الصادق البديري
في عالم السياسة، هناك قواعد راسخة تخبرك بأنه لا يمكنك أن تطلب من شخص ما السلامة بينما تلوح بمسدس في وجهه.
لكن يبدو أن دونالد ترامب، رجل الأعمال الذي تحول إلى رئيس ثم عاد رئيسًا، لم يقرأ تلك القواعد قط، أو ربما قرأها وقرر أن يكتب نسخته الخاصة: “السلام بالقصف، والاتفاق تحت وابل من الصواريخ”.
هذه هي خلاصة سياسته تجاه إيران، وهي سياسة أشبه بفيلم كوميدي مكون من جزأين: جزء تم إنتاجه عام 2018، وجزء ثانٍ أُنتج بعد عودته الرئاسية، ولا تزال حلقاته تُعرض يوميًا.
لنبدأ من البداية، أو بالأحرى من حيث فقد كل شيء معناه، في مايو 2018، وقف ترامب في البيت الأبيض ليعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، ذلك الاتفاق الذي وصفه بأنه “كارثي” و”أسوأ صفقة في التاريخ”.
وفي تلك اللحظة، أطلق العنان للتناقضات التي ستعذب العالم لسنوات، فبينما كان ينتقد الاتفاق لأنه سمح لإيران بتخصيب اليورانيوم، كان الانسحاب هو ما دفع طهران للبدء في تخصيب اليورانيوم فعلاً!
ليس هذا فقط، بل تجاوزت إيران النسب المسموح بها في الاتفاق الأصلي لتصل إلى 60%، وهو ما يشبه أن تطلب من ابنك ألا يأكل الحلوى، ثم ترمي الحلوى في وجهه.
وفي تلك الرحلة من التناقض، لم يكن الطريق وعِرًا على أحد بقدر ما كان وعِرًا على ترامب نفسه، الذي وجد نفسه بعد سنوات يحاول إعادة بناء ما هدم.
وفي الفصل الثاني من المسرحية، ذلك الذي بدأ بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض في مارس 2025، أطلق تحذيره الشهير: “إذا لم يتوصلوا إلى اتفاق، فسيكون هناك قصف لا مثيل له”.
جميل جدًا! الخيارات واضحة: إما اتفاقية سلام، وإما قصف “لا مثيل له”! هذا يشبه إلى حد كبير عرض زواج يبدأ بعبارة: “إما أن تقبلي بي، وإلا سأحرقك وأهلك أجمعين”.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فبعد أيام فقط من القصف الفعلي الذي شنته الولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025، والتي وصفها ترامب بأنها “نصر عظيم”، خرج ليصرح بأنه سيعيد القصف “إذا لزم الأمر”، مرة أخرى، مرة أخرى نقصف، ربما الثالثة أيضًا لأن السلام يحتاج إلى الكثير من القنابل من أجل أن يُولد!
ولعل أجمل ما في القصة هو تصريحه الذي قال فيه إن الضربات “دمرت تمامًا المنشآت النووية الإيرانية”، بينما جاءت التقييمات الاستخبارية لتقول إن الضربات أخرت البرنامج بضعة أشهر فقط.
وهذا هو ترامب كما نعرفه: “حقائقه الخاصة تُصنع في الاستوديو، ويتم عرضها على “تروث سوشيال” في مواعيد محددة، ويلاحظ مراقبون أنه ينشر أحيانا على منصته قرارين متناقضين خلال أقل من 24 ساعة.
لكن القمة في التناقضات، تلك التي تستحق جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو متناقض، كانت في نهاية شهر مايو، خرج ترامب ليصرح بأنه سيقرر بحلول يوم الأحد ما إذا كان سيستأنف العمليات العسكرية ضد إيران، ووصف فرص التوصل إلى اتفاق بأنها “50/50″، أي أنه لا يعرف ما الذي سيفعله أكثر مما نعرفه نحن، وأضاف أن النتيجة قد تكون اتفاقًا “جيدًا” أو أن تختار أمريكا “تدميرهم تمامًا”.
هذه ليست سياسة خارجية، هذه جلسة تحضيرية لمسلسل تلفزيوني واقعي! إنه يعطيك خيارين لا ثالث لهما: إما برتقالة أو طائرة حربية، وبعد يوم واحد فقط، خرج ليعلن أن المفاوضات كانت “جيدة جدًا” وأنه يرى “تقدمًا حقيقيًا”.
وبطبيعة الحال، لم تستطع وسائل الإعلام الأمريكية أن تصمت أمام هذا الكم الهائل من التناقضات، ففي الوقت الذي كان فيه ترامب يصف التقارير الإخبارية التي تشير إلى تفوق إيران العسكري بأنها “خيانة عظمى”، كان الإعلاميون يسخرون منه بطريقة لا تُضاهى.
وتحول ترامب إلى “كوميديا سوداء” متكاملة داخل أمريكا، ففي برنامج “الليلة” الشهير، جسّد الممثل الكوميدي جيمي فالون مشهدًا ساخرًا من ترامب وهو يقول إنه يتفاوض مع إيران عبر الهاتف بدلًا من الرحلات الدبلوماسية الطويلة، وكأنه يطلب بيتزا بدلًا من التفاوض على قضية سلام عالمية!
أما وسائل الإعلام الجادة، مثل صحيفة نيويورك تايمز، فلم تتوانَ عن تحليل سلوك ترامب باعتباره سياسة “تتأرجح بين التهديد والدبلوماسية بشكل عشوائي، وكأنها تُدار بواسطة عصا سحرية لا تعرف ما الذي تريد فعله”.
بل إن وول ستريت جورنال وذا هيل أجمعتا على أن سياسة ترامب تجاه إيران تتسم بـ”التناقض الحاد بين لغة الحرب وخطاب التسوية”، وهو ما وصفته بأنه “سياسة بلا بوصلة”.
وفي تحليل نشرته صحيفة العربي الجديد مؤخرًا، وُصف الموقف بأنه “مأزق ترامب مع إيران”، والمأزق هنا ليس سياسيًا فقط، بل “مأزق نفسي وجودي!” فكيف يمكن لرجل أن ينسحب من اتفاق لأنه يظن أنه يقيّد إيران، ثم يكتشف بعد سنوات أن إيران لم تعد قابلة للتقييد، ويحاول التفاوض لإنهاء ما بدأه بنفسه؟ هذا مثل من يحرق بيته ثم يلوم الآخرين على أنه أصبح بلا مأوى.
وتبقى السياسة الإيرانية لترامب لغزًا محيّرًا. هل هو رجل سلام في ثياب حرب، أم رجل حرب في ثياب سلام؟ أم أنه مجرد رجل لا يعرف ما هو ثيابه أصلاً، ويبدّل مواقفه كما يُبدّل قمصانه، كل يوم بطريقة مختلفة تمامًا؟، ربما تكون إجابة هذا السؤال معروفة فقط لدى ترامب نفسه، ولكن حتى هو، على ما يبدو، لا يعرف الإجابة.