فيما أرى
عادل الباز
1
البنوك المركزية في كل العالم لا تُستهدف عادةً باعتبارها المسؤول الأول عن إدارة الاقتصاد، لأنها ببساطة لا تدير الاقتصاد الكلي للدولة، وإنما تدير جانباً محدداً ومهماً منه هو السياسة النقدية، بما يشمل إدارة السيولة، وتنظيم الجهاز المصرفي، والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي، وإدارة الاحتياطيات وسعر الصرف وفقاً للقوانين والسياسات المعتمدة.أما إدارة الاقتصاد بمعناها الأشمل فهي مسؤولية الحكومة وأجهزتها الاقتصادية مجتمعة.لكن البنك المركزى السودانى وحده المستهدف من دون مؤسسات الدولة الاقتصادية الاخرى.
ليست القضية في أن تُناقَش سياسات البنك المركزي أو تُنتقَد؛ فذلك حق مشروع. القضية هي أن تتحول المعلومات الداخلية إلى اسرار مكشوفة، قبل إعلانها، أداة لخدمة أطراف اخرى، فرق كبير بين النقد العلني وتسريب المعلومات، فرق ينبغي ألّا يضيع وسط الضجيج.
كان بنك السودان يتمتع بسرية مطلقة في أعماله وسياساته ولكن تبددت كل كل السرية والسبب، في رأيي، أن الله ابتلى بنك السودان بمن يحاولون هدم كل شيء من الداخل، ولا أحد يعبأ بما يفعلون؛ وصنف آخر مغاضب، فقد كرسيه، ثم ذهب إلى مقاهي القاهرة وتركيا، يثرثر بكل ما يعرف عن البنك المركزي وما لا يعرف، وتُسرّب المعلومات من داخل البنك وينشرها على الملأ … ثم، أخيرًا، أصبح هو الكاتب والناقد العظيم لسياسات البنك المركزي!.
2
الصنف الأول غير خفيّ، ولا يحتاج التعرّف عليه إلا إلى متابعة حسابه العلني على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن عجبي أن هؤلاء يظهرون بصورهم وهم يلبسون كدمولاتهم، ويهتفون باسم الميليشيا. تصوّروا أن هؤلاء يجلسون الآن خلف الشاشات في بنك السودان، يقرؤون كل أسراره ويسرّبونها لمن يهمهم الأمر في الخارج والداخل!.
ومن يهمهم الأمر هؤلاء، للأسف، مديرون سابقون ونواب مديرين سابقون؛ أحدهم غادر مقعد محافظ بنك السودان إلى صفوف الميليشيا، وأصبح مديرًا للبنك المركزي للجنجويد في نيالا، ومعه نائبه الذي يتبوّأ الان منصبًا ماليًا رفيعًا من المناصب الوهمية للجنجويد في نيالا. هؤلاء أخذوا معهم كل أسرار بنك السودان : حجم الذهب، والاحتياطي، والعملات المطبوعة، وأين تُطبع؛ مما سهّل عليهم التآمر، فطبعوا الأوراق النقدية وأغرقوا السوق بها.
والذين يتساءلون عن ارتفاع سعر الصرف بصورة يومية، فإن جزءًا من هذا الارتفاع يعود إلى الانكشاف الذي تعرّضت له الدولة بواسطة الجنجويد الذين توظّفهم الحكومة، والتي لا تزال تحتفظ بهم في دهاليز الدولة كل الدولة وليس بنك السودان وحده ، حيث يرتكبون الجرائم الصامتة وهم ملثّمون خلف شاشاتوالمكاتب.
سعر الدولار في نيالا أربعة آلاف جنيه، وسعره في الخرطوم تجاوز ثمانية آلاف! ليس ذلك لأن نيالا تتمتع بحجم اقتصاد أو صادرات أكبر، أو تتلقى عوائد أكثر من الخرطوم، ولكن لأن الجنجويد الذين نهبوا ذهب البنك المركزي وملايين الدولارات، وأخذوا معهم مطبعة العملة وبها تريليونات، يوظّفون كل ذلك في حربهم الاقتصادية ضد السودان، مدعومين بخزائن مفتوحة من الكفيل. ويُضاف إلى كل ذلك ما يتدفق عليهم يوميًا من معلومات من داخل البنك المركزي بالخرطوم.
3
ابتلى الله البنك المركزي… بمدير سابق يثرثر ليل نهار في مقاهي القاهرة، يسرّب معلومات البنك، يكتب لبعض الكتاب مقالاتهم، فهو بذلك يمارس فعلًا جبانًا ومضحكًا وعبثيًا. فالأفضل والأكرم له أن يكتب بنفسه ترّهاته التي يدلقها بأقلام بعض الكتّاب والصحفيين؛ لأن لغته مكشوفة، ولغتهم معروفة، وعلاقتهم بالاقتصاد معلومة، وبعضهم لا يفرّق بين سعر الصرف والصرف الصحي!
ولذا، أدعو هذا المدير والكاتب المتخفي إلى أن يتمتع بفضيلة الشجاعة، ويتقدم إلى ساحة النقد العام غير وَجِل؛ فهي مفتوحة. وليواصل حربه علنًا ضد البنك الذي تربّى فيه، وليقدّم آراءه؛ فإذا كانت فيها فائدة أو جديد، فقد يجد من يستفيد منها.
كان الله في عون بنك السودان؛ فأحصنة طروادة التي تفيض بالجنجويد وحلفاءهم تحاصره من الداخل، وعصابات مافيا الذهب والعملة والنفط تحاصره من الخارج والحكومة تعلم ، وجهاز الأمن يعلم، وكلهم يلوذون بالصمت، كأن هذا الخراب لا يعنيهم! الله غالب.