فيما أرى
عادل الباز
في جلسة خاصة، لفت نظري قول أحد كبار ضباط القوات المسلحة العظام: “إن استقطاب النور قبة يمثل عملاً استخبارياً بامتياز، وإنجازاً عظيماً للاستخبارات السودانية”. طيلة المهرجان الذي صاحب استقبال النور قبة، وما خلفه من ردود أفعال إيجابية وسلبية، لم يُنسب فضل إنجاز هذا الانشقاق الكبير – الذي تلى انشقاق كيكل وتبعه انشقاق السافنا – إلى أي جهة، وكأنه حدث صدفة.
إن تفكيك التمرد من الداخل مؤكد أنه لم يحدث صدفة؛ فلا بد أن هناك عملاً صبوراً ودؤوباً وذكياً، يدرك تماماً أن الحروب لا تُكسب فقط في ميادين القتال، إنما في إضعاف العدو من الداخل، وتلك هي مهمة الاستخبارات. وهذا ما قامت به الاستخبارات السودانية في كل العهود، دون أن يشعر الشعب بأن هناك جيشاً غير مرئي، خارج دائرة الإعلام، يقاتل بصمت، ويحارب بالمعلومة، ويصل لأهدافه دون أن يطلق رصاصة واحدة.
2
يقول العميد (م) د. محمد الزين محمد أحمد في سفره القيم (الهدهد والعين الثالثة/ فلسفة الاستخبارات وهندسة الدولة)، متناولاً طبيعة ومهام عمل الاستخبارات (ص 144/145): “تُعد الاستخبارات العسكرية واحدة من أهم أدوات القيادة والسيطرة داخل القوات المسلحة، إذ تضطلع بمجموعة من الوظائف الحيوية التي تشكل منظومة متكاملة لدعم القرار العسكري وتأمين التفوق العملياتي في ميادين الحرب. ويبدأ دورها الأساسي بجمع المعلومات ومعالجتها وتحليلها وتوزيعها، عبر عمليات الرصد والتتبع والتحقق والتصنيف، ثم إيصال المعلومات إلى مستويات القيادة المختلفة وفق الاحتياجات العملياتية والتكتيكية”.
كما تقوم الاستخبارات العسكرية بإعداد الدراسات والتحليلات الاستراتيجية المتعلقة بالبيئة الدولية، وقدرات الخصوم، والتحالفات العسكرية، إضافة إلى متابعة التطورات التقنية في مجالات التسليح وأساليب القتال الحديثة. ويُعد تحليل مناطق العمليات أو ما يُعرف بـ “التحضير الاستخباري لساحة المعركة” من أهم وظائفها، حيث يشمل دراسة العوامل الجغرافية والبشرية والبيئية لتحديد مناطق المخاطر ومسارات التحرك وفرص التفوق التكتيكي.
وتلعب الاستخبارات دوراً محورياً في إعداد “تقديرات الموقف الاستخباري”، التي تقدم تقييماً شاملاً للوضع العسكري والسياسي للخصم، وتُستخدم كأساس للتخطيط واتخاذ القرار. كما تُعد قدرات الإنذار المبكر من أهم وظائفها، إذ تمكّن القيادة من توقع تحركات العدو وتهديداته المحتملة والتصرف بصورة استباقية.
وفي ميدان العمليات، تسهم الاستخبارات في فهم بنية العدو ونظام معركته، عبر تحليل توزيع قواته ونواياه ومراكز ثقله ونقاط ضعفه، بما يساعد القادة على اختيار أنسب أساليب الاشتباك وتحقيق التفوق النوعي. كذلك تؤدي دوراً مهماً في تقييم المخاطر والتهديدات، وحماية القوات من الاختراقات أو المفاجآت العملياتية.
ومن أهم أدوارها أيضاً تمكين عنصر المفاجأة العسكرية، من خلال إخفاء نوايا القوات الصديقة وتحليل قدرات العدو الاستخبارية، إضافة إلى كشف خطط الخداع والتضليل التي قد ينفذها الخصم، وتقديم تحليلات تساعد القيادة على بناء خطط مضادة.
كما تساهم الاستخبارات العسكرية في تقييم نتائج الضربات والعمليات القتالية، عبر قياس حجم خسائر العدو ومدى تحقيق الأهداف الاستراتيجية، بما يسمح بإعادة توجيه العمليات وتحديث الخطط وفق المعطيات الواقعية في ساحة المعركة. (انتهى الاقتباس).
3
خرجت الاستخبارات العسكرية السودانية الحديثة من البنية الاستخباراتية التابعة لقوة دفاع السودان التي أسسها البريطانيون عام 1925، بينما تشكلت بصورتها الوطنية الحديثة بعد استقلال السودان عام 1956. ومع التوسع المؤسسي الملحوظ في أواخر الخمسينيات والستينيات، تعاظم دورها في السبعينيات، وبلغت أوج قوتها ودورها في التسعينيات، مواصلة لعب دورها في المؤسسة العسكرية والسياسية السودانية منذ ذلك الوقت وحتى الآن. تُعد الاستخبارات العسكرية السودانية واحدة من أكثر المؤسسات تأثيراً داخل الدولة، بحكم ارتباطها المباشر بالمؤسسة العسكرية وملفات الأمن القومي والحروب الداخلية والإقليمية، وقد لعبت عبر تاريخ السودان الحديث أدواراً محورية تجاوزت جمع المعلومات التقليدية إلى التأثير في مسارات الحرب والسياسة والأمن الإقليمي.
برز دورها بصورة أساسية في إدارة الحروب والتمردات المتطاولة في السودان، خاصة في جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. وتمثلت مهامها في جمع المعلومات الميدانية، واختراق الحركات المسلحة المتمردة، وتحديد خطوط الإمداد، وتشغيل المصادر داخل مناطق النزاع، وتحليل قدرات الخصوم وتحركاتهم. وخلال الحرب الأهلية في الجنوب، اكتسبت سمعة واسعة باعتبارها من أكثر الأجهزة خبرة في إدارة “حروب الأطراف” والعمل داخل البيئات القبلية والجغرافية المعقدة.
كما عُرفت بقدرتها على اختراق الحركات المسلحة عبر تجنيد مصادر داخلها، وإدارة الانقسامات والانشقاقات، واستخدام الحرب النفسية، وهو ما جعل كثيراً من الحركات المتمردة تشهد انقسامات متكررة كان يُعتقد أن للاستخبارات العسكرية دوراً فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي الداخل العسكري، لعبت الاستخبارات العسكرية دوراً مهماً في حماية الجيش من الانقلابات والاختراقات الأجنبية. وبحكم قربها من مركز القرار داخل القوات المسلحة، أصبحت أحياناً جزءاً من ترتيبات التحولات السياسية نفسها؛ بل كانت في كل الثورات التي شهدها السودان تلعب الدور الحاسم في تقديم تقدير الموقف النهائي الذي غالباً ما يُبنى عليه قرار الانحياز إلى التغيير.
مع تطور طبيعة الحروب التي تخوضها القوات المسلحة في جبهات متعددة، توسع دورها ليشمل العمليات الخاصة والحرب غير التقليدية، مثل الاستطلاع خلف خطوط العدو، وإدارة المجموعات الخاصة، وتوجيه الضربات الدقيقة، وتشغيل القوات الصديقة المحلية، إضافة إلى الحرب النفسية والإعلامية.
إقليمياً، دخلت الاستخبارات العسكرية السودانية في ملفات معقدة تتعلق بليبيا وتشاد وإريتريا وإثيوبيا وجنوب السودان ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي، وغالباً ما كانت قنواتها الأمنية أكثر نشاطاً وتأثيراً من القنوات الدبلوماسية الرسمية.
4
بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، عاد دور الاستخبارات العسكرية إلى الواجهة بقوة، خاصة في تعقب شبكات الإمداد، والرصد الإلكتروني، وجمع معلومات الطائرات المسيّرة، وكشف الخلايا والمتعاونين، وإدارة المعلومات الميدانية، وتأمين القيادة والسيطرة لدعم القرار العسكري على مختلف المستويات.
ولهذا كثيراً ما وُصفت بأنها “الدولة العميقة داخل المؤسسة العسكرية”، بحكم قربها من القيادة، واطلاعها على توازنات القوة والملفات السيادية الحساسة، ولكن طبيعتها السرية تجعل من الصعب أحياناً الفصل بين الحقائق المؤكدة والروايات المتداولة حول نفوذها الحقيقي.
5
الآن تعمل الاستخبارات العسكرية السودانية في بيئة مختلفة ومتعددة الجبهات، وتواجه تحديات كبيرة ومعقدة تتجاوز أنماط الحروب التقليدية، إذ لم تعد المعركة مقتصرة على المواجهة الميدانية المباشرة، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، وحرب المعلومات، والطائرات المسيّرة، وشبكات الإمداد العابرة للحدود، والتدخلات الإقليمية والدولية. وهو ما يفرض عليها تطوير أدواتها وقدراتها التحليلية والتقنية بصورة مستمرة، حتى تتمكن من مواكبة طبيعة الصراع المتحوّلة، وتأمين الدولة ومؤسساتها في واحدة من أكثر البيئات الأمنية اضطراباً في المنطقة.