دكتور عوض الحسن النور
كما قلنا من قبل ونكرر ، ألحقت الحرب في السودان أضراراً جسيمة بمؤسسات الدولة، ولم تكن مؤسسات العدالة بمنأى عنها. فقد تعطلت محاكم، وضاعت أو تلفت ملفات وسجلات، وتفرقت الكفاءات، وأصبح الوصول إلى العدالة في مناطق واسعة أمراً بالغ الصعوبة. غير أن إعادة الإعمار، متى تهيأت ظروفها، لا ينبغي أن تقتصر على إعادة المباني والملفات والأجهزة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
فالسؤال الأهم هو: أي سلطة قضائية نريد أن نعيد بناءها؟
إن إعادة القضاء إلى الصورة التي كان عليها عشية الحرب قد تعيد تشغيل المرفق، لكنها لا تجيب بالضرورة عن مشكلات تراكمت قبل الحرب نفسها. ولهذا فإن المحنة، على قسوتها، تفرض فرصة للمراجعة: ما الذي نجح في التجربة القضائية السودانية ويستحق المحافظة عليه؟ وما الذي لم يعد صالحاً؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من النظم الأخرى دون أن نفقد شخصية القضاء السوداني؟
وهذا يتفق مع المنطلق العام لتوصيات اللجنة العدلية لإعمار ما بعد الحرب، التي لم تحصر الإصلاح في القضاء وحده، وإنما تناولت المحكمة الدستورية والسلطة القضائية والنيابة العامة ووزارة العدل والتدريب والتعليم القانوني، وراعت في عملها المدارس القانونية المختلفة التي مرت على النظام العدلي السوداني.
قضاء سوداني تكون في بيئة مختلفة:
يصعب البحث عن مستقبل السلطة القضائية في السودان من غير استحضار تاريخها ، فالقضاء السوداني الحديث تكون، في مرحلة مهمة من تاريخه، في بيئة قانونية تأثرت بالتقاليد الأنجلوسكسونية. وانعكس ذلك في مكانة القضاء والسوابق القضائية وفي الدور الذي يؤديه القاضي في تفسير القانون وتطويره، وفي تكوين شخصية قضائية لها مساحة معتبرة في الاجتهاد . ولم يقتصر الأمر على منهج إصدار الأحكام. ففي مراحل من التجربة السودانية لم يكن القاضي بعيداً عن مرحلة التحري والتحقيق بالصورة المعروفة في بعض النظم ؛ فقد عرف السودان إشراف القاضي على التحري، كما عرف قاضي التحقيق. وهذه ليست مجرد واقعة تاريخية. فهي تكشف اختلافاً في فلسفة العدالة الجنائية وفي توزيع المسؤوليات بين القاضي والنيابة العامة والشرطة (الجهات التي تتولى الاتهام).
ثم شهد السودان، ولا سيما منذ تحولات السبعينيات، تغيرات تشريعية ومؤسسية متعاقبة، واقترب في جوانب من بنائه القانوني من النظم العربية المتأثرة بالمدرسة اللاتينية. ومع الزمن تغيرت كذلك مواقع القضاء والنيابة العامة ووزارة العدل وعلاقاتها ببعضها والأخذ بإدارة القضاء عن طريق مجلس القضاء العالي ، وباستقلالية النيابة العامة عن استحياء.
ولا يراد من الإشارة إلى ذلك القول إن النظام الانجلوسكسوني أفضل، أو أن ما أخذ عن النظم العربية كان خطأ فالسؤال أكثر دقة:
هل انتقل السودان من نموذج قضائي إلى نموذج آخر انتقالاً مؤسسياً متكاملاً، أم أنه جمع عبر مراحل تطوره عناصر من نظم مختلفة دون أن يحسم دائماً فلسفة العلاقة بينها؟
ولعل هذا من الأسئلة التي ينبغي أن يفتح حولها حوار قانوني هادئ في مرحلة إعادة البناء.
ما السلطة القضائية التي نتحدث عنها؟
قد يبدو تعريف السلطة القضائية أمراً بديهياً، قضاة ومحاكم يفصلون في المنازعات ويطبقون القانون ، لكن هذا التعريف لا يكفي لبناء مؤسسة.
