عبدالله علي ابراهيم
اتفقت مع الدكتورة ناهد محمد الحسن أن منصور خالد لم يكن نسيج وحده في الزهادة في الديمقراطية الليبرالية كنظام لم يخلق لمثل لبلدنا وأن سبيلها للتحرر من ربقة قوى الإرث والتخلف هو ديمقراطية جديدة بحزب واحد يكون الجيش على طليعتها. وكانت هذه الدعوة، العسكريتاريا، من الشيوع حتى صح أن يسترعي انتباهنا من حدث وخرج عليها أو “شظ” كما نقول. ويزيد استرعاء الانتباه هذا حذاقة وشغفاً أن يكون هذا الذي “شظ” حزب شيوعي بينه والديمقراطية، أياً كانت، ما بين الشحمة والنار في العقيدة السائدة.
فحين شاعت عقيدة الديمقراطية الجديدة كما رأينا من فقهها عند منصور خالد في النصف الثاني من الستينات خرج الحزب الشيوعي السوداني إلى مقاربة أزمة الدولة متمسكاً بالديمقراطية الليبرالية تمسكاً اعتورته ارتدادت وصحوات غاية في الإثارة والتعقيد.
1946-1965: البرلمانية السودانية للاشتراكية
كانت أزمة الحكم في السودان موضوع تفكير شاغل بما لا يحتاج إلى تنويه. وكان الحزب الشيوعي من بين من خرجوا استراتيجياً وتكتيكياً للتفكير فيها. وخلافاً لمنصور تمسك الحزب الشيوعي بالديمقراطية الليبرالية سبيلاً لاختراق تلك الأزمة وعبورها. واستحقت مسألتان النظر هنا: “شذوذ” أن يتمسك حزب شيوعي بالديمقراطية الليبرالية ومثله من بلغت سوء سمعة مثله أن جرى حله في فرنسا يوماً لأنه متى فاز بالانتخابات كانت تلك الأخيرة في البلد: ديكتاتورية بروليتاريا لآخر حد. أما المسالة الثانية فغرابة تمسكه بهذه الديمقراطية أيضاً وهو الحزب الذي لم يؤذ مثله في وجود نفسه من برلمان ليبرالي التكوين في حين انصرف القبيل من حوله، نظراً وممارسة، إلى ما سموه بالديمقراطية الجديدة أو الاجتماعية في سياق ذاعت فيه العقيدة عالمياً وقارياً وإقليمياً.
ولعقيدة الحزب الشيوعي في الديمقراطية الليبرالية تاريخ وكسوب ممارسة:
تبنى الحزب الشيوعي السوداني طريق البرلمانية للاشتراكية بعد مؤتمره الثالث في عام ١٩٥٦ في نشدانه التطبيق الخلاق للماركسية. فلم يتلجلج كما يخيل أن الماركسي يفعل حيال الديمقراطية البرجوازية-الليبرالية، بل عدها سبيلاً جيداً لتحقيق تغيير جذري في مجتمعه.
فقامت استراتيجيته منذ نشأته على تلازم الصراع من أجل الاشتراكية والصراع من أجل الديمقراطية بصورة لا فكاك منها. وساقته قناعته بهذا التلازم إلى عقيدة الديمقراطية الليبرالية (مع لجلجة منها أحياناً في أوضاع نأتي عليها) قديمة. فهي كسبه من جهتين: خروجه من رحم الحركة الوطنية التي سادتها الفكرة الليبرالية. فلم تحل دون تفاؤله بالديمقراطية الليبرالية غربة جيلِه المؤسس عن الثرى الوطني كما في أحزاب شيوعية أخرى. كما لم تثقل عليه، من الجهة الأخرى، عزلة صفوية عن الجماهير تحرضه على التآمر وحرق المراحل.
وارتكز في خطته تلك على خبرته المعززة في العمل النقابي بين العمال وغيرهم من الكادحين ممن تقلد قيادة منابرهم النقابية والفئوية، وتجمره في الخبرة الانتخابية المتكررة بينهم للنيابة عنهم. كما لم يخل أي برلمان منذ 1954، عام الحكم الذاتي، من نائب عنه. وخلص إلى أن العمال، الذين فتح العمل النقابي أعينهم على حقوقهم في نطاق العمل، سيتقبلون عاجلاً أو آجلاً الاشتراكية على أساس الحقوق البرجوازية الليبرالية. فترافق الكفاح لأجل الديمقراطية من جهة والاشتراكية من جهة أخرى في استراتيجية الحزب. وهذا ما يفسر مقاومة الحزب الضارية لفرض “ديمقراطية جديدة” على يد انقلابيين تقدميين، بل وصفها بأنها مثل “صراخ من أعلى البيوت”.
لم يشذ الحزب عن بقية الثوريين الأفارقة في نظرته للبرجوازية السودانية كشظايا طبقية تفرقت بين الأحزاب الدينية التقليدية. ولم يـُغوِ هذا التبخيس للبرجوازية الحزب مع ذلك لاستبعادها بالمرة من ملعب السياسة ودَمَقْرَطة البلد. وعلى غير منحى الراديكاليين الذين شجعهم بؤس البرجوازية إزاء إحداث التغيير على نبذها تماماً وتبنّي دمقراطية واشتراكية جديدتَيْن، تشبث الحزب بقوة برؤيته للحقوق الليبرالية كوسيلة لا مندوحة عنها لتحقيق الاشتراكية. وكان ذلك بخلاف لراديكاليين آخرين قنعوا من خير في البرجوازية لإحداث التغيير، وتواثقوا على صرف النظر عنه بالكلية.
عوضا عن ذلك استغل الحزب ذلك الوهن الطبقي للبرجوازية لوضع الطبقة لعاملة في قيادة مرحلة الوطنية الديمقراطية صوب الاشتراكية. ولواعج وشجون هذا الدور تتجلى في طرفة عن لقاء بين زعيم برجوازي وعبد الخالق محجوب. وقيل فيها إن محجوب، سكرتير الحزب الملهم من عام ١٩٤٩ إلى ١٩٧١، شوهد مستقلاً سيارة يقودها سياسي ينتمي لحزب برجوازيّ. وعندما سُئل عبد الخالق كيف سمح لنفسه أن يُقاد برجعي في سيارة قال من فوره: “لم ننكر أبداً حقهم في قيادة السيارة. لكننا لن نتنازل لهم على الإطلاق يحتكرون من يقرر مسار طريقها”. فحتى السياسات المضادة للديمقراطية التي شنتها عليه الأحزاب البرجوازية والتقليدية لم تـُـثن الحزب عن تشبثه بقناعته بالديمقراطية الليبرالية كطريق إلى الاشتراكية.
من هنا بوسع المرء أن يتفهم غمامة الشك التي طوفت بقناعته بسلامة الليبرالية سكة للاشتراكية بعد حله بواسطة البرلمان بعد الحملة الشعواء التي تولت كبرها الأحزاب التقليدية والإسلامية. ونفذت تلك الغمامة بقوة إلى تقرير مؤتمر الرابع (1967) المعنونة “الماركسية وقضايا الثورة السودانية”. بيد أن ذلك لم يحُل دون تأكيد الحزب موقفه الثابت من الديمقراطية الليبرالية حتى في نفس الوثيقة التي سقم منها واستشأمها على السودان.
لم يكن الحزب الشيوعي في عجلة من أمره للتغيير. ومن هنا جاء قوله المأثور في أدبياته: “النضال الدائب والصبور”. واستمر في توجيه أعضائه ألا يستعجلوا الأمر، وأن يجوّدوا كفاحهم فيما يستلزمه ذلك من وقت. وساقته خبرته الطويلة في العمل النقابي إلى اعتقاد بأن الأحزاب البرجوازية والتقليدية، وهي الأغلبية في البلد، ليس لديها مع ذلك القدرة للتأثير على الطبقة العاملة والحضرية مثل قدرة الشيوعيين. وحين يكثف الشيوعيون التأثير عليهم للوعي بمصالحهم الطبقية والمعاصرة سينتخبون الشيوعيين لنقاباتهم، ولكن ليس في انتخابات عامة. ليس بعد. ورجح عند الحزب الشيوعي أن ذلك فأل حسن لمستقبل الأيام. فبمرور الوقت سيتقبل العاملون بالاشتراكية قياساً إلى القيم الليبرالية البرجوازية. ويفسر هذا سر تعايش الحزب الشيوعي مع واقع هيمنة أغلبية تقليدية وبرجوازية في الديمقراطية البرلمانية في السودان. فلم يكن متعجلاً رحيلهم.