عادل الرفاعي أبوالحسن
في الحروب لا تُحسم المعارك بالخطب، وإنما بما يفرضه الواقع على الأرض. فالميدان هو المعيار الحقيقي لمعرفة من يملك زمام المبادرة، ومن يحدد اتجاه الأحداث، ومن يفرض إيقاع المعركة.
ومن هنا يأتي معنى “أبنص” في التعبير السوداني؛ وهو مرتبط بالضغط على دواسة الوقود لزيادة السرعة، في إشارة إلى رفع وتيرة الحركة وتسريع العمليات والدفع المستمر نحو تحقيق الأهداف.
أما “فك الرسن” فهو تعبير يُستخدم للدلالة على إطلاق الحركة وإعطاء مساحة للتحرك. وفي خطاب حميدتي الأول بعد هزيمة قواته في شمال كردفان، جاء الحديث عن فك الرسن باعتباره رسالة إلى المليشيا والمرتزقة للتحرك وإظهار أن القدرة على المبادرة ما زالت قائمة.
لكن الواقع يكذب هذا الخطاب؛ فالتمرد منذ بدايته لم يكن مقيدًا في استخدام القوة، بل شهد استخدامًا واسعًا للقوة المفرطة والمميتة وبأساليب عنيفة استهدفت المواطنين قبل القوات المسلحة. فقد استخدمت المليشيا أسلحة فتاكة وقوة غاشمة ضد المدنيين العزل، دون تمييز بين طفل وكبير سن، أو امرأة ورجل، أو مريض وسليم.
وهذه الوقائع لم تكن مجرد روايات متداولة، بل وثقتها تقارير وشهادات صادرة عن جهات دولية وحقوقية وإنسانية مختلفة، تناولت أحداث القتل والترويع والانتهاكات واستخدام القوة داخل المناطق السكنية. كما رصدت تلك التقارير حجم الفوضى الأمنية التي صاحبت الحرب، ومحاولات فرض واقع جديد بالقوة وإرباك مؤسسات الدولة.
ولهذا فإن حديث “فك الرسن” يأتي في سياق مختلف؛ فهو لا يعكس بداية استخدام القوة، لأن القوة استُخدمت منذ بداية التمرد، وإنما يُنظر إليه – وفق هذا التحليل – كمحاولة لإظهار القدرة على الحركة، ورفع معنويات المليشيا ومرتزقتها، وإرسال رسالة إلى الداعمين بأن القدرة على الفعل ما زالت موجودة.
في المقابل، شهد الميدان تحولًا مع انتقال الجيش السوداني إلى مرحلة استعادة المبادرة وتسريع العمليات في عدد من المحاور. وكان تحرير مدينة أم سيالة والمناطق الواقعة على طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض تطورًا استراتيجيًا مهمًا، لأن هذه المنطقة كانت تمثل محورًا حاكمًا للحركة والإمداد والمراقبة. فأهمية هذا المحور لم تكن في موقعه الجغرافي فقط، وإنما في دوره العملياتي؛ فقد كان يمثل مساحة للتحرك والاستطلاع، وتنطلق منه التحركات والكمائن، وتتحرك عبره خطوط الإمداد والتموين، الأمر الذي جعله عنصرًا مؤثرًا في قدرة المليشيا على المناورة والتحرك.
لذلك فإن تحرير هذه المناطق لم يكن مجرد تقدم جغرافي، بل كان تحولًا في معادلة الحركة؛ لأن فقدان المواقع الاستراتيجية يعني فقدان القدرة على المراقبة والاستطلاع وسرعة المناورة وفرض شروط المعركة.
وفي العلوم العسكرية، فإن امتلاك زمام المبادرة يمثل عاملًا أساسيًا في التفوق؛ فالطرف الذي يحدد توقيت العمليات واتجاهها يجبر خصمه على الرد بدلًا من المبادرة.
ومن هنا تأتي مرحلة أبنص الجيش السوداني؛ أي تسريع وتيرة العمليات، ورفع مستوى التحرك في مختلف الجبهات والمحاور، واستثمار الوضع الميداني قبل أن يتمكن الخصم من إعادة ترتيب صفوفه أو استعادة قدرته على المناورة.
فالمرحلة الحالية هي مرحلة تحويل المبادرة إلى نتائج، وتحويل التقدم إلى مكاسب استراتيجية، لأن الحسم لا يعتمد فقط على السيطرة على المواقع، وإنما على القدرة على فرض إيقاع المعركة والمحافظة على الزخم.
إن حديث “فك الرسن” لا يغير حقيقة أن معيار القوة هو الواقع الميداني، وأن من يملك المبادرة هو من يملك القدرة الأكبر على رسم مسار الأحداث.
وفي هذه المرحلة، فإن الحفاظ على المبادرة يتطلب – وفق هذا التصور – مواصلة رفع وتيرة العمليات وتسريع التحركات في مختلف المحاور والجبهات، واستثمار حالة التراجع التي يمر بها التمرد، وعدم منحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه أو استعادة قدرته على الحركة والمناورة.
ففي الحروب، تكون المحافظة على الزخم عاملًا حاسمًا؛ لأن إتاحة الوقت للخصم لاستعادة التوازن وتجديد قدراته قد تعيد إنتاج حالة الاستنزاف. ولذلك فإن تحويل التفوق الميداني إلى نتائج استراتيجية يمثل جوهر المرحلة القادمة.
أبنص الجيش السوداني ليس مجرد سرعة في الحركة، بل هو عنوان لامتلاك زمام المبادرة، ومن يملك المبادرة هو الذي يملك القدرة الأكبر على تحديد مسار الأحداث.