فهل السلطة القضائية هي المحاكم وحدها؟ وما موقع النيابة العامة منها؟ وهل النيابة جزء من السلطة القضائية، أم سلطة ذات طبيعة قضائية مستقلة، أم جهاز عدلي منفصل؟ وما علاقتها بالشرطة؟ ومن يتولى تعيين أعضائها وترقيتهم وتفتيش أعمالهم وتأديبهم؟
وفي المقابل، أين تقف وزارة العدل؟ وما الوظائف التي ينبغي أن تبقى لها بوصفها جهازاً من أجهزة الدولة ذا جانب تنفيذي وإداري وفني، وأين ينبغي أن تنتهي اختصاصاتها حتى لا تتداخل مع الوظيفة القضائية أو وظيفة التحقيق والاتهام؟
هذه الأسئلة ليست خلافاً في المسميات ، إنها تتصل بتوزيع السلطة وضمان الحقوق. ولهذا أحسنت توصيات اللجنة العدلية عندما جعلت من أهداف الإصلاح تحقيق التكامل بين القضاء والنيابة العامة ووزارة العدل، مع الاستفادة من السوابق والتشريعات والتجارب السودانية وصولاً إلى نموذج وطني سوداني.
وسوف يكون موقع النيابة العامة وعلاقتها بالقضاء ووزارة العدل موضوعاً مستقلاً في هذه السلسلة، لأنه يستحق نقاشاً أوسع من أن يحسم في فقرة عابرة.
استقلال القضاء ليس مجرد نص في الدستور:
استقلال القضاء من المبادئ التي يكاد ينعقد عليها الإجماع ، لكن الاختلاف يبدأ عند السؤال عن مضمون هذا الاستقلال ، ومن المفيد التمييز بين استقلال السلطة القضائية، واستقلال القاضي، وإدارة مرفق القضاء.
استقلال السلطة القضائية يعني ألا تخضع في أداء وظيفتها الدستورية لهيمنة السلطة التنفيذية أو غيرها، وأن تتوافر لها الضمانات المؤسسية اللازمة.
أما استقلال القاضي فيعني أن يكون حراً في تكوين عقيدته القضائية وتطبيق القانون على الوقائع، فلا يتلقى توجيهاً بشأن حكمه من وزير أو مسؤول سياسي أو إداري، ولا حتى من قاض أعلى منه درجة خارج طرق الطعن التي يقررها القانون.
لكن إدارة المحاكم مسألة أخرى، فإدارة المباني والمشتريات والموظفين والموارد البشرية والخدمات والأنظمة التقنية وغيرها ، ليست في ذاتها، قضاءً.
والتنظيم السوداني عرف إدارة للمحاكم تابعة لرئيس القضاء، يتولى إدارتها من يعينه رئيس القضاء من بين قضاة المحكمة العليا أو الاستئناف. وفي المقابل، دعت توصيات الإصلاح إلى إبعاد القضاة عن العمل الإداري، وأتمتة الأعمال الإدارية وتفويضها إلى مختصين في الإدارة والاقتصاد والموارد البشرية لتفريغ القاضي لعمله الأصيل.
وهنا ينبغي طرح السؤال بوضوح:
هل استقلال القضاء يعني أن يدير القاضي كل شؤون المؤسسة القضائية، أم أن مقتضى حسن الإدارة أن يدير القضاة العدالة بينما يتولى المهنيون المتخصصون إدارة المرفق تحت إشراف السلطة القضائية؟
فالوقت الذي ينفقه رئيس القضاء ورئيس الجهاز القضائي والقاضي في تفاصيل الإدارة اليومية هو وقت يقتطع بالضرورة من الوظيفة التي لا يستطيع أن يؤديها سواهم.
قبل بناء المحكمة… ينبغي بناء القاضي:
غير أن أفضل الهياكل والقوانين لن تنشئ قضاءً مستقلاً إذا لم يكن القاضي نفسه قادراً على ممارسة استقلاله ، ومن هنا ينبغي ألا يقتصر إصلاح السلطة القضائية على تحديد علاقة القضاء بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، بل يجب أن يتناول الضمانات الشخصية والمهنية لمن يحمل أمانة القضاء.
وأولى هذه الضمانات الأمان الوظيفي ، فلا يجوز أن يصبح النقل أو الندب أو الترقية أو التفتيش أو التأديب وسيلة غير مباشرة للتأثير في القاضي ، ولا يعني ذلك تحصينه من المساءلة؛ فالقاضي أولى الناس بالخضوع للقانون، ولكن مساءلته ينبغي أن تتم وفق معايير معلنة وإجراءات عادلة تكفل له حق الدفاع والطعن.
وقد دعت توصيات اللجنة إلى وضع معايير واضحة للتعيين والترقية، وإلى تطوير التفتيش القضائي ليكون وسيلة لتحسين الأداء لا مجرد أداة عقابية.
وتأتي الحماية الشخصية في أهمية خاصة في سودان ما بعد الحرب. فالقاضي الذي ينظر الجرائم الخطيرة، ووكيل النيابة الذي يحقق فيها، لا ينبغي أن يترك أي منهما أو أسرته عرضة للتهديد والانتقام أو الإغراء والإفساد بسبب أداء الواجب ، وهذه الحماية ليست امتيازاً للقاضي أو وكيل النيابة، بل حماية لسلطة القانون التي يمثلانها.
كرامة العيش من ضمانات الاستقلال:
وقد يكون من غير الواقعي الحديث عن استقلال القضاء دون الحديث بصراحة عن الوضع المادي للقاضي وعضو النيابة. فالدولة تطلب منهما النزاهة والتجرد، وتضع بحكم الوظيفة قيوداً مشروعة على مزاولة الأعمال والأنشطة التي يمكن أن توفر مصادر أخرى للدخل ، ومن ثم يقع عليها، في المقابل، واجب توفير مستوى من المعيشة يصون كرامة الوظيفة ويحمي صاحبها وأسرته من الحاجة.
فالراتب الملائم، والسكن، والعلاج والتأمين والمعاش المناسب ليست امتيازات شخصية تمنح للقاضي أو وكيل النيابة ، وإنما تدخل ـ إذا ضبطت باعتدال وشفافية ـ ضمن الضمانات الموضوعية لاستقلاله ونزاهته . وقد تضمنت توصيات اللجنة العدلية صراحة الدعوة إلى اتخاذ آليات لتحسين الأوضاع المعيشية للقضاة، ووكلاء النيابة .
وفي ظروف التضخم وعدم الاستقرار الاقتصادي لا يكفي تحديد راتب اسمي ثم ترك قيمته الحقيقية تتآكل لسنوات؛ وإنما يستحق النقاش إنشاء آلية قانونية (مجلس القضاء العالي) موضوعية للمراجعة الدورية للأجور والمخصصات والمعاشات، بعيداً بقدر الإمكان عن المساومات الإدارية والسياسية.
فالاستقلال ليس نصاً دستورياً فقط؛ إنه أيضاً قدرة عملية على أن يقول القاضي كلمة القانون دون خوف أو حاجة أو محاباة.
القسم وأداء اليمين .. الوجه الآخر للاستقلال:
وحيث إن الضمانات لا تسير في اتجاه واحد ، فبقدر ما يطالب القاضي ووكيل النيابة الدولة والمجتمع باحترام استقلالهما وحمايتهما وتوفير الحياة الكريمة لهما، يلتزمان في المقابل بأمانة ثقيلة ، ومن هنا تأتي أهمية القسم ، فينبغي ألا يكون أداء اليمين للقاضي ووكيل النيابة وإشهاره أمام الجميع مجرد مراسم تسبق مباشرة العمل ، إنه إعلان أمام الدولة والمجتمع ـ وقبل ذلك أمام الضمير ـ بأن من تولى هذه الوظيفة قد التزم بسيادة الدستور والقانون، وبالنزاهة والحياد، وبأداء واجبه دون خوف أو محاباة أو مصلحة ، وقد أولت توصيات اللجنة هذه المسألة اهتماماً في شأن القضاء والنيابة العامة، واعتبرت أثر القسم متجاوزاً للكلمات المنطوقة ليكون ميثاق شرف ودستوراً أخلاقياً يوجه عمل القاضي أو عضو النيابة.
ولعل إصلاح النظام العدلي يتيح إعادة النظر في مضمون القسم ذاته، بحيث يعبر بوضوح عن القيم التي تقوم عليها الوظيفة القضائية: الدستور، وسيادة القانون، والاستقلال، والنزاهة، والحياد، وحماية الحقوق والحريات ، فالاستقلال بلا مساءلة قد يتحول إلى حصانة، والمساءلة بلا استقلال قد تتحول إلى وسيلة للسيطرة.
والمطلوب هو التوازن بين الاثنين ، لا نعود إلى الماضي ولا نبدأ من الصفر ، ولا ينبغي أن يفهم الحديث عن الجذور الأنجلوسكسونية للقضاء السوداني أو عن دور القاضي القديم في الإشراف على التحري باعتباره دعوة إلى إعادة النظام السابق بحذافيره.
كما لا ينبغي، في الاتجاه الآخر، أن نفترض أن النموذج الذي أخذ به السودان في مرحلة لاحقة، أو أي نموذج عربي أو أوروبي معاصر، يصلح للنقل كاملاً إلى السودان ، فالتجربة السودانية نفسها ثروة ينبغي البدء منها.
نأخذ منها ما أثبت قيمته: استقلال شخصية القاضي، وقوة الاجتهاد والسوابق القضائية، والخبرة المتراكمة، والرقابة القضائية على الإجراءات التي تمس الحقوق والحريات. ، ونراجع ما يحتاج إلى المراجعة ، ثم ننظر إلى الخارج: كيف تدار المحاكم الحديثة؟ وكيف تختار الدول القضاة وأعضاء النيابة؟ وكيف تنظم التفتيش والتدريب؟ وكيف تفصل بين العمل القضائي والإدارة؟ وكيف استخدمت التقنية لتقريب العدالة من المواطن؟
وقد أخذ مشروع مجلس القضاء العالي الوارد ضمن أوراق الإصلاح في الاعتبار تجارب متعددة، منها فرنسا وإيطاليا وجنوب أفريقيا والهند، مع التأكيد على مراعاة الخصوصية السودانية ، وتلك، في تقديري، هي نقطة البداية الصحيحة .
من إعادة الإعمار إلى إعادة التأسيس:
إذا كان لا بد من إعادة بناء المحاكم التي دمرتها الحرب، فالأجدى ألا نبني فقط المبنى، بل نراجع المؤسسة ، وإذا كان لا بد من استعادة الملفات والسجلات، فلماذا لا يكون الأصل مستقبلاً هو الملف الإلكتروني والأرشفة الآمنة؟ وإذا تفرق السودانيون بين الولايات وخارج البلاد، فلماذا لا يصبح التقاضي عن بعد وسيلة أصيلة للوصول إلى العدالة حيث تسمح طبيعة الدعوى بذلك؟ وإذا كان القضاء سيعاد بناؤه، فلماذا لا يقترن ذلك بالتخصص القضائي والتدريب المستمر والإدارة المهنية الحديثة؟ وتوصيات اللجنة نفسها جعلت التحول الرقمي والتخصص وإبعاد القاضي عن الأعمال الإدارية من عناصر إصلاح قانون السلطة القضائية. ومن ثم ينبغي ألا يكون الطموح أن يعود القضاء السوداني إلى يوم ما قبل الحرب؛ بل أن يخرج من إعادة الإعمار أكثر استقلالاً وكفاءة وقدرة على خدمة المواطن مما كان عليه قبلها.
التشريع .. من تعديل القوانين إلى بناء النظام :
ولا يمكن إصلاح السلطة القضائية بمعزل عن إصلاح التشريع. فالقوانين ليست مجرد أدوات تنظم إجراءات المحاكم، وإنما هي التي تترجم فلسفة نظام العدالة إلى مؤسسات واختصاصات وضمانات. ولذلك لا ينبغي أن تقوم إعادة الإعمار على تعديلات متفرقة تفرضها الضرورة الآنية، بل على مراجعة تشريعية متكاملة تحدد بوضوح موقع القضاء والنيابة العامة ووزارة العدل، وتنظم مجلس القضاء العالي، والتعيين والترقية والتفتيش والمساءلة، وتضع الأساس القانوني للإدارة القضائية المهنية والتخصص والتدريب والتحول الرقمي والتقاضي عن بعد، وتسهيل إجراءات التقاضي وإدخال نظم إدارة الدعوى وغيرها. وقد تضمنت توصيات اللجنة بالفعل مراجعة عدد من القوانين المنظمة لأجهزة العدالة، بما فيها قانون السلطة القضائية وقانون النيابة العامة وقانون وزارة العدل وغيرها. والأهم أن يسبق التشريع الاتفاق على فلسفة النظام المراد بناؤه؛ لأن القانون الجيد لا يبدأ بصياغة المواد، بل بتحديد الغاية التي يراد لهذه المواد أن تحققها. ومن ثم ينبغي أن تكون عملية التشريع نفسها تشاركية، تستفيد من القضاة وأعضاء النيابة والمستشارين والمحامين والجامعات وسائر الخبرات السودانية، وألا تتحول إعادة بناء العدالة إلى مجرد استبدال قانون بقانون.
القضاة المتقاعدون: خبرة لا ينبغي أن تتقاعد:
ومن الموارد التي يملكها السودان، وربما لم يستفد منها بالقدر الكافي، القضاة المتقاعدون. فبلوغ القاضي سن التقاعد ينهي ولايته القضائية وفق القانون، ولكنه لا ينهي ما راكمه عبر عشرات السنين من معرفة بالقانون، وصياغة الأحكام، وإدارة الدعوى، وفهم تقاليد القضاء وأخلاقياته. وفي مرحلة ما بعد الحرب، حيث تشتد الحاجة إلى إعادة التدريب وبناء المؤسسات واستعادة الذاكرة القضائية، سيكون إهدار هذه الخبرة خسارة يصعب تعويضها. وقد دعت توصيات اللجنة بالفعل إلى الاستفادة من القضاة السودانيين المتقاعدين ومن الخبرات الموجودة خارج البلاد ويمكن أن يتم ذلك دون المساس بسن التقاعد أو إغلاق الطريق أمام الأجيال الجديدة، من خلال التدريب والتأهيل، والمشاركة في إعداد المناهج والأدلة القضائية، والبحوث والتشريع، وتوثيق السوابق، والوساطة والتحكيم، واللجان الفنية والاستشارية، والاستعانة الانتقائية بمن تسمح كفاءته وسنه وحالته الصحية حيث يجيز القانون ذلك. وفي هذا المجال يمكن أن يكون للجمعية السودانية للقضاة المتقاعدين دور مؤسسي مهم في جمع هذه الخبرات وتنظيمها وإتاحتها للدولة ومعهد التدريب والسلطة القضائية، بدلاً من أن تظل جهوداً فردية متفرقة. فالتجديد لا يعني القطيعة بين الأجيال؛ وإنما أن يتولى الجيل الجديد المسؤولية مستفيداً من ذاكرة من سبقوه وخبرتهم.
فإعادة بناء القضاء تحتاج إلى تشريع ينظر إلى المستقبل، وإلى جيل جديد يحمل المسؤولية، وإلى خبرة الأجيال السابقة تحفظ الذاكرة القضائية وتنقل تقاليدها، بحيث يكون الإصلاح تجديداً للمؤسسة لا قطيعة مع تاريخها.
دعوة نحو حوار :
ليس المقصود من هذا المقال تقديم نموذج نهائي للسلطة القضائية، وإنما الدعوة إلى أن يسبق التشريع حوار حول فلسفة النظام الذي نريد تشريعه ، فالخلاف حول التفاصيل يمكن حسمه لاحقاً، ولكن البداية ينبغي أن تكون بمجموعة من الأسئلة:
ما حدود السلطة القضائية؟ ما موقع النيابة العامة؟ ما وظيفة وزارة العدل؟ من يدير القضاء؟ كيف يختار القاضي؟ كيف يحمى؟ كيف يضمن له العيش الكريم؟ كيف يدرب ويقيم ويحاسب؟ وما موقع المحكمة العليا في دولة تتجه نحو نظام فيدرالي؟ وهل المحكمة الدستورية محكمة مستقلة أم دائرة من دوائر المحكمة العليا ؟
هذه ليست أسئلة تخص القضاة والقانونيين وحدهم؛ لأنها تتعلق بقيم دستورية حيث في النهاية بحق المواطن في أن يجد، حين يظلم، قاضياً مستقلاً ومؤهلاً وآمناً وكريم العيش، لا يخشى في حكمه أحداً ولا يحتاج إلى أحد، وقد أقسم أن يؤدي أمانته وفق الدستور والقانون ، ولعل هذا هو المدخل إلى السؤال الأصعب الذي ينبغي أن يكون موضوع المقال القادم: