تقارير

أزمة عالقي أبيي.. هل كشفت رحلة العودة الطوعية أزمة هوية مؤجلة؟

القاهرة – سماح طه

لم تكن رحلة العودة الطوعية التي انطلقت من مصر إلى السودان تحمل على متنها مجرد ركاب أنهكتهم الحرب والغربة، بل حملت معها أيضًا أحد أكثر الملفات تعقيدا في السودان؛ ملف الهوية والانتماء القانوني لأبناء منطقة أبيي.

فعلى متن الباخرة “سينا” التابعة لهيئة وادي النيل، وجد (104) من أبناء أبيي أنفسهم عالقين لأيام في ميناء وادي حلفا، بعد أن أوقفت السلطات السودانية إجراءات دخولهم بسبب إشكالات تتعلق بالرقم الوطني ووثائق إثبات الهوية، لتتحول رحلة العودة إلى أزمة إنسانية وسياسية أعادت إلى السطح قضية ظلت مؤجلة لسنوات.

بداية الأزمة

وصل العائدون ضمن برنامج العودة الطوعية الذي تنفذه السلطات السودانية بالتعاون مع جهات مختلفة لإعادة السودانيين من مصر، غير أن إجراءات الدخول توقفت بعد اكتشاف أن عدداً من الركاب لا يحملون الرقم الوطني السوداني، بينما يحمل آخرون وثائق صادرة عن إدارة أبيي، وهي وثائق تبين لاحقًا أنها أصبحت غير معتمدة بعد قرار رسمي بتجميد العمل بها.

ومع استمرار احتجاز العائدين على متن الباخرة، تصاعدت المخاوف، خاصة وأن بينهم عشرات النساء والأطفال، في وقت بدأت فيه مناشدات واسعة لإنهاء الأزمة.

نداء إلى رئيس الوزراء

في خضم الأزمة، وجه رئيس المجلس الأعلى لتنسيق شؤون دينكا أبيي بالسودان، شول موين بول، رسالة عاجلة إلى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، مطالبًا بالتدخل الفوري للإفراج عن المحتجزين.

وأوضح أن أزمة الرقم الوطني ليست جديدة، مشيرًا إلى اجتماعات سابقة مع مسؤولين بالدولة لمعالجة الملف، لكنها لم تسفر عن حلول عملية، الأمر الذي أدى إلى تكرار الأزمة مع كل محاولة لعودة أبناء أبيي إلى السودان.

وتساءل في رسالته: إلى أين يذهب أبناء أبيي الذين لا يحملون رقمًا وطنيًا رغم أنهم يعتبرون أنفسهم مواطنين سودانيين؟

أسبوع من الانتظار

استمرت الأزمة نحو أسبوع كامل، بقي خلاله الركاب على متن الباخرة في ظروف استثنائية، بينما تكفلت هيئة وادي النيل بتشغيل الباخرة بصورة مستمرة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للركاب، في خطوة لاقت إشادة واسعة من لجنة الأمل للعودة الطوعية.

وأكد رئيس اللجنة، المهندس محمد وداعة، أن الهيئة تعاملت بمسؤولية عالية، مما حال دون وقوع أي مضاعفات صحية أو إنسانية وسط العالقين.

التسوية

وبعد سلسلة من المشاورات والتدقيق في الوثائق، أعلنت لجنة الأمل للعودة الطوعية التوصل إلى تسوية أنهت الأزمة.

وأوضح وداعة أن السلطات وافقت على السماح بدخول كل من يثبت امتلاكه وثيقة دخول معتمدة، بينما سيتم التعامل مع الحالات التي لا تتوفر لديها مستندات كافية وفقًا لقانون الأجانب والإجراءات القانونية المعمول بها.

وأشار إلى أن الأزمة كشفت تعقيدات أكبر تتعلق بملف الهوية، موضحًا أن سنوات الحرب أوجدت أوضاعًا استثنائية، من بينها حصول بعض غير السودانيين على الرقم الوطني، وهو ما فرض تحديات أمام أجهزة الدولة في التحقق من الهويات.

أين غابت المنظمات الدولية؟

وخلال حديثه، انتقد رئيس لجنة الأمل للعودة الطوعية غياب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن المشهد، معتبرًا أن الملف كان يستوجب حضورًا أكبر من المنظمات الدولية المختصة، خاصة أن الأمر يتعلق بعائدين من ظروف نزوح طويلة.

أزمة انتهت… وملف لم يُغلق

ورغم انتهاء أزمة العالقين والسماح لمعظم الركاب بمواصلة رحلتهم إلى داخل السودان، فإن القضية كشفت هشاشة معالجة ملف الهوية في أبيي، وأكدت أن الأزمة لم تكن أزمة رحلة أو وثيقة، بل نتيجة تراكمات سياسية وقانونية امتدت لسنوات.

فأبناء أبيي الذين عادوا إلى وطنهم بعد سنوات من النزوح، وجدوا أنفسهم أمام سؤال قديم يتجدد: كيف يثبت المواطن انتماءه لوطنه عندما تصبح وثائقه محل خلاف؟

وبينما أغلقت أزمة الباخرة “سينا” مؤقتًا، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة السودانية هو وضع معالجة نهائية وعادلة لملف الرقم الوطني ووثائق أبناء أبيي، حتى لا تتحول كل رحلة عودة إلى أزمة جديدة، ولكي تكون العودة بداية للاستقرار لا محطة أخرى من الانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى