رأي

التقاطعات الجيوسياسية والسيادة الوطنية… حماية الثروة والهوية في طريقنا إلى دولة الإنتاج

د. الهيثم الكندي يوسف

في إطار بحثنا عن معالجة التشوهات الهيكلية وإدارة الانتقال من (دولة الغنيمة) إلى (دولة الإنتاج)، تبرز أمامنا إشكالية الموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية التي يذخر بها السودان. فموقعه الجغرافي وإطلالته على الناحية الغربية للبحر الأحمر جعله ملتقى طرق يربط بين أفريقيا والعالم العربي، وكذلك الحال بالنسبة لغناه بالموارد الزراعية والمعدنية والنفطية. كل هذا والذي كان من المفترض أن يكون مصدر قوة ونماء، جعله يتحول إلى محط أنظار الأطماع الدولية والإقليمية.

إن فهمنا للتقاطعات الجيوسياسية وتحليل أبعادها هو المفتاح الأساسي لتفكيك أسباب الحرب الحالية ومعرفة كيف يمكننا التعاطي معها. فالحرب التي تضرب بلادنا اليوم، وإن كانت تبدو في ظاهرها صراعا بين قوى داخلية (قوة شرعية وأخرى متمردة) إلا أنها في جوهرها انعكاس لتداخل أجندة خارجية تسعى للهيمنة على مقدرات البلاد وثرواتها.

عند قراءة المشهد من منظور تاريخي، نجد أن الغرب وتحديداً الولايات المتحدة وبريطانيا، اتخذ مواقف عدائية مستمرة تجاه السودان. وتتضح هذه النظرة التاريخية في النقاط التالية:

دعم التمرد: شجعت هذه القوى الحركات المتمردة على الخروج على الحكومة، وقدمت لها الدعم، وتغاضت عن الانتهاكات التي كانت تقوم بها. ودونكم تجربة مليشيا الدعم السريع وما تقوم به من جرائم وانتهاكات.

الحصار والعقوبات: استمرت في ترصد الحكومة وفرض العقوبات الاقتصادية والحظر الذي أثر على حياة المواطن البسيط.

استهداف المقدرات الاقتصادية: تدخلت تاريخياً لإيقاف مشاريع التنمية الحيوية مثل مشروع البترول السوداني، كما قامت بحرماننا من التكنلوجيا الغربية، وعملت علي تشجيع فصل جنوب السودان مما افقدنا مورد النفط الذي كان يمثل أكثر من 70% من موازنة الدولة آنذاك.

الحرب الإعلامية والدبلوماسية: قامت بتسخير المنصات الإعلامية الدولية والمنابر الأممية لدعم المعارضة والحركات المسلحة، وتلفيق الاتهامات المستمرة ضد الدولة.

الاستهداف العسكري: وصل الأمر في بعض المحطات إلى العدوان المباشر، مثل الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية علي مصنع الشفاء واليرموك للتصنيع الحربي.

خلاصة المشهد يشي بأننا أمام عداء تاريخي يهدف إلى السيطرة على موارد السودان وسلب إرادة الشعب، ومحاولة فرض سياسات وقوانين لا تتماشى مع أعراف وعقيدة الشعب السوداني. إننا محسودون على مواردنا الإقتصادية الهائلة وموقعنا الاستراتيجي ولن تتركنا هذه القوى بسهولة أن نستغل مواردنا، لأن امتلاكنا لزمام أمرنا سيجعلنا دولة مؤثرة ومستقلة في القرار الدولي دون أي تبعية لهم.

ولكن هل يعني هذا الواقع أن حلمنا بالانتقال إلى (دولة الإنتاج) قد أصبح مستحيلاً؟

على العكس تماماً، اذ يجب أن يكون هذا التحدي دافعاً لإعادة ترتيب اولوياتنا واستثمار ذات الثروات التي تصارعنا عليها ذات القوى. وذلك لمصلحة الأقاليم التي تحويها لننهي التهميش التاريخي ونؤسس لاقتصاد قوي، ففي ذلك حل لمشكلة السودان ومحاربة للمركزية التي أورثتنا الفشل لعقود. لهذا نحن نتبني رؤية تستغل التنوع الجغرافي والبشري الذي تحظي به بلادنا وذلك علي النحو التالي:

إقليم الشرق: بالإضافة لموقعه الجيواستراتيجي فهو يمتلك موانئ حيوية وإمكانات زراعية وتعدينية تجعله بوابة تجارية مهمة للعالم.

إقليم الوسط: يمثل السلة الغذائية للبلاد، ويضم بنية تحتية ومشاريع زراعية وصناعية ضخمة.

إقليم الغرب: يزخر بالثروة الحيوانية والموارد المعدنية الواعدة والمساحات الرعوية التي يمكن أن تساهم في دعم الاقتصاد.

إقليم الشمال: يمتلك الذهب الذي يمثل أهم مورد يعتمد عليه الاقتصاد السوداني اليوم، بالإضافة إلي الأراضي الخصبة التي تُروى من النيل والمياه الجوفية، كما يمتلك تاريخاً طويلاً في تجارة العبور.

كما قلنا فإن استغلال هذه الميزات لصالح مواطني كل إقليم هو السبيل الأنجع للقضاء على التهميش الذي كان وقوداً للصراعات. فعندما يشعر المواطن أن ثروات إقليمه تنعكس على مستوى معيشته وتوفر له فرص العمل، سيتحول الولاء الضيق إلى انتماء وطني جامع، وهو ما من شأنه أن يخلق حالة من الرضا المجتمعي، ما يجعل الناس يتواطؤون علي نقاط تلاقي وطني يصنع العقد الاجتماعي الذي يمكننا من النهوض بالبلاد من عثراتها ويضعها في الطريق الصحيح نحو دولة الكفاية والإنتاج.

إن التعاطي مع التقاطعات الجيوسياسية يتطلب منا تبني سياسة خارجية متوازنة تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن التبعية العمياء، حيث يستوجب ذلك إتباع الآتي:

تحصين القرار الوطني: يجب أن يبقى القرار السوداني مستقلا ومحصنا بإرادة الشعب ومؤسساته.

شروط التعاون: يمكننا التعاون مع مختلف القوى الدولية في مجالات (الاستثمار والتجارة والبني التحتية والطاقة ونقل التكنولوجيا وغيرها من المجالات)، ولكن وفق شروطنا التي تحفظ سيادة الدولة وكرامة مواطنيها وتحمي مواردنا من النهب.

في إطار سعينا نحو دولة الإنتاج، قد يظن البعض أن الحداثة تتطلب التخلي عن الهوية أو المرجعيات، وهذا فهم قاصر ومخالف لطبيعة المجتمع السوداني.

إن هويتنا ومرجعياتنا الدينية والوطنية ليست عائقاً أمام التطور، فهي الحصن الذي يحمي تماسكنا الاجتماعي والأخلاقي. هذا يعني أننا يجب أن نسعى لبناء (دولة الكفاية) دون أن نضطر إلى تغيير هويتنا ودون أن نفرط في أعرافنا وتقاليدنا، فالتطوير الاقتصادي والتكنولوجي يجب أن يندمج مع قيمنا وليس العكس.

إن الطريق إلى دولة الإنتاج مليء بالتحديات ولكنه ليس مستحيلاً. إن فهمنا العميق لكيفية التعامل مع القوي الإقليمية والدولية واستثمارنا لميزات الأقاليم وتمسكنا بهويتنا، هي الركائز التي ستخرجنا من أزماتنا وتصون سيادتنا، وتمكننا من استغلال ثرواتنا مع عدم تهاوننا في حفظ حقوق الأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى