الذهبية، بما يحد من الفقر ويحول السياسة المالية لأداة لتحقيق العدالة الاجتماعي.
ويتحدث الخبير عن أن المشروع لا يقف عند حدود الإصدار المادي، بل يتجه نحو إنشاء عملة رقمية مدعومة بالذهب باستخدام تقنية “البلوكشين”، بما يضمن شفافية كاملة في توثيق الملكية، وأماناً عالياً بسجلات غير قابلة للتلاعب، وكفاءة إدارية في عمليات التسييل والربط بأنظمة الدفع الإلكتروني.
ويؤكد أن النموذج السوداني المقترح يتميز بكونه نظاماً مغلقاً يمنع تهريب الذهب ويضمن بقاء الاحتياطي داخل الدولة، بخلاف بعض التجارب الدولية التي سمحت بتسرب الذهب خارج الحدود.
ويشير د. عبد المنعم الى وجود تحديات أمام الجنيه الذهبي وضبطه لسعر الصرف، أبرزها: مقاومة أصحاب المصالح من تجار العملة ومهربي الذهب، وغياب الإرادة السياسية الصلبة لتبنيه منذ طرحه لأول مرة في فبراير 2018 والحاجة لتأسيس بورصة ذهب وطنية، ووحدة متخصصة للأصول الرقمية داخل البنك المركزي.
بجانب إطلاق حملات إعلامية واسعة لاستعادة ثقة الجمهور، وبناء تحالفات مصرفية قادرة على مواجهة قوى الشد العكسي.
ويؤمنّ على أهميته في الإصلاح المصرفي بإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي، وتحويل الذهب السوداني من مادة للاستنزاف إلى ركيزة للاستقرار النقدي والتنمية الشاملة، مرهناً نجاحه بإصدار قرار سيادي حاسم يضع المصلحة الوطنية فوق نفوذ المضاربين والمهربين، ويمنح السودان فرصة تاريخية لاستعادة سيادته النقدية عبر ابتكار هو الأول من نوعه عالمياً.
من جهته، قال رئيس سلطة تنظيم أسواق المال السابق، د. شوقي عزمي، لـ “المحقق”: إن إصدار عملات ذهبية، أو تحتوي على نسبة معينة من الذهب (نصف جرام، جرام إلى 10 جرامات)، يؤدي لتحسين قيمة العملة ويحد من انهيارها لأقل من قيمة الذهب الموجود فيها، ما يحميها من آثار التضخم بما فيها من غطاء ذهبي.
ويرى د. عزمي أن الأمر أكثر تعقيداً في ظل الاقتصاديات التي تعاني من خلل؛ حيث تعتبر العملة الذهبية مخزناً للقيمة يتم تخزينها لدى المواطنين وسحبها من القنوات المصرفية، وبالتالي تلجأ الدولة لطباعة أوراق مالية جديدة.
ووصف العملة الذهبية المتداولة بأنها حل غير مثالي لحل أزمة سعر الصرف أو الأزمات الاقتصادية الأخرى بمعزل عن تنفيذ إصلاح اقتصادي هيكلي كلي يشمل زيادة الإنتاج والإيرادات منع التهريب والتحايل على القانون والصرف غير المبرر، وايقاف طباعة العملات الورقية لتحسين قيمة العملة.
وأشار د. عزمي إلى أن تحسن قيمة العملة يتم حينما يكون عليها طلب من الدول الأخرى عبر السلع التي تُنتج بذات العملة المحلية، وبالتالي تتدفق العملات الأجنبية وترتفع الإيرادات ويُغطى العجز في الميزان التجاري، ما يحدث فائضاً في الإيرادات مقارنة بالمصروفات، والذي يقود تلقائياً لتحسن كبير في سعر الصرف.
ويرى الخبير إن أفضل صيغة لاستخدام الذهب هي عمليات تصكيكه أو استخدام العملات الرقمية المدعومة بمخزون الذهب تحت إشراف البنك المركزي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى