تقارير

الاقتصاد السوداني.. عندما تتحول الحرب إلى انهيار في العملة

من بين كل مؤشرات الحرب السودانية ربما يكون سعر الجنيه هو المؤشر الذي يدخل كل بيت.
في مايو كان الدولار يساوي نحو 4,100 جنيه في السوق الموازية بالمناطق التي يسيطر عليها الجيش. وبحلول سبتمبر وصل إلى نحو 7,500 جنيه، بحسب تقرير موسع لرويترز. وقبل الحرب كان السعر في حدود 600 جنيه للدولار.
هذا ليس مجرد انهيار نقدي.
إنه تعبير عن إعادة تشكيل الاقتصاد السوداني بفعل الحرب.
دولة واقتصادان
المشكلة الأساسية هي أن مناطق الإنتاج والتجارة والسيطرة السياسية لم تعد متطابقة.
الحرب قسمت البلاد اقتصادياً مثلما قسمتها عسكرياً.
مناطق تنتج الذهب أو الصمغ العربي تقع خارج السيطرة الحكومية أو بالقرب من خطوط الحرب، بينما تتركز مؤسسات الدولة والبنوك والموانئ ومراكز الاستيراد في مناطق أخرى.
وهذا يجعل قدرة الحكومة على تحويل الموارد الطبيعية إلى نقد أجنبي محدوداً.
الذهب.. الثروة التي لا تنقذ العملة
المفارقة أن السودان يمتلك إنتاجاً مهماً من الذهب.
لكن وجود الذهب لا يعني تلقائياً وجود دولارات في البنك المركزي.
إذا خرج جزء من الإنتاج عبر قنوات غير رسمية أو استخدم لتمويل شبكات عسكرية وتجارية خارج النظام المصرفي، فإن أثره على احتياطيات الدولة يصبح محدوداً.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: ليست القضية مقدار ما ينتجه السودان فقط، بل كم منه يدخل النظام المالي الرسمي.
الطلب على الدولار
في المقابل، تحتاج الدولة والمستوردون إلى الدولار لشراء الوقود والقمح والدواء والآلات ومدخلات الإنتاج.
ومع تراجع الصادرات الرسمية، تصبح كمية الدولار المتاحة أقل من الطلب.
والنتيجة معروفة: يرتفع سعره.
ثم تنتقل الزيادة إلى الوقود والنقل والغذاء والإيجارات والخدمات.
العودة إلى الخرطوم تزيد الضغط
هناك عامل يبدو إيجابياً لكنه يخلق ضغطاً اقتصادياً قصير الأجل: عودة السكان تدريجياً إلى مناطق استعاد فيها الجيش السيطرة.
العائدون يحتاجون إلى الغذاء ومواد البناء والأثاث والأدوية والوقود.
أي أن الطلب على الواردات والعملات الأجنبية يرتفع في الوقت الذي تعاني فيه الدولة نقصاً أصلاً في النقد الأجنبي.
الرواتب تفقد معناها
حين ينخفض الجنيه بهذه السرعة، لا تحتاج الدولة إلى خفض راتب الموظف رسمياً.
التضخم يفعل ذلك نيابة عنها.
المعلم الذي يحصل على الراتب نفسه يستطيع شراء كمية أقل من الطعام، والتاجر يحتاج إلى رأس مال أكبر لاستيراد البضاعة نفسها، والمواطن الذي ادخر بالجنيه يرى مدخراته تفقد قيمتها.
وهكذا تتحول أزمة العملة إلى إعادة توزيع قاسية للثروة من أصحاب الدخول الثابتة إلى من يملكون الدولار أو الذهب أو الأصول الحقيقية.
هل يمكن وقف الانهيار؟
التدخلات النقدية وحدها قد تبطئ التراجع لكنها لا تستطيع حل المشكلة الأصلية.
لوقف انهيار العملة يحتاج السودان إلى زيادة موارد النقد الأجنبي الرسمية، وضبط صادرات الذهب، واستعادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتقليل الإنفاق غير المنتج، وإعادة بناء الثقة في النظام المصرفي.
لكن كل هذه الإجراءات تصطدم بحقيقة واحدة:
لا توجد سياسة نقدية تستطيع وحدها إصلاح اقتصاد تمزقه حرب مفتوحة.
ولهذا فإن سعر الدولار أصبح بصورة غير مباشرة مؤشراً يومياً إلى تكلفة استمرار الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى