د. اسامة محمد عبدالرحيم
ليست المشكلة الكبرى في التجارب السياسية الفاشلة، ولا حتى في الحروب والانقسامات وحدها، فالأمم—مهما بلغت من النضج—قد تخطئ، وقد تمرّ بمراحل اضطرابٍ وصراعٍ وانهيار. غير أن الفارق الحقيقي بين المجتمعات التي تتعلم من أزماتها، وتلك التي تعيد إنتاج مآسيها بصورةٍ متكررة، يكمن في وجود ثقافةٍ أخلاقية وسياسية تعترف بالخطأ، وتُقرّ بالتقصير، وتملك شجاعة الاعتذار أمام الشعوب والتاريخ.
فالاعتذار في الشأن العام ليس ضعفًا، ولا انكسارًا سياسيًا، ولا تنازلًا عن الكرامة، بل هو أحد أعلى أشكال الوعي بالمسؤولية. لأن من يتصدر المشهد العام، أو يشارك في صناعة القرار، أو يحمل السلاح، أو يؤثر في مصير البلاد، لا يتعامل مع قضيةٍ شخصية تخصه وحده، بل مع أوطانٍ وشعوبٍ ودماءٍ ومصائر أجيال كاملة.
وخلال الأسبوع الماضي، استضافت قناة الجزيرة مباشر، عبر الإعلامي أحمد طه، شخصيتين لهما حضورٌ واسع في المشهد السوداني، وإن اختلف موقع كلٍ منهما وطبيعة الدور الذي ارتبط باسمه.
الأول علي رزق الله “السافنا”، أحد قادة مليشيا الدعم السريع، والذي عاد إلى البلاد معلنًا انشقاقه عن المليشيا. والثاني خالد عمر يوسف “خالد سلك”، أحد أبرز رموز حزب المؤتمر السوداني، وقوى قحت وتقدّم، ومن بعدها صمود.
ورغم اختلاف السياق بين الرجلين، إلا أن ثمة نقطة لافتة جمعت بين المقابلتين؛ إذ طُرح على كلٍ منهما، بصورةٍ أو بأخرى، سؤال الاعتذار للشعب السوداني. الأول في إطار عودته من صفوف المليشيا، والثاني في إطار الحديث عن المراجعة السياسية واحتمالات العودة إلى الداخل والمشاركة في المستقبل السياسي للبلاد.
لكن اللافت أن كليهما رفض—بصيغ مختلفة—فكرة الاعتذار للوطن والشعب.
فعلي رزق الله “السافنا” لم يرَ فيما قام به، من انضمامٍ إلى مليشيا الدعم السريع والقتال ضمن صفوفها، ما يستوجب الاعتذار، رغم ما ارتبط بهذه الحرب من قتلٍ ونهبٍ ودمارٍ واسع، وما شهدته البلاد خلالها من فظائع وانتهاكات وجرائم ومآسٍ إنسانية هائلة. وبدا وكأن اختزال المسألة في كونه “قاتل قواتٍ ولم يقاتل الشعب” كافٍ لإعفائه من أي مسؤولية أخلاقية أو وطنية تجاه ما جرى.
أما خالد عمر يوسف، فلم يظهر—هو الآخر—أي إحساسٍ بضرورة الاعتذار السياسي أو المراجعة العلنية العميقة، رغم أن التجربة التي شارك فيها ضمن قحت، بالشراكة مع المكوّن العسكري عبر وثيقةٍ معطوبة ومختلة، كانت جزءًا من المسار الذي قاد البلاد إلى حالة الانسداد والفوضى والاضطراب التي انتهت إليها. وهي تجربة ارتبطت—في نظر قطاعٍ واسع من السودانيين—باحتكار السلطة داخل دائرة ضيقة، وإقصاء الآخرين، والتعويل المفرط على الخارج، وخلق حالةٍ من الارتباك السياسي والقانوني والأمني أسهمت بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة في تفكيك مؤسسات الدولة وتهيئة البيئة للانفجار الكبير.
وهنا لا تصبح القضية مرتبطة بالأشخاص وحدهم، بل بثقافةٍ سياسية كاملة، ظلّت تنظر إلى الاعتذار بوصفه هزيمة، لا فضيلة. بينما الحقيقة أن الإقرار بالخطأ في الشأن العام، هو أحد أهم شروط النضج السياسي والأخلاقي. لأن السياسي الذي لا يراجع نفسه، والقائد الذي لا يعترف بخطئه، وصاحب القرار الذي يرفض الاعتذار مهما كانت النتائج، يتحول—بمرور الوقت—إلى شخصٍ منفصل عن المعنى الحقيقي للمسؤولية العامة.
إن الاعتذار للوطن لا يعني بالضرورة الإدانة الجنائية أو القانونية، ولا يعني إسقاط الحق في الاختلاف السياسي، بل يعني الاعتراف بأن القرارات العامة قد تُخطئ، وأن الشعوب ليست حقول تجارب مفتوحة للنخب السياسية والعسكرية، وأن الدماء والخراب والانهيار ليست مجرد “تكاليف جانبية” يمكن تجاوزها بخطابات التبرير والمكابرة.
ولذلك فإن المجتمعات المتحضرة لا تقيس قيمة رجال السياسة فقط بقدرتهم على الوصول إلى السلطة، بل بقدرتهم على تحمّل المسؤولية الأخلاقية عن نتائج أفعالهم. ففي كثيرٍ من الدول، قد يُجبر مسؤول على الاستقالة أو الاعتذار بسبب خطأ إداري محدود، لأن فكرة المسؤولية هناك جزءٌ من ثقافة الدولة نفسها، لا مجرد إجراءٍ شكلي.
أما في التجربة السودانية، فقد تحوّل التهرب من الاعتذار إلى جزءٍ من بنية العمل العام؛ فالجميع يريد الحديث باسم الوطن، لكن قليلين فقط يملكون شجاعة الوقوف أمامه للاعتراف بالتقصير. وهنا تتجلى الأزمة الأعمق؛ أزمة العلاقة الأخلاقية بين النخب والوطن ذاته.
فالتعالي على فكرة الاعتذار، رغم حجم المآسي التي مرّت بها البلاد، لا يعكس قوةً سياسية، بقدر ما يكشف أزمة وعيٍ بالمسؤولية العامة. لأن من لا يرى في الدماء والدمار والانهيار ما يستدعي مراجعة النفس والاعتذار للشعب، يصبح—بصورةٍ أو بأخرى—فاقدًا لأحد أهم شروط العمل الوطني الناضج.
ولعل أخطر ما يصيب المجال العام، ليس فقط الخطأ، بل غياب القدرة على الاعتراف به. لأن الأوطان لا تُبنى بالادعاء المستمر للعصمة، ولا بإلقاء المسؤولية كاملة على الآخرين، بل تُبنى حين تدرك النخب السياسية والعسكرية والفكرية أن خدمة الوطن ليست امتيازًا يمنحها الحق في التعالي على الناس، وإنما مسؤولية أخلاقية وتاريخية تستوجب التواضع أمام الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
فمن لا يملك شجاعة الاعتذار للوطن، قد لا يملك—في الأصل—الوعي الكافي بمعنى الوطن نفسه. والأوطان قد تنجو من الحروب، وقد تتعافى من الخراب، لكنها من الصعب أن تتعافى من سلوك قيادات لا ترى في نفسها موضعًا للمراجعة أو الاعتذار.