الدكتور محمد عوض محمد متولي
في لحظة تاريخية لم تعد تقبل أنصاف الحلول، وبينما يعيد العالم تشكيل خارطة نفوذه الاقتصادي فوق رمال متحركة من الأزمات، تبرز أمامنا الحقيقة المجردة: “من لا يملك لقمته وصناعته، لا يملك قراره”. إننا اليوم لا نتحدث عن رفاهية الاختيار بين الإنتاج المحلي والاستيراد، بل نخوض معركة “وجودية” لانتزاع سيادتنا الاقتصادية من براثن الارتهان لسلاسل الإمداد العالمية المترنحة.
لم يعد “الإنتاج الوطني” مجرد شعار نرفعه في المحافل، بل هو الدرع الاستراتيجي الأخير الذي سيحمي عملتنا الصعبة، ويؤهل رؤوس أموالنا الوطنية لتقود قاطرة المستقبل. لقد دقت ساعة الحقيقة؛ فالحظر المفروض على بعض السلع ليس عائقاً كما يظن البعض، بل هو “الشرارة الذهبية” التي يجب أن تحرك ركود مصانعنا، وتستنهض عقولنا البحثية لاستنباط البدائل من رحم ترابنا الوطني.
إن فلسفة “الاستعاضة عن الواردات” التي نطرحها هنا ليست مجرد رد فعل مؤقت، بل هي ثورة صناعية مكتملة الأركان، تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمستثمر، وتحول الضرائب من “جباية” إلى “حافز”، والمصانع من “ورش تجميع” إلى “قلاع إنتاجية” تدار بمشرط البحث العلمي الرصين.
تنبثق الأصول التحليلية الرصينة لهذا التحول من دراسة “الفجوة السلعية” للسلع المحظورة، حيث يتطلب الأمر توجيه الاستثمارات الوطنية نحو إنتاج نفس هذه السلع بمعايير جودة تنافسية. إن توجيه رأس المال الوطني نحو هذه القطاعات يحتاج بيئة محفزة تتجاوز الشعارات، تبدأ بإعادة هندسة المنظومة الضريبية لتصبح أداة تمكينية لا عبئاً تحصيلياً. إن خفض الضرائب على المصانع التي تتبنى خطوط إنتاج للبدائل المستوردة يجب أن يرتبط بمعايير دقيقة، مثل نسبة المكون المحلي في المنتج النهائي، مقدار الطاقة الاستيعابية للعمالة الوطنية. كما يجب تفعيل الضريبة التفضيلية التي تمنح إعفاءات كاملة من ضريبة الأرباح التجارية والصناعية لمدة زمنية كافية لاسترداد التكاليف الرأسمالية، مما يشجع أصحاب الرؤوس الأموال على المغامرة في قطاعات تصنيعية جديدة، بدلاً من البقاء في دائرة التجارة الهامشية.
أما فيما يتعلق بتمكين المصانع، فإن الرؤية الهيكلية المعمقة تفرض علينا معالجة معضلة التكاليف التشغيلية. إن تقليل كلف الإنتاج لا يأتي فقط عبر دعم الطاقة، بل عبر اقتصاديات الحجم، تحديث التكنولوجيا. يجب على الدولة توفير الأراضي الصناعية بنظام حق الانتفاع طويل الأمد بأسعار رمزية، مع ربط هذه المجمعات بشبكات نقل ولوجستيات متطورة تقلل من تكلفة وصول المنتج إلى الأسواق. إن تأهيل المصانع الوطنية يتطلب أيضاً حزمة تمويلية سيادية توفر قروضاً بفوائد صفرية أو ميسرة جداً مخصصة حصرياً لتحديث الآلات وخطوط الإنتاج، بما يضمن مواءمتها للمواصفات القياسية الدولية، وهو ما يمهد الطريق للاكتفاء الذاتي ثم التصدير مستقبلاً.
وفي سياق متصل، يبرز دور البحث العلمي كعامل حاسم في نجاح استراتيجية الاستعاضة عن الواردات. إن الارتباط الوثيق بين الجامعات، المراكز البحثية، المصانع هو ما يولد الابتكار. يجب تفعيل دور مراكز البحث لإيجاد بدائل محلية للمواد الخام التي كانت تُستورد من الخارج، سواء عبر استخلاص المعادن المحلية، تطوير منتجات كيميائية وزراعية وسيطة. إن هذا التوجه يقلل من الارتهان للخارج، يوفر كميات هائلة من العملة الصعبة التي كانت تستنزف في استيراد مدخلات الإنتاج.
كما إن بناء مختبرات وطنية للبدائل سيتيح للمصنع المحلي الوصول إلى تركيبات ومواد أولية بأسعار منافسة، مما يرفع من الجدوى الاقتصادية للمشاريع الوطنية، يجعلها قادرة على الصمود أمام أي تقلبات في الأسواق العالمية.
إن تأهيل رؤوس الأموال الوطنية يتطلب حماية قانونية وتشريعية واضحة. يجب أن يشعر المستثمر الوطني أن قرارات الحظر ليست مؤقتة، بل هي جزء من استراتيجية وطنية بعيدة المدى، مما يحفزه على ضخ استثمارات ضخمة في أصول ثابتة. إن التكامل بين السياسة المالية والنقدية هو الضمان الوحيد لنجاح هذا المسار، حيث يجب أن يعمل البنك المركزي على استقرار سعر الصرف، توفير التسهيلات الائتمانية للمصنعين، بينما تعمل وزارة المالية على تقديم الحوافز الضريبية والجمركية على مدخلات الإنتاج غير المتوفرة محلياً، مما يخلق بيئة متوازنة تدفع عجلة الإنتاج إلى الأمام.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، نضع بين يدي صانع القرار خارطة طريق استراتيجية شاملة تتضمن جملة من التوصيات التي يجب أن تتضافر الجهود لتنفيذها وفق إطار تنفيذي دقيق.
تتجسد أولى هذه التوصيات في ضرورة تأسيس المجلس الأعلى لإحلال الواردات برئاسة رئيس الدولة وعضوية كبار الخبراء الاقتصاديين، ليتولى رسم السياسات العليا، تنسيق الجهود بين الوزارات المختصة لضمان تنفيذ استراتيجية البدائل بصرامة. ويتبع ذلك إطلاق صندوق دعم التصنيع الوطني لتمويل المصانع التي تنتج البدائل للسلع المحظورة، بتمويل مشترك من الدولة والقطاع المصرفي مع منح فترات سماح طويلة المدى. كما يجب إقرار الإعفاء الضريبي الكامل لمدة عشر سنوات للمصانع الناشئة التي تلتزم بإنتاج سلع كانت مدرجة ضمن قائمة المحظورات، وتنفذ ذلك وزارة المالية عبر تعديل تشريعي فوري.
وفي إطار التخفيف من الأعباء، يتعين تخفيض الرسوم الجمركية إلى الصفر على الآلات والمعدات والمواد الخام التي لا يوجد لها بديل محلي، وتنفذ ذلك مصلحة الجمارك بناءً على قوائم فنية محدثة دورياً. ويواكب ذلك إنشاء مناطق صناعية تخصصية بالقرب من مصادر المواد الخام لتقليل تكاليف النقل، وتنفذ ذلك وزارة الصناعة بالتعاون مع الهيئات المحلية. كما يجب إلزام جميع الجهات الحكومية، المؤسسات العامة بشراء المنتج الوطني بنسبة مئة بالمئة حتى لو زاد سعره عن المستورد بنسبة خمسة عشر بالمئة، وتنفذ ذلك وزارة التجارة عبر نظام المشتريات الحكومية. وتعزيزاً لـ القواعد الفنية الممنهجة، تبرز ضرورة تخصيص ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لدعم البحث العلمي الموجه لتطوير مدخلات الإنتاج، وتنفذ ذلك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتعاون مع القطاع الخاص. كما يجب إنشاء بنك المعلومات الصناعية الذي يوفر خرائط دقيقة للفرص الاستثمارية، المواد الخام المتاحة، وتنفذ ذلك الهيئة العامة للاستثمار لتوجيه رؤوس الأموال بكفاءة.
ومن الناحية البشرية، لا بد من تدشين برنامج التدريب المهني المتطور لتأهيل العمالة الوطنية على استخدام التكنولوجيا الحديثة، وتنفذ ذلك وزارة العمل عبر مراكز تدريب متطورة. ولتحفيز التوسع، ينبغي منح حوافز نقدية مباشرة للمصانع التي تحقق نسباً عالية من التصدير بعد كفاية السوق المحلي، وتنفذ ذلك وزارة المالية كدعم للصادرات الوطنية. كما يجب تبسيط إجراءات التراخيص الصناعية عبر نظام النافذة الواحدة لتصدر التراخيص في مدة قياسية، وتنفذ ذلك هيئة التنمية الصناعية. ويستدعي ذلك تفعيل قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية لضمان عدم سيطرة جهات معينة على سوق البدائل، وتنفذ ذلك أجهزة الرقابة الاقتصادية. كما نقترح ربط الدعم التمويني والسلعي بالمنتجات الوطنية فقط، مما يضمن سوقاً استهلاكياً ضخماً، وتنفذ ذلك وزارة التموين والتجارة الداخلية. ومن أجل ضمان الاستدامة، يجب إنشاء مراكز الجودة والقياس في كل منطقة صناعية لضمان مطابقة المنتجات الوطنية للمواصفات العالمية، وتنفذ ذلك الهيئة العامة للمواصفات والجودة. كما يتعين تخفيض تكلفة الطاقة للمصانع الكثيفة الإنتاج بنسبة لا تقل عن ثلاثين بالمئة، وتنفذ ذلك وزارة الطاقة والكهرباء بالتنسيق مع مجلس الوزراء. وندعو لدعم إنشاء شركات مساهمة وطنية لتصنيع المواد الخام، السلع الوسيطة، وتنفذ ذلك وزارة الاستثمار عبر تشجيع الاكتتاب العام.
وتشمل التوصيات تنظيم معارض دورية للمنتجات الوطنية محلياً، إقليمياً، وتنفذ ذلك وزارة التجارة الخارجية بالتعاون مع الغرف التجارية. وإطلاق حملة إعلامية وقومية لتعزيز الثقة بالمنتج المحلي، وتنفذ ذلك وزارة الإعلام. وتوفير التأمين الشامل على المشاريع الصناعية الكبرى ضد المخاطر غير التجارية، وتنفذ ذلك شركات التأمين الوطنية بإشراف هيئة الرقابة المالية. إنشاء وحدات استشارية تقنية داخل المناطق الصناعية لمساعدة المصانع في حل المشكلات الفنية، وتنفذ ذلك كليات الهندسة والعلوم بالجامعات. كما يجب فرض رسوم حماية مؤقتة على السلع المماثلة التي قد تتسرب للأسواق بطرق غير مشروعة، وتنفذ ذلك وزارة التجارة بالتعاون مع أجهزة حماية المستهلك. تشجيع الاندماجات الصناعية بين المصانع الصغيرة، المتوسطة لخلق كيانات اقتصادية قوية، وتنفذ ذلك وزارة الصناعة عبر حوافز اندماج ضريبية. تطوير البنية التحتية الرقمية للمصانع للتحول نحو الصناعة الرابعة، وتنفذ ذلك وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. توفير سكن للعمال، مرافق خدمية داخل المناطق الصناعية، وتنفذ ذلك وزارة الإسكان بالتعاون مع المطورين الصناعيين. علاوة على ذلك، يجب إنشاء صندوق لضمان مخاطر الائتمان للمشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة، وتنفذ ذلك مؤسسات ضمان الائتمان تحت إشراف البنك المركزي. إعفاء الصادرات الصناعية الوطنية من كافة الضرائب، الرسوم لمدة خمس سنوات، وتنفذ ذلك مصلحة الضرائب والجمارك. تقديم منح بحثية للمخترعين الذين ينجحون في ابتكار طرق إنتاج موفرة للطاقة، وتنفذ ذلك أكاديمية البحث العلمي.
تخصيص مساحات في الموانئ والمطارات لتداول المنتجات الوطنية المعدة للتصدير، وتنفذ ذلك سلطات النقل. وتختتم التوصيات بضرورة إنشاء مجالس سلعية لكل قطاع صناعي لمناقشة التحديات، وتنفذ ذلك اتحادات الصناعات. تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية لفتح أسواق جديدة، وتنفذ ذلك وزارة الخارجية. ربط المناهج التعليمية باحثياجات المصانع، وتنفذ ذلك وزارة التربية والتعليم. إنشاء منصة إلكترونية موحدة لربط الموردين المحليين بالمصنعين، وتنفذ ذلك وزارة الصناعة. أخيراً، المراجعة الدورية السنوية لكل السياسات الصناعية وتعديلها وفقاً للمتغيرات، وتنفذ ذلك لجنة خبراء مستقلة ترفع تقاريرها للسلطات العليا.
ختاماً، إن التحول نحو التصنيع الوطني ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو استراتيجية بقاء في عالم لا يحترم إلا الأقوياء اقتصادياً. إننا اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل الأزمات إلى منطلقات نهضوية، عبر تلاحم الإرادة السياسية مع رؤوس الأموال الوطنية، والبحث العلمي الرصين. إن الاعتماد على الذات في إنتاج ما نستهلك هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقلال المالي والسياسي، وبناء مستقبل تستحقه الأجيال القادمة، حيث تكون كلمة “صنع في الوطن” هي وسام الشرف الذي يزين اقتصادنا الوطني، ويعيد له بريقه ومكانته المستحقة في خارطة الاقتصاد العالمي. إن المقاربة التنموية الشاملة التي طرحناها ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق النهضة التي تنقلنا من استهلاك ما يصنعه الآخرون إلى إبهار الآخرين بما نصنع